منصة راصدة تحليلية لقضايا حقوق الإنسان

يواجهون العمل القسري والإهمال الطبي دون مساءلة

16 ساعة عمل ووجبات فاسدة وموت بلا مساءلة.. جحيم الصيادين على السفن الصينية

23 أبريل 2026
المهاجرون على متن سفن الصيد يواجهون العمل القسري والإهمال الطبي
المهاجرون على متن سفن الصيد يواجهون العمل القسري والإهمال الطبي

يكشف عمل الصيادين المهاجرين على متن سفن صيد صينية عن نمط ممتد من الانتهاكات الجسيمة، يمتد من الإهمال الطبي وساعات العمل المفرطة إلى الوفيات داخل البحر، في مشهد يثير أسئلة حادة حول حقوق العمل وسلاسل الإمداد العالمية

بدأ عبدول، عامل غسيل الملابس السابق، رحلته الأولى في فبراير 2025 على متن سفينة صيد تونة بالخيوط الطويلة في المحيط الهندي، قبل أن يتحول جسده سريعاً إلى مؤشر مبكر على أزمة أعمق، حيث تدهورت حالته الصحية بعد أربعة أشهر فقط، إذ عانى من تورم شديد في ساقيه وكدمات، ولم يعد قادراً على الوقوف، لكنه اضطر إلى مواصلة العمل.

استمر عبدول، البالغ من العمر 36 عاماً، في العمل رغم حالته، وسط بيئة عمل قاسية امتدت إلى 16 ساعة يومياً، مقابل أجر شهري بلغ 4.6 مليون روبية إندونيسية، أي نحو 198 جنيهاً إسترلينياً، ولم يتلقَّ أي رعاية طبية مناسبة، ولم يُمنح فترات راحة، وفق ما نقلته صحيفة “الغارديان”.

تدهورت أوضاع الطاقم تدريجياً، إذ ظهرت أعراض مشابهة على عدد من الصيادين، شملت آلاماً حادة في الأطراف وضعفاً عاماً وضيقاً في التنفس، ارتبطت هذه الأعراض، وفق شهادات جمعتها مؤسسة العدالة البيئية، بحالات نقص غذائي حاد يُشبه مرض “البري بري” الناتج عن نقص الفيتامينات.

وكشفت تفاصيل الحياة اليومية على متن السفينة عن نمط غذائي سيئ، حيث قُدمت وجبات من أسماك غير طازجة مع نقص واضح في الخضروات، في حين شرب الطاقم مياهاً مُقطرة من البحر، وُصفت بأنها شديدة الملوحة أو عكرة اللون عند تعطل الأجهزة.

تدهورت حالة الصياد الفلبيني إيسكو بعد إعلان عدم قدرته على العمل، لكن بدلاً من نقله إلى الميناء، تعرض لما وصفه زملاؤه بعقاب مباشر، أُجبر على النوم في العراء على سطح السفينة، دون حماية سوى غطاء بسيط، في مواجهة المطر والحرارة.

أكد الصياد جوكو، البالغ من العمر 34 عاماً، أن إيسكو مُنع من العودة إلى غرفته لأربعة أيام، رغم توسلاته، وفي ظل غياب أي تدخل طبي، توفي بعد تلك الفترة، وفق شهادات متعددة.

تكررت المأساة، إذ توفي ثلاثة صيادين خلال الرحلة نفسها، بينهم فلبيني آخر وإندونيسي، جميعهم نتيجة أمراض لم تُشخّص، لم تعد السفينة إلى الميناء إلا بعد تدهور حالة صياد ثالث، لكنه فارق الحياة قبل الوصول.

وثّق أفراد الطاقم لحظات ما بعد الوفاة، حيث صُنع نعش مؤقت من ألواح خشبية، ولفّ الجثمان ببطانية، قبل وضعه في مُجمّد السفينة، في مشهد يعكس غياب الحد الأدنى من الكرامة الإنسانية.

أظهر مقطع فيديو حصلت عليه مؤسسة العدالة البيئية جثة أحد الصيادين ملقاة في ممر السفينة، قبل أن يُعاد ترتيبها وفق طقس جنائزي، في حين استمر العمل على متن السفينة بشكل طبيعي في الخلفية.

انتهاكات عابرة للحدود

وسّعت تقارير صحفية، منها ما نشرته صحيفة “واشنطن بوست”، نطاق الأزمة، كاشفة عن نمط أوسع من الانتهاكات في صناعة صيد الحبار الصينية، المرتبطة مباشرة بأسواق الولايات المتحدة وأوروبا.

وأظهرت تحقيقات مؤسسة العدالة البيئية أن أكثر من 160 من أفراد الطاقم، معظمهم من إندونيسيا والفلبين، تعرضوا لانتهاكات جسدية، شملت الضرب والخنق، إلى جانب مصادرة وثائقهم وحجب أجورهم.

نقلت الصحيفة الأمريكية عن مدير مشروع مصايد الحبار في المؤسسة، دومينيك طومسون، أن ما يحدث يمثل “سلسلة صادمة من انتهاكات حقوق الإنسان”، مشيراً إلى أن العمال يعملون في ظروف مزرية ويتعرضون للاستغلال رغم تدني أجورهم.

كشف التقرير أن 29 سفينة صينية، أي نحو ثلثي السفن التي شملها التحقيق، شهدت حالات عنف أو وفيات بين الطاقم، في حين يبقى العديد من هذه السفن في البحر لأشهر أو حتى سنوات، ما يعقّد فرص النجاة أو الإبلاغ.

ربطت التحقيقات بين هذه الانتهاكات وسلاسل توريد تمتد إلى أكثر من 187 مستورداً عالمياً، يقع نحو 45% منهم في الولايات المتحدة، ما يعني أن المنتجات المرتبطة بهذه الانتهاكات تصل مباشرة إلى موائد المستهلكين.

تنظيم غائب

أظهرت البيانات أن الصين تمتلك أكبر أسطول صيد في أعالي البحار عالمياً، يضم أكثر من 2500 سفينة، ويصطاد ما يزيد على 2.5 مليون طن من المأكولات البحرية سنوياً، في قطاع يلبي الطلب المحلي والعالمي.

توسعت عمليات الصيد، خصوصاً صيد الحبار، بشكل كبير خلال السنوات الأخيرة، حيث تسهم الصين بنحو ثلث الإنتاج العالمي، وفق تقديرات مؤسسة العدالة البيئية.

تركزت هذه العمليات في مناطق خارج “المنطقة الاقتصادية الخالصة” للدول، ما يعني غياب الرقابة القانونية الفعالة. أدى ذلك إلى بيئة مفتوحة لانتهاكات مزدوجة؛ بيئية، وحقوقية.

تضاعفت ساعات الصيد بين عامي 2019 و2024، ما زاد الضغط على النظم البيئية البحرية، ورفع مخاطر الصيد الجائر، إضافة إلى ممارسات مثل قتل الفقمات ونزع زعانف أسماك القرش.

دعوات للمساءلة

انتقد الرئيس التنفيذي لمؤسسة العدالة البيئية، ستيف ترينت، ما يجري واصفاً إياه بأنه “إهمال جسيم لا يُغتفر” و”اعتداء عنيف على حقوق الإنسان”، مؤكداً أن هذه الحالات ليست استثنائية بل نموذجية.

دعا ترينت إلى تعزيز الشفافية في سلاسل الإمداد، محذراً من أن المنتجات الناتجة عن هذه السفن قد تصل إلى أسواق كبرى، منها الاتحاد الأوروبي والمملكة المتحدة.

كشف تقرير أن المملكة المتحدة تستقبل سنوياً نحو ألف “شهادة صيد” من الصين، تعادل 58 ألف طن من المأكولات البحرية، لكنها لم ترفض سوى أربع شحنات منذ عام 2012، رغم سجل الانتهاكات.

وأشار المتخصص الفني في منظمة العمل الدولية، بن هاركنز، إلى أن المشكلة تمثل “تحدياً عالمياً كبيراً”، مؤكداً أن غياب إطار قانوني منظم لظروف العمل في قطاع الصيد يفاقم الأزمة.

تكشف هذه الوقائع عن فجوة حادة بين الاقتصاد العالمي وحقوق الإنسان، حيث تتحول البحار إلى مساحات مفتوحة لانتهاكات ممنهجة، بعيداً عن الرقابة والمساءلة.

تعيد هذه الأزمة طرح أسئلة جوهرية حول مسؤولية الدول والشركات في حماية العمال، وحول دور المستهلكين في سلاسل الإمداد التي تربط بين معاناة العمال والمنتجات النهائية.

تظل معاناة عبدول وزملائه، بما حملته من مرض وموت وخوف، شاهداً حياً على كلفة بشرية مخفية وراء صناعة بحرية مزدهرة، لا تزال تعمل خارج حدود العدالة.