يُعد العنف ضد النساء واحدا من أكثر الانتهاكات الحقوقية انتشارا في العالم، حيث تشير بيانات منظمة الأمم المتحدة إلى أن واحدة من كل ثلاث نساء تتعرض خلال حياتها لشكل من أشكال العنف الجسدي أو الجنسي، وفي هذا السياق، برزت اتفاقية إسطنبول كإطار قانوني دولي رائد يهدف إلى مواجهة هذه الظاهرة عبر منظومة متكاملة من الوقاية والحماية والملاحقة القانونية، ومع تصاعد الجدل حول انسحاب تركيا من الاتفاقية، عاد النقاش العالمي حول فعالية الالتزامات الدولية في حماية النساء إلى الواجهة. المصدر هيئة الأمم المتحدة للمرأة
اعتمد مجلس أوروبا اتفاقية إسطنبول عام 2011، ودخلت حيز التنفيذ عام 2014، لتكون أول معاهدة ملزمة قانونيا تركز بشكل شامل على مكافحة العنف ضد النساء والعنف الأسري، وتقوم الاتفاقية على أربعة محاور رئيسية هي الوقاية والحماية والملاحقة القضائية والسياسات المتكاملة، وقد صممت لتلزم الدول بتطوير تشريعات وطنية فعالة، وإنشاء مراكز حماية، وضمان وصول الضحايا إلى العدالة دون تمييز أو عوائق.
الأرقام العالمية لحجم الأزمة
تشير بيانات منظمة الصحة العالمية إلى أن نحو 736 مليون امرأة تعرضن للعنف الجسدي أو الجنسي مرة واحدة على الأقل خلال حياتهن، دون احتساب حالات التحرش النفسي والاقتصادي، كما تسجل الأمم المتحدة أن ما يقارب 89 ألف امرأة يقتلن سنويا على يد شركاء حاليين أو سابقين أو أفراد من أسرهن، هذه الأرقام تعكس أزمة عالمية مستمرة تتطلب أدوات قانونية ملزمة مثل اتفاقية إسطنبول.
كما تؤكد منظمة الأمم المتحدة للمرأة أن معدلات العنف لم تشهد انخفاضا ملموسا خلال العقد الأخير، رغم توسع التشريعات، ما يشير إلى فجوة واضحة بين القوانين والتطبيق الفعلي على أرض الواقع.
انسحاب تركيا وبداية الأزمة
بدأت الأزمة في 20 مارس 2021 عندما صدر مرسوم رئاسي يقضي بانسحاب تركيا من اتفاقية إسطنبول، وقد أثار القرار جدلا واسعا داخليا ودوليا، باعتباره تراجعا عن التزام دولي أساسي في مجال حماية النساء، واعتبرت منظمات حقوقية أن الانسحاب يمثل نقطة تحول في مسار حماية المرأة في تركيا، خاصة في ظل ارتفاع معدلات العنف الأسري المسجلة خلال السنوات الأخيرة، بحسب منصة سنوقف قتل النساء.
المسار القانوني
بعد صدور القرار، لجأت منصة سنوقف قتل النساء إلى القضاء التركي للطعن في شرعية الانسحاب، معتبرة أن الاتفاقيات الدولية يجب أن تُعتمد وتُلغى عبر البرلمان وليس بقرار رئاسي منفرد، غير أن مجلس الدولة رفض إلغاء المرسوم، ثم أكدت المحكمة الدستورية عدم قبول الطعن، ما أغلق المسار القانوني الداخلي، هذا التسلسل دفع المنصة إلى اللجوء إلى القضاء الأوروبي باعتباره المسار الأخير المتاح.
تم تقديم الملف إلى المحكمة الأوروبية لحقوق الإنسان، متضمنا ادعاءات بانتهاك الحق في محاكمة عادلة، والحق في وسيلة انتصاف فعالة، ومبدأ عدم التمييز، إضافة إلى الإخلال بمبدأ الأمن القانوني، ويعد هذا التحرك خطوة مفصلية، إذ ينقل القضية من نطاق السيادة الوطنية إلى الرقابة القضائية الدولية.
مواقف المنظمات الحقوقية
أعربت منظمة العفو الدولية عن قلقها من أن انسحاب تركيا قد يضعف الحماية القانونية للنساء ويشجع على الإفلات من العقاب في قضايا العنف الأسري، كما أكدت هيومن رايتس ووتش أن القرار يشكل سابقة خطيرة قد تؤثر على التزامات الدول الأخرى بالاتفاقيات الدولية المتعلقة بحقوق الإنسان.
وتؤكد الأمم المتحدة أن مكافحة العنف ضد النساء تمثل التزاما عالميا يرتبط بأهداف التنمية المستدامة، خاصة الهدف الخامس المتعلق بالمساواة بين الجنسين، وتشدد المنظمة على أن الاتفاقيات الدولية مثل اتفاقية إسطنبول تمثل أدوات أساسية لترجمة الالتزامات إلى سياسات عملية. المصدر الأمم المتحدة
التداعيات الاجتماعية والإنسانية
تشير تقارير منظمة الصحة العالمية إلى أن العنف ضد النساء لا يقتصر على الإصابات الجسدية، بل يرتبط بآثار نفسية طويلة الأمد تشمل الاكتئاب والقلق واضطرابات ما بعد الصدمة، كما يؤدي إلى تفكك الأسر وزيادة معدلات العنف المنزلي، إضافة إلى تأثيرات سلبية على الأطفال الذين ينشئون في بيئات غير مستقرة، وهذه التداعيات تجعل من العنف ضد النساء قضية اجتماعية شاملة وليست فردية فقط. المصدر منظمة الصحة العالمية
التداعيات الاقتصادية
توضح بيانات البنك الدولي أن العنف ضد النساء يفرض كلفة اقتصادية ضخمة على الدول، تشمل خسائر في الإنتاجية وتكاليف الرعاية الصحية والخدمات الاجتماعية، وتشير التقديرات إلى أن بعض الدول تخسر ما يصل إلى 2 بالمئة من ناتجها المحلي بسبب آثار العنف القائم على النوع الاجتماعي، ما يعكس بعدا اقتصاديا مباشرا للأزمة.
داخل أوروبا، تعد اتفاقية إسطنبول جزءا من الإطار القانوني الأساسي لمكافحة العنف ضد النساء، وقد صادقت عليها معظم دول الاتحاد الأوروبي، غير أن الانسحاب التركي أثار نقاشا واسعا حول قوة الالتزامات الدولية وحدود السيادة الوطنية، خاصة في ظل تصاعد تيارات سياسية تشكك في بعض الاتفاقيات متعددة الأطراف، بحسب تقارير مجلس أوروبا.
القضاء الأوروبي
تمثل المحكمة الأوروبية لحقوق الإنسان جهة رقابية عليا في هذا الملف، حيث يمكنها تقييم مدى توافق الانسحاب مع الالتزامات الحقوقية، ورغم أن قراراتها تستند إلى اتفاقية حقوق الإنسان الأوروبية، فإن تأثيرها يمتد إلى الدول الأعضاء في مجلس أوروبا، ما يمنح القضية بعدا قانونيا يتجاوز حدود تركيا.
في قضايا سابقة، أكدت المحكمة الأوروبية أن الدول ملزمة بحماية الأفراد من العنف الأسري ضمن إطار حقوق الإنسان، ما يعزز احتمالات أن تكون القضية الحالية ذات تأثير واسع على تفسير الالتزامات الدولية، وهذه السوابق تجعل من الملف الحالي اختبارا مهما لمستقبل الحماية القانونية للنساء في أوروبا.
جدل السيادة مقابل الالتزام الدولي
يثير انسحاب تركيا نقاشا قانونيا واسعا حول العلاقة بين السيادة الوطنية والالتزامات الدولية، حيث يرى مؤيدو القرار أنه يعكس حق الدولة في إعادة تقييم التزاماتها، بينما تعتبره منظمات حقوقية تراجعا عن التزامات أساسية في مجال حقوق الإنسان، وهذا الجدل يعكس توترا متزايدا في النظام القانوني الدولي بين الاعتبارات السياسية والحقوقية.
تاريخيا، لم يكن العنف ضد النساء يحظى بالاهتمام الكافي في الأنظمة القانونية، إلى أن بدأت حركة حقوق المرأة في دفع المجتمع الدولي نحو تبني اتفاقيات ملزمة، وقد شكلت اتفاقية إسطنبول نقطة تحول لأنها أولت أهمية للوقاية وليس فقط العقاب، وربطت بين العنف والتمييز البنيوي في المجتمع. المصدر مجلس أوروبا
وتكشف قضية اتفاقية إسطنبول عن تداخل معقد بين القانون والسياسة وحقوق الإنسان، حيث تتقاطع الالتزامات الدولية مع القرارات السيادية للدول، ومع انتقال الملف إلى القضاء الأوروبي، يدخل النقاش مرحلة جديدة قد تحدد مستقبل حماية النساء في أوروبا وخارجها، وفي ظل استمرار ارتفاع معدلات العنف عالميا، تبقى الحاجة ملحة إلى تعزيز الأدوات القانونية الدولية وضمان عدم تراجع المكتسبات الحقوقية التي تحققت خلال العقود الماضية، بما يضمن حماية أكثر فاعلية للنساء في مختلف المجتمعات.

