كشف تقرير حديث للنيابة العامة في المغرب عن منحى مقلق في العنف الرقمي الموجّه ضد النساء، في وقت يتزايد فيه الجدل حول مدى كفاية الترسانة القانونية الحالية لملاحقة هذا النوع من الانتهاكات وحماية الضحايا.
ووفق تقرير النيابة العامة حول تنفيذ السياسة الجنائية برسم سنة 2024، فقد سُجلت زيادة فاقت 42% في ظاهرة التحرش عبر الرسائل الإلكترونية والمكتوبة مقارنة بسنة 2023.
ويأتي هذا التطور في مقابل تراجع الشكايات المرتبطة بأشكال العنف التقليدي ضد النساء، حيث انخفضت شكايات العنف ضد النساء من 96,276 شكاية في 2021 إلى 73,645 شكاية في 2024، وهو ما دفع فاعلين حقوقيين إلى التحذير من أن جزءًا من العنف لم يختفِ، بل انتقل إلى الفضاء الرقمي بأشكال أكثر تعقيدًا، مثل الابتزاز الإلكتروني، والتشهير، وانتهاك الخصوصية، والتهديد، والتحرش عبر الرسائل والمنصات.
جهود رعاية الضحايا
وفي حصيلة رسمية سابقة، أوضحت النيابة العامة أن خلايا التكفل بالنساء ضحايا العنف بالمحاكم قدمت خلال سنة 2023 نحو 215,257 خدمة، واستقبلت نحو 102,034 حالة، مع الاستماع إلى أكثر من 51,873 حالة، بينما استفادت 35,202 ضحية من خدمات المرافقة والتوجيه.
وسجلت النيابات العامة 7,996 تدبيرًا حمائيًا شملت المنع من الاتصال أو الاقتراب من الضحية، والإحالة على مراكز الاستشفاء أو مؤسسات الإيواء والرعاية.
وتعكس هذه الأرقام اتساع العبء الواقع على منظومة الحماية القضائية، حتى قبل احتساب التحول المتزايد نحو العنف الرقمي.
محاربة العنف ضد النساء
ورغم أن المغرب دخل منذ عام 2018 مرحلة قانونية جديدة مع تفعيل القانون رقم 103.13 المتعلق بمحاربة العنف ضد النساء، فإن الجدل يتجدد اليوم حول مدى صلاحيته للتعامل مع الجرائم الرقمية المستحدثة.
وفي هذا السياق، يتسع النقاش الحقوقي حول الحاجة إلى تحديث القوانين وآليات الحماية، فقد أكدت وزارة العدل المغربية، في ديسمبر 2025، أن حماية النساء في الفضاء الرقمي أصبحت اليوم أولوية، وأصدرت دليلاً عمليًا يعدد أبرز أشكال العنف الرقمي، من بينها الابتزاز الإلكتروني، والتهديد بنشر الصور، والتحرش، والتتبع الرقمي، مع تقديم مسارات الوقاية والحماية والتبليغ.
ويعكس هذا التحرك الرسمي إدراكًا متزايدًا بأن العنف ضد النساء لم يعد محصورًا في الفضاء الواقعي، بل بات يمتد إلى المنصات والهواتف والتطبيقات.
دعوات لإقرار قانون خاص
خلال الأشهر الماضية برزت دعوات متزايدة من فاعلات حقوقيات وجمعيات نسائية إلى إقرار قانون خاص بالعنف الرقمي أو تعديل القانون الجنائي والقانون 103.13 بشكل صريح، بما يسمح بتعريف هذا النمط من العنف، وتسهيل إثباته، وتسريع الإجراءات، وتشجيع الضحايا على التبليغ.
ويرى البعض أن الاكتفاء بالنصوص العامة لا يواكب تطور الجريمة الرقمية ولا خصوصية الضرر الذي يلحق بالنساء والفتيات في بيئة سريعة الانتشار وعالية التأثير.
ويشير هذا الجدل إلى تحول أوسع في طبيعة العنف القائم على النوع الاجتماعي في المغرب: من عنف مرئي ومباشر في الشارع أو الأسرة أو مكان العمل، إلى عنف قد يبدأ برسالة أو صورة أو تهديد رقمي، لكنه يترك آثارًا نفسية واجتماعية وقانونية لا تقل خطورة.
