منصة راصدة تحليلية لقضايا حقوق الإنسان

من باماكو إلى الشمال المضطرب.. أزمة مالي الإنسانية تتفاقم بين الإرهاب والانقسام السياسي

02 مايو 2026
العنف المسلح في مالي
العنف المسلح في مالي

أدان الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش تصاعد أعمال العنف في مالي، محذرا من تداعيات خطيرة على الاستقرار الإقليمي، ومشددا على ضرورة تحرك دولي منسق لمواجهة التهديدات المتزايدة المرتبطة بالتطرف العنيف والإرهاب، إضافة إلى تلبية الاحتياجات الإنسانية العاجلة، وذلك وفق بيان صادر عن الأمم المتحدة، وتأتي هذه الإدانة في أعقاب موجة هجمات منسقة استهدفت مواقع استراتيجية في عدة مدن، في تطور يعكس تحولا نوعيا في طبيعة الصراع.

شهدت العاصمة باماكو ومدن رئيسية مثل غاو وموبتي وكيدال هجمات متزامنة، وصفها مشروع بيانات مواقع النزاعات المسلحة بأنها الأكثر تنسيقا منذ سنوات، ووفقا لبيانات المشروع شاركت في هذه العمليات جماعة نصرة الإسلام والمسلمين المرتبطة بتنظيم القاعدة إلى جانب فصائل مسلحة من الطوارق، حيث استهدفت هذه الهجمات منشآت عسكرية ومراكز حيوية في وقت واحد، ما يشير إلى مستوى عال من التنسيق والقدرة العملياتية.

خريطة الصراع أطراف متعددة

يتسم النزاع في مالي بتعقيد كبير نتيجة تعدد الفاعلين المسلحين، فإلى جانب الجماعات المتشددة، تنشط حركات انفصالية في شمال البلاد تسعى إلى حكم ذاتي في إقليم أزواد، وفي المقابل، يعتمد المجلس العسكري الحاكم على الجيش في مواجهة هذه التهديدات، وتشير تحليلات صادرة عن مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية إلى أن هذا التداخل بين النزاع الانفصالي والتطرف العنيف يجعل من الصعب احتواء الأزمة عبر الحلول العسكرية فقط.

تعود جذور الأزمة الحالية إلى عام 2012، حين اندلع تمرد في شمال مالي أعقبه انقلاب عسكري، ما أدى إلى انهيار مؤسسات الدولة في أجزاء واسعة من البلاد، وتوضح تقارير برنامج الأمم المتحدة الإنمائي أن هذا الانهيار أوجد فراغا أمنيا استغلته الجماعات المسلحة لتوسيع نفوذها، خاصة في المناطق الريفية والنائية، كما أسهمت الأزمات السياسية المتكررة والانقلابات في إضعاف ثقة المواطنين بالمؤسسات الرسمية.

تحولات ما بعد الانقلابات

منذ عام 2021، شهدت مالي تحولات سياسية عميقة مع صعود المجلس العسكري إلى السلطة، ما أدى إلى إعادة تشكيل علاقاتها الدولية، وتشير تقارير مجموعة الأزمات الدولية إلى أن هذه التحولات رافقها تراجع في التعاون مع الشركاء الدوليين، بما في ذلك انسحاب بعثة الأمم المتحدة لتحقيق الاستقرار في مالي، وهو ما ترك فراغا أمنيا إضافيا ساهم في تصاعد العنف.

وتكشف بيانات مشروع بيانات مواقع النزاعات المسلحة أن عام 2025 شهد ارتفاعا ملحوظا في عدد الهجمات المسلحة مقارنة بالعام السابق، مع تسجيل آلاف الحوادث المرتبطة بالنزاع، كما يشير معهد الاقتصاد والسلام إلى أن منطقة الساحل، بما فيها مالي، أصبحت من أكثر مناطق العالم تضررا من الإرهاب، حيث تمثل نسبة كبيرة من ضحايا الإرهاب عالميا.

أزمة إنسانية تتسع

تؤكد بيانات مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية أن أكثر من 7 ملايين شخص في مالي بحاجة إلى مساعدات إنسانية، في ظل تدهور الأوضاع الأمنية والاقتصادية، كما تشير المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين إلى نزوح أكثر من 400 ألف شخص داخليا، إضافة إلى تدفق اللاجئين إلى دول الجوار.

إجراءات وتفتيشات أمنية في مالي

انهيار الخدمات الأساسية

تعاني قطاعات حيوية من انهيار متزايد، حيث توضح تقارير منظمة الأمم المتحدة للطفولة أن مئات المدارس أغلقت بسبب العنف، ما حرم آلاف الأطفال من التعليم، كما تشير بيانات منظمة الصحة العالمية إلى تراجع الخدمات الصحية في مناطق النزاع نتيجة استهداف المرافق الطبية ونقص الكوادر.

توضح تقارير برنامج الأغذية العالمي أن نحو 1.5 مليون شخص يواجهون انعداما حادا في الأمن الغذائي، في ظل تداخل النزاع مع آثار التغير المناخي وارتفاع الأسعار، ما يزيد من هشاشة المجتمعات المحلية.

انتهاكات حقوق الإنسان

وثقت منظمة هيومن رايتس ووتش ومنظمة العفو الدولية انتهاكات جسيمة، شملت عمليات قتل خارج نطاق القانون واعتقالات تعسفية وانتهاكات بحق المدنيين، سواء من قبل الجماعات المسلحة أو القوات النظامية، ما يعكس غياب المساءلة القانونية.

تشير دراسات البنك الدولي إلى أن الاقتصاد غير الرسمي، بما في ذلك تهريب السلاح والذهب، يلعب دورا محوريا في تمويل النزاع، ما يعقد جهود الاستقرار ويطيل أمد الصراع.

ولا يقتصر تأثير العنف داخل مالي فقط بل يمتد إلى دول الجوار مثل النيجر وبوركينا فاسو، حيث تشير تقارير البنك الدولي إلى تزايد مخاطر انتشار الجماعات المسلحة عبر الحدود، ما يهدد استقرار منطقة الساحل بأكملها.

القانون الدولي ومسؤولية الحماية

تنص قواعد القانون الدولي الإنساني، ولا سيما اتفاقيات جنيف لعام 1949 وبروتوكولاتها الإضافية، على التزام جميع أطراف النزاع بحماية المدنيين وعدم استهدافهم، وضمان وصول المساعدات الإنسانية دون عوائق، كما تُجرّم هذه القواعد الانتهاكات الجسيمة مثل القتل العمد والتعذيب والهجمات العشوائية باعتبارها جرائم حرب تستوجب المساءلة الدولية، وفي هذا السياق، تؤكد تقارير مجلس حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة أن الوضع في مالي يشهد استمرار انتهاكات خطيرة تشمل استهداف المدنيين وعمليات احتجاز تعسفي، في ظل ضعف الالتزام بالقانون الدولي من قبل أطراف متعددة في النزاع.

ويعزز مبدأ مسؤولية الحماية، الذي اعتمدته الأمم المتحدة عام 2005، من واجب المجتمع الدولي في التدخل لمنع الإبادة الجماعية وجرائم الحرب والتطهير العرقي والجرائم ضد الإنسانية، عندما تعجز الدولة أو تفشل في حماية سكانها، إلا أن تطبيق هذا المبدأ في الحالة المالية يواجه تحديات معقدة، أبرزها القيود السياسية، وغياب توافق دولي حاسم، إضافة إلى تعقيدات السيادة الوطنية.

وتشير تقارير المحكمة الجنائية الدولية إلى أن بعض الانتهاكات المرتكبة في مالي قد ترقى إلى جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية، وقد فتحت المحكمة بالفعل تحقيقات سابقة تتعلق بالوضع في البلاد، إلا أن محدودية الوصول إلى مناطق النزاع وصعوبة جمع الأدلة تعرقل تحقيق تقدم ملموس في محاسبة المسؤولين.

من جانبها، توثق منظمة هيومن رايتس ووتش ومنظمة العفو الدولية نمطا متكررا من الإفلات من العقاب، حيث لا يتم التحقيق في العديد من الانتهاكات أو محاسبة مرتكبيها، سواء كانوا من الجماعات المسلحة أو من القوات النظامية، ما يضعف ثقة السكان في منظومة العدالة ويزيد من تعقيد الأزمة.

وفي ظل هذه التحديات، تؤكد تقارير اللجنة الدولية للصليب الأحمر أن تعزيز احترام القانون الدولي الإنساني يتطلب التزاما فعليا من جميع الأطراف، إضافة إلى دعم دولي لبناء قدرات القضاء الوطني، وضمان استقلاليته، وتمكينه من التعامل مع الجرائم المرتكبة خلال النزاع، باعتبار ذلك خطوة أساسية نحو الحد من الانتهاكات وتحقيق قدر من العدالة للضحايا.

المستقبل بين التصعيد والاحتواء

تشير تحليلات مجموعة الأزمات الدولية إلى أن مستقبل مالي يتوقف على عدة عوامل، من بينها قدرة السلطات على استعادة السيطرة، ومستوى الدعم الدولي، وإمكانية التوصل إلى تسويات سياسية مع بعض الفاعلين المحليين، وتبقى السيناريوهات مفتوحة بين استمرار التصعيد أو الدخول في مرحلة جمود أو تحقيق اختراق سياسي محدود.

في ظل هذا المشهد المعقد، تبدو الأزمة في مالي أكثر من مجرد صراع أمني، إذ تتداخل فيها العوامل السياسية والاقتصادية والإنسانية بشكل يجعل معالجتها تتطلب مقاربة شاملة، وتؤكد تقارير الأمم المتحدة والمنظمات الحقوقية أن غياب الحلول المتكاملة قد يؤدي إلى تفاقم الأزمة، وتحولها إلى تهديد طويل الأمد للاستقرار في منطقة الساحل بأكملها.

Picture of عاطف عبد المولى
عاطف عبد المولى
صحفي متخصص في الشئون العربية والدولية