منصة راصدة تحليلية لقضايا حقوق الإنسان

بعد توثيق آلاف الجرائم.. أطفال الانتهاكات في النزاع السوري يبحثون عن العدالة

20 أبريل 2026
آلاف الأطفال في سوريا واجهوا انتهاكات خلال سنوات النزاع
آلاف الأطفال في سوريا واجهوا انتهاكات خلال سنوات النزاع

في سوريا الجديدة، لا تزال الانتهاكات المتعلقة، ولا سيما العنف الجنسي، من أكثر الملفات إيلامًا وتعقيدًا من حيث التوثيق والمتابعة والمساءلة، فالقضية لا تقف عند حدود ما تمكنت التقارير الدولية من رصده، بل تمتد إلى ما ظل مخفيًا خلف الخوف والوصمة والصمت القسري.

وبين الأرقام المعلنة والشهادات التي يصعب الإفصاح عنها، يبرز سؤال إنساني وحقوقي ملح.. ماذا جرى لهؤلاء الأطفال بعد سنوات من تسجيل الانتهاكات بحقهم، وأي مسارات للحماية أو العدالة أو التعافي أُتيحت لهم؟

وتفيد بيانات آلية الرصد والإبلاغ التابعة للأمم المتحدة بأن عام 2022 شهد توثيق 2,438 انتهاكًا جسيمًا بحق 2,407 أطفال في سوريا، شملت القتل والتشويه والتجنيد القسري والاختطاف، إلى جانب العنف الجنسي، الذي يُعد من أخطر الانتهاكات لما يخلّفه من آثار جسدية ونفسية واجتماعية طويلة الأمد.

ومع ذلك، فإن هذه الأرقام لا تعكس الصورة كاملة، إذ تشير تقارير دولية، من بينها تقارير لجنة التحقيق الدولية المستقلة بشأن سوريا، إلى أن العنف الجنسي ضد الأطفال يظل من أقل الانتهاكات ظهورًا في الإحصاءات، لا بسبب ندرته، بل بسبب صعوبة الوصول إلى الضحايا، والخوف من الإبلاغ، وغياب بيئة آمنة تسمح بكشف ما جرى.

وفي هذا السياق، شددت الممثلة الخاصة للأمم المتحدة المعنية بالأطفال والنزاع المسلح، فرجينيا غامبا، على أن الإبلاغ عن هذه الانتهاكات يظل محدودًا بفعل عوامل متداخلة، في مقدمتها الوصمة الاجتماعية، والخشية من الانتقام، ونقص خدمات الدعم والرعاية للناجين.

وهذا يعني أن الأرقام المعلنة لا تمثل سوى الحد الأدنى من الواقع، فيما تبقى معاناة عدد غير معلوم من الأطفال حبيسة الصمت، من دون اعتراف كافٍ أو حماية حقيقية أو مسار واضح نحو الإنصاف والتعافي.

بيئة مفتوحة للمخاطر

أدت موجات النزوح الواسعة إلى خلق بيئات تتزايد فيها مخاطر الاستغلال، حيث يعيش نحو 1.4 مليون شخص في مخيمات داخل سوريا، نسبة كبيرة منهم من الأطفال، في ظل ضعف أنظمة الحماية وتراجع دور المؤسسات الاجتماعية.

وتكشف شهادة ميدانية وردت في تحقيق للصحفية هديل عرجة عن الأثر المباشر لهذه البيئة، حيث يقول أحد الآباء إن طفله، البالغ ثمانية أعوام، تعرّض لاعتداء جنسي داخل المخيم، ما دفعه إلى نقله إلى مكان آخر.

ويضيف الأب أن الطفل انقطع عن المدرسة، ويعاني من خوف دائم واضطرابات واضحة، مؤكداً إن الإجابة عن أسئلته “تأتي متأخرة”، في إشارة إلى آثار نفسية مستمرة، إلى جانب مشكلات جسدية مثل التبول اللاإرادي وآلام البطن.

هذه الشهادة لا تقدم حالة فردية فقط، بل تعكس طبيعة المخاطر التي تتشكل في بيئات تفتقر إلى الحماية.

ويطرح الواقع الراهن تساؤلا حول طبيعة هذه الانتهاكات، وهل هي سلوكيات فردية في سياق الفوضى التي عمت سوريا أثناء النزاع، أم أنماط أوسع مرتبطة ببنية النزاع؟

بين الفوضى والأنماط المتكررة

في هذا السياق، يوضح مدير الشبكة السورية لحقوق الإنسان، فضل عبد الغني، أن النزاع في سوريا تميز بتداخل مستويات متعددة من الإفلات من العقاب، شملت الجهات الرسمية والفصائل المسلحة، إلى جانب محدودية المساءلة الدولية.

ويشير عبد الغني إلى أن الشبكة وثّقت مقتل ما لا يقل عن 30,293 طفلا منذ عام 2011، إضافة إلى أنماط من العنف الجنسي، بعضها مرتبط ببيئات الاحتجاز؛ ما يعكس -في بعض الحالات- طابعا يتجاوز السلوك الفردي.

كما يلفت إلى أن انهيار منظومة الحماية الاجتماعية، والتجنيد القسري، والفقر، شكلت عوامل رئيسية في تعريض الأطفال لمخاطر الاستغلال، خاصة في بيئات النزوح.

ورغم الأرقام الموثقة، يرى عبد الغني أن ما يتم تسجيله يمثل الحد الأدنى من الانتهاكات فقط، في ظل صعوبات التحقق الميداني، والخوف من الإبلاغ، خاصة في حالات العنف الجنسي ضد الذكور؛ ما يعزز فرضية أن حجم الظاهرة أكبر من الصورة المتاحة.

شباب خارج الرصد

بعد أكثر من عقد ونصف على النزاع، تحوّل كثير من الأطفال الذين وثقت الانتهاكات بحقهم إلى شباب، دون توفر بيانات كافية حول أوضاعهم الحالية.

ويشير عبد الغني إلى أن منظومة التوثيق الدولية تركز على تسجيل الانتهاكات لأغراض المساءلة، دون أن ترافقها برامج كافية لإعادة التأهيل، ما يخلق فجوة واضحة بين التوثيق والتعافي.

ويدعم هذا الطرحَ ملاحظاتٌ حقوقيةٌ تشير إلى أن الصدمات غير المعالجة قد تنعكس على المدى الطويل في اضطرابات نفسية، وصعوبات في التعليم والعمل، وضعف في العلاقات الاجتماعية.

وتُظهر قراءة التشريع السوري وجود تباين في العقوبات المتعلقة بجرائم العنف الجنسي ضد الأطفال، حيث تنص المادة 505 من قانون العقوبات على عقوبات محدودة في حالات التحرش، مقارنة بعقوبات أشد في حالات الاغتصاب.

ويرى عبد الغني أن ضعف الردع لا يرتبط بالنصوص القانونية فقط، بل بغياب بيئة قضائية فعالة، إلى جانب محدودية تعريف العنف الجنسي، وانخفاض معدلات الإبلاغ.

آثار طويلة الأمن

من جانبها، تشير المحامية شمس جمعة السوارية إلى أن هذه الانتهاكات تمس السلامة الجسدية والنفسية للأطفال، وتترك آثارا طويلة الأمد قد تظهر في اضطرابات القلق، وفقدان الشعور بالأمان، وصعوبات الاندماج.

وتلفت السوارية، في حديثها لـ”صفر”، إلى أن هذه الآثار لا تقتصر على الضحايا، بل تمتد إلى المجتمع، من خلال إضعاف الروابط الاجتماعية وزيادة احتمالات العنف الناتج عن الصدمات غير المعالج.

وتؤكد أن اتفاقية حقوق الطفل تلزم باتخاذ تدابير لحماية الأطفال من العنف والاستغلال، غير أن تطبيق هذه المبادئ في سياق النزاع يظل محدودا في ظل ضعف آليات الحماية.

ولا يتوقف ملف الانتهاكات بحق الأطفال في النزاع السوري عند صعوبة التوثيق، بل يمتد إلى فجوة أعمق تتعلق بمتابعة أوضاع الضحايا على المدى الطويل.

وبين الأرقام المتاحة والشهادات غير المعلنة، يظل السؤال مفتوحا حول قدرة هذه المنظومات على الانتقال من تسجيل الانتهاك إلى معالجة آثاره، في سياق يحدد ملامح جيل كامل.