في شمال الأردن، وتحديدا في محافظة جرش، تبرز محمية المأوى للحفاظ على الطبيعة والحياة البرية كنموذج إقليمي متقدم في إنقاذ الحيوانات المهددة بالانقراض، في ظل تصاعد الضغوط البيئية في المنطقة، وتشير بيانات رسمية على الموقع الرسمي للمحمية، التي تأسست من خلال شراكة بين مؤسسة الأميرة علياء ومنظمة فور باوز عام ٢٠١١، وذلك استجابة لتزايد أعداد الحيوانات المصادرة أو المتضررة نتيجة النزاعات والاتجار غير المشروع.
وتنسجم هذه الجهود مع التزامات الأردن الدولية في حماية التنوع البيولوجي، خاصة في ظل تحذيرات برنامج الأمم المتحدة للبيئة من تسارع فقدان الأنواع على المستوى العالمي.
حيوانات ضحية النزاعات
تشير تقارير محلية إلى أن محمية المأوى تستقبل حيوانات من مناطق نزاع مثل سوريا والعراق وقطاع غزة، إضافة إلى حالات مصادرة داخل الأردن مرتبطة بالاتجار غير المشروع وسوء المعاملة، وتضم المحمية حيوانات مفترسة وأنواعا نادرة تم إنقاذها من ظروف قاسية.
وتؤكد اتفاقية الاتجار الدولي بالأنواع المهددة بالانقراض أن الاتجار غير المشروع بالحياة البرية يعد من أكبر التهديدات للتنوع البيولوجي عالميا، حيث تقدر قيمته بمليارات الدولارات سنويا، ما يجعله أحد أكبر أنشطة الاقتصاد غير المشروع في العالم، وفق برنامج الأمم المتحدة للبيئة.
أرقام تعكس حجم الجهود
تبلغ مساحة محمية المأوى أكثر من 1100 دونم، وتضم نحو 80 حيوانًا من أنواع مختلفة، وتصل القدرة الاستيعابية اليومية إلى نحو 800 زائر، ما يعكس تنامي دور المحمية في التوعية البيئية، كما تشير البيانات إلى أن المحمية تحتوي على تنوع بيئي يشمل 286 نوعا من النباتات، منها 18 نوعا نادرا و11 نوعا مهددا، إضافة إلى 20 نوعا من الطيور و11 نوعًا من الزواحف و5 أنواع من الثدييات، وفق معلومات نشرتها وكالة الأنباء الأردنية عن إدارة محمية المأوى ومنظمة فور باوز الدولية.

من الإنقاذ إلى إعادة التأهيل
تشير بيانات صادرة عن منظمة فور باوز الدولية والصندوق الدولي للرفق بالحيوان، إضافة إلى تقارير برنامج الأمم المتحدة للبيئة والاتحاد الدولي لحفظ الطبيعة، إلى أن الحيوانات التي تصل إلى مراكز الإنقاذ مثل محمية المأوى في الأردن غالبا ما تعاني من إصابات جسدية واضطرابات سلوكية نتيجة الأسر أو سوء المعاملة، ما يستدعي برامج إعادة تأهيل طويلة الأمد تشمل الرعاية البيطرية والدعم السلوكي، وتؤكد منظمة الأغذية والزراعة للأمم المتحدة أن إعادة تأهيل الحيوانات البرية تتطلب موارد بشرية وتقنية متقدمة، خاصة في حالات الحيوانات المفترسة أو الأنواع المهددة، وهو ما يضع تحديات إضافية أمام المراكز المتخصصة في الدول النامية.
الحياة البرية تحت ضغط
تشير تقارير برنامج الأمم المتحدة للبيئة إلى أن فقدان الموائل الطبيعية والتغير المناخي والصيد غير المشروع تشكل مجتمعة أبرز التهديدات للحياة البرية عالميا، وفي منطقة الشرق الأوسط، تتفاقم هذه التحديات بسبب النزاعات المسلحة، التي تؤدي إلى تدمير النظم البيئية وزيادة الاتجار غير المشروع بالحيوانات.
كما توضح أن آلاف الحيوانات تتأثر سنويا بالنزاعات، سواء من خلال التهجير أو الإصابة أو فقدان الموائل، ما يزيد من الضغط على المراكز التي تقدم خدمات الإنقاذ وإعادة التأهيل.
البعد القانوني والالتزامات الدولية
يعد الأردن طرفًا في اتفاقية الاتجار الدولي بالأنواع المهددة بالانقراض، التي تلزم الدول بحماية الطبيعة وحماية الأنواع المهددة وتنظيم الاتجار بها، كما يشمل الإطار القانوني الوطني إجراءات لمصادرة الحيوانات غير القانونية وإعادة تأهيلها، وهو ما يتجسد عمليًا في عمل محمية المأوى.
وتشير منظمات حماية الحيوان الدولية إلى أن إنشاء مراكز إيواء متخصصة يمثل أحد أهم أدوات تنفيذ الالتزامات الدولية، خاصة في المناطق التي تعاني من ضعف البنية التحتية البيئية.
البعد الاقتصادي والسياحي
تسهم محمية المأوى في دعم السياحة البيئية في الأردن، حيث تستقطب آلاف الزوار سنويًا، ما يخلق فرص عمل مباشرة وغير مباشرة في المنطقة، وتشير تقارير محلية إلى أن الأنشطة التعليمية والسياحية داخل المحمية تلعب دورًا في تعزيز الوعي البيئي، إلى جانب دعم الاقتصاد المحلي.
كما تؤكد تقارير برنامج الأمم المتحدة الإنمائي أن الاستثمار في السياحة البيئية يمثل أحد المسارات المستدامة لتحقيق التنمية الاقتصادية مع الحفاظ على الموارد الطبيعية.

التحديات التمويلية والاستدامة
رغم النجاحات التي حققتها المحمية، فهي تواجه تحديات تتعلق بزيادة أعداد الحيوانات المحتاجة إلى إنقاذ، مقابل محدودية الموارد، وتعد تكلفة رعاية الحيوانات البرية، خاصة المفترسة، مرتفعة، ما يتطلب دعما مستمرًا من الجهات الحكومية والدولية.
كما أن التغير المناخي يمثل تحديًا إضافيًا، حيث يؤثر على النظم البيئية المحيطة ويزيد من الضغط على الموارد الطبيعية، وفق برنامج الأمم المتحدة للبيئة.
التوعية وتغيير السلوك المجتمعي
تعمل محمية المأوى على تعزيز الوعي البيئي من خلال برامج تعليمية تستهدف الطلبة والزوار، بهدف الحد من ظاهرة اقتناء الحيوانات البرية والاتجار بها، وتشير البيانات إلى أن هذه البرامج ساهمت في زيادة الإقبال على زيارة المحمية ورفع مستوى الوعي العام للمساهمة في حماية الحياة البرية، حيث تسهم في تقليل الطلب على الحيوانات المهددة، وهو أحد المحركات الرئيسية للاتجار غير المشروع.
فقدان التنوع البيولوجي
تشير تقارير برنامج الأمم المتحدة للبيئة إلى أن العالم يواجه أزمة غير مسبوقة في فقدان التنوع البيولوجي، حيث يقدر أن نحو مليون نوع من الكائنات الحية مهدد بالانقراض، ويعكس هذا الواقع الحاجة إلى تعزيز الجهود المحلية والدولية لحماية الأنواع المهددة.
وفي هذا السياق، تمثل محمية المأوى نموذجا للتعاون بين الجهات المحلية والدولية في مواجهة هذه التحديات، خاصة في منطقة تشهد ضغوطًا بيئية وإنسانية متزايدة.
تعكس تجربة محمية المأوى في الأردن استجابة عملية لأزمة مركبة تتداخل فيها العوامل البيئية والإنسانية والسياسية، حيث تتحول الحيوانات إلى ضحايا غير مرئية للنزاعات والتغيرات المناخية، وتظهر الأرقام حجم الجهود المبذولة في الإنقاذ وإعادة التأهيل والتوعية، في وقت تتزايد فيه التحديات المرتبطة بالتمويل والطلب المتنامي على خدمات الحماية.
وفي ظل التزامات دولية متزايدة لحماية التنوع البيولوجي، تبرز هذه التجربة كأحد النماذج القابلة للتطوير إقليميًا، خاصة إذا ما تم دعمها بموارد مستدامة وتعاون دولي أوسع، بما يعزز قدرة الدول على مواجهة التهديدات المتصاعدة للحياة البرية.
