منصة راصدة تحليلية لقضايا حقوق الإنسان

السجون التركية..أرقام قياسية وضغوط حقوقية متصاعدة

16 أبريل 2026
نزلاء داخل أحد السجون التركية
نزلاء داخل أحد السجون التركية

شهدت تركيا تحولاً كبيراً في سياسات الاحتجاز بعد محاولة الانقلاب الفاشلة في 2016، حيث ارتفعت أعداد المعتقلين بشكل حاد، خاصة في القضايا المرتبطة بالأمن القومي، ورغم التوسع في بناء السجون، استمرت مشكلة الاكتظاظ نتيجة تسارع وتيرة الاعتقالات مقارنة بمعدلات التوسع في البنية التحتية رغم تزايد الانتقادات الحقوقية المحلية والدولية.

وتشير أحدث بيانات وزارة العدل التركية إلى أن عدد السجون ومراكز الاحتجاز بلغ نحو 403 منشآت تضم أكثر من 360 ألف سجين في2025 بينهم 14,276 أجنبياً، مقارنة بنحو 320 ألفاً في 2023، ما يعكس اتجاهاً تصاعدياً واضحاً في معدلات الاحتجاز، وتؤكد هذه الأرقام، وفق تقارير رسمية، أن النظام العقابي يواجه تحديات متزايدة في استيعاب هذا العدد المتنامي من النزلاء.

أزمة الاكتظاظ وتداعياتها

توضح بيانات معهد الإحصاء التركي أن الطاقة الاستيعابية للسجون أقل من الأعداد الفعلية، مع وصول نسب الإشغال في بعض المؤسسات إلى أكثر من 120 بالمئة، ويؤدي ذلك إلى ضغوط على الخدمات الأساسية، ومنها الرعاية الصحية وظروف الإقامة، وهو ما انعكس في تقارير رسمية رصدت تراجعاً في جودة الخدمات في عدد من المؤسسات العقابية داخل تركيا.

تتركز النسبة الكبرى من السجون في المدن الكبرى مثل إسطنبول وأنقرة وإزمير، وفقاً لبيانات وزارة العدل، ما يفاقم الضغط على هذه المنشآت نتيجة الكثافة السكانية وارتفاع معدلات التوقيف، ويؤدي إلى تفاوت في مستوى الخدمات بين المناطق.

السجناء على خلفيات سياسية

تشير تقديرات منظمات حقوقية مثل هيومن رايتس ووتش ومنظمة العفو الدولية إلى أن عدد المحتجزين في قضايا مرتبطة بالإرهاب أو الأمن القومي يتجاوز 90 ألف شخص، وهو ما تصنفه هذه المنظمات ضمن فئة السجناء السياسيين. في المقابل، تؤكد وزارة الداخلية التركية أن هذه القضايا تندرج ضمن إطار مكافحة الإرهاب وتخضع لإجراءات قضائية.

النساء والأطفال داخل السجون

تظهر بيانات وزارة العدل أن عدد النساء في السجون تركيا بلغ نحو 15 ألف سجينة في 2025، كما يوجد نحو 5415 طفلاً داخل السجون، بعضهم محتجزون (4524) والبعض الآخر يقيم مع أمهاتهم (891)،  كما تشير الأرقام إلى وجود 6,638 نزيلاً تجاوزت أعمارهم 65 عاماً، ما يفرض تحديات إضافية على الرعاية الصحية والدعم النفسي داخل المؤسسات الإصلاحية، وفق تقارير الأمم المتحدة واليونيسف.

انتهاكات حقوقية

تشهد السجون التركية تزايداً في التقارير الحقوقية التي توثق انتهاكات تتعلق بظروف الاحتجاز، حيث أصدرت جهات محلية عدة، منها الجمعية الطبية التركية ومؤسسة حقوق الإنسان في تركيا وجمعية حقوق الإنسان، بياناً مشتركاً حذرت فيه من حرمان السجناء من حقوقهم الأساسية، مشيرة إلى أن العزل الانفرادي أصبح ممارسة منهجية في بعض السجون.

يركز البيان على أوضاع ما يعرف بسجون الحراسة المشددة أو السجون من النوع الجيد، حيث تُحتجز أعداد من النزلاء في زنازين فردية تفتقر إلى التهوية المناسبة، وتُغطى نوافذها بأسلاك، مع السماح بفترات تهوية محدودة تتراوح بين ساعة وساعتين يومياً، كما أشار إلى استخدام تقنيات مراقبة متقدمة تعمق عزلة السجناء.

حالات وفاة ومخاوف صحية

تناول البيان قضية السجين روج هات بابات الذي توفي في أبريل 2025، وسط تضارب في المعلومات حول ظروف وفاته، إذ أفادت روايات بأنه حاول الانتحار مرتين دون إخطار عائلته، في حين أعلنت السلطات وفاته في مستشفى بمدينة قيصري، كما أشار إلى حالة السجين محمد أديب تاشار البالغ من العمر 70 عاماً، والذي توفي أثناء تلقي العلاج رغم معاناته من أمراض مزمنة وانخفاض وزنه إلى أقل من 40 كيلوغراماً.

الإضراب عن الطعام وسيلة احتجاج

بحسب البيان المشترك، لجأ عدد من السجناء إلى الإضراب عن الطعام احتجاجاً على ظروف الاحتجاز، خاصة في السجون المشددة، مطالبين بنقلهم إلى منشآت أخرى، وأفادت التقارير بتدهور الحالة الصحية لبعض المضربين، مع ظهور أعراض خطيرة مثل فقدان الوزن واختلال التوازن وزيادة خطر العدوى.

كما تشير تقارير نقابة الأطباء التركية إلى أن الاكتظاظ ونقص الموارد يؤثران في جودة الرعاية الصحية داخل السجون، مع تسجيل حالات تأخر في العلاج وصعوبات في نقل المرضى إلى المستشفيات، وهو ما يتقاطع مع ما ورد في تقارير منظمات حقوقية دولية.

التكلفة الاقتصادية للنظام العقابي

تكشف البيانات الرسمية والتقارير البرلمانية في تركيا عن تصاعد ملحوظ في الإنفاق الحكومي على قطاع السجون، مدفوعاً بزيادة أعداد النزلاء والتوسع المستمر في بناء منشآت جديدة. ووفقاً لبيانات موازنة 2025، خصصت وزارة العدل التركية نحو مليار و213 مليون ليرة تركية استثمارات مباشرة لإنشاء سجون جديدة خلال العام، ضمن خطة لإضافة 11 مؤسسة عقابية جديدة في عدة ولايات.

ولا يقتصر الإنفاق على المشروعات السنوية، إذ تشير وثائق الاستثمارات الحكومية إلى أن التكلفة الإجمالية لبناء هذه السجون الجديدة قد تصل إلى نحو 23.5 مليار ليرة حتى عام 2027، ما يعكس التزاماً طويل الأجل بتوسيع البنية التحتية العقابية لمواكبة الزيادة في أعداد السجناء، كما تُظهر بيانات الميزانية الممتدة بين 2020 و2025 أن إجمالي ما تم إنفاقه على تطوير وبناء السجون بلغ نحو 6.8 مليار ليرة، مع تسجيل عام 2021 ذروة الإنفاق بأكثر من 1.6 مليار ليرة قبل أن يستقر عند نحو 1.2 مليار ليرة في 2025.

وعلى مستوى الإنفاق التشغيلي، تعكس أرقام سابقة صادرة عن وزارة العدل ارتفاع مخصصات إدارة السجون إلى نحو 6.9 مليار ليرة سنوياً، وهو رقم تجاوز في بعض الأعوام موازنات وزارات خدمية وسيادية، ما يعكس حجم العبء المالي الذي يمثله هذا القطاع داخل الموازنة العامة ويشمل هذا الإنفاق تكاليف الإعاشة والرعاية الصحية والأمن والنقل والصيانة، إضافة إلى رواتب العاملين داخل المؤسسات العقابية.

ويرتبط هذا التوسع المالي بشكل مباشر بارتفاع عدد السجناء، حيث تضطر الدولة إلى زيادة الإنفاق ليس فقط على البناء، بل أيضاً على التشغيل اليومي، في ظل معدلات اكتظاظ تتجاوز الطاقة الاستيعابية. وتشير تحليلات اقتصادية إلى أن استمرار هذا الاتجاه يضع ضغوطاً متزايدة على المالية العامة، خاصة مع الحاجة إلى تمويل خدمات إضافية مثل الرعاية الطبية المتخصصة وبرامج التأهيل.

وتثير هذه الأرقام نقاشاً متزايداً في الأوساط البرلمانية والحقوقية حول كفاءة الإنفاق، إذ يرى منتقدون أن توجيه مليارات الليرات إلى توسيع السجون يعكس اعتماداً متزايداً على الحلول العقابية بدلاً من الاستثمار في بدائل مثل إصلاح العدالة الجنائية أو برامج إعادة الإدماج، وهو ما قد يحد من الاستدامة المالية على المدى الطويل.

مواقف دولية وانتقادات

أعربت المفوضية السامية لحقوق الإنسان عن قلقها من أوضاع السجون في تركيا، داعية إلى تحسين ظروف الاحتجاز وضمان الحقوق الأساسية للسجناء، كما دعا مجلس أوروبا إلى تنفيذ توصيات اللجنة الأوروبية لمنع التعذيب، خاصة فيما يتعلق بالحد من العزل الانفرادي وتحسين الرعاية الصحية.

وتخضع تركيا لعدد من الاتفاقيات الدولية، منها العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية، واتفاقية مناهضة التعذيب، وهو ما يفرض عليها التزامات واضحة فيما يتعلق بمعاملة السجناء. وتشير تقارير الأمم المتحدة إلى ضرورة مواءمة القوانين والممارسات الوطنية مع هذه الالتزامات، خاصة فيما يتعلق بالاحتجاز الاحتياطي وظروف السجون.

وتؤكد الحكومة التركية، عبر بيانات وزارة العدل ووزارة الداخلية، التزامها بالمعايير القانونية، مشيرة إلى تنفيذ برامج لتوسيع السجون وتحسين البنية التحتية، إلى جانب إدخال برامج إصلاح وتأهيل، كما تنفي وجود انتهاكات ممنهجة، وتعد التقارير الحقوقية لا تعكس الصورة الكاملة.

ويعكس هذا المشهد تداخلاً بين الأبعاد الأمنية والقانونية والإنسانية داخل منظومة السجون التركية، حيث تتقاطع الأرقام الرسمية مع تقارير حقوقية متزايدة، ما يجعل الملف محل متابعة مستمرة من الجهات المحلية والدولية في ظل دعوات متكررة لتحقيق توازن بين متطلبات الأمن واحترام حقوق الإنسان.

Picture of عاطف عبد المولى
عاطف عبد المولى
صحفي متخصص في الشئون العربية والدولية