في إثيوبيا لا تنتهي معاناة مرضى الجذام عند حدود الإصابة الجسدية، بل تبدأ معها معركة أخرى أشد قسوة، معركة الوصمة والعزلة والخوف من نظرة المجتمع، فالجذام، أو مرض هانسن، ليس كما يتخيله كثيرون “لعنة قديمة” أو مرضًا بلا علاج، بل هو مرض بكتيري مزمن تسببه المتفطرة الجذامية، ويصيب أساسًا الجلد والأعصاب الطرفية والعينين والأغشية المخاطية في الجهاز التنفسي العلوي.
لكنه إذا تُرك من دون علاج قد يؤدي إلى إعاقات دائمة وتشوهات ظاهرة، وهي تحديدًا ما يجعل المرضى عرضة للتمييز والنبذ الاجتماعي.
وتوضح منظمة الصحة العالمية أن الجذام يمتاز بفترة حضانة طويلة جدًا بسبب التكاثر البطيء للبكتيريا؛ فالأعراض قد تظهر خلال سنة واحدة، لكنها قد تتأخر أيضًا حتى 20 سنة أو أكثر، فيما تشير المنظمة إلى أن متوسط فترة الحضانة يبلغ نحو 5 سنوات أو أكثر.
هذه الطبيعة البطيئة تجعل اكتشاف المرض متأخرًا في كثير من الحالات، لا سيما في البيئات التي يضعف فيها الوعي الصحي أو يخشى فيها الناس من الاعتراف بالإصابة.
وهنا تكمن إحدى أكبر مشكلات الجذام في إثيوبيا.. المرض قابل للشفاء بالفعل، لكن التشخيص المتأخر يفتح الباب أمام الإعاقة والنبذ.
وتؤكد منظمة الصحة العالمية أن العلاج المتعدد الأدوية MDT متاح مجانًا عالميًا، وأن البدء المبكر في العلاج يمنع الإعاقة ويوقف انتقال العدوى بعد بدء التداوي، لكن الخوف من الوصمة يدفع بعض المرضى إلى إخفاء الأعراض أو اللجوء إلى علاجات غير مجدية قبل الوصول إلى المرافق الصحية، ما يضاعف احتمال حدوث تلف عصبي وتشوهات مرئية يصعب عكسها لاحقًا.
إنجاز صحي لم يكتمل
إثيوبيا تُعد من الدول التي حققت “الإزالة كقضية صحة عامة” وفق معيار منظمة الصحة العالمية منذ عام 1999، أي بخفض الانتشار إلى أقل من حالة واحدة لكل 10 آلاف نسمة، لكن هذا الإنجاز لم يعنِ اختفاء المرض.
وبحسب المنظمة، لا تزال إثيوبيا تسجل نحو 2500 حالة جديدة سنويًا، وهي واحدة من 12 دولة أبلغ كل منها عن بين 1000 و10 آلاف حالة جديدة في 2024.
وفي بلد يبلغ عدد سكانه نحو 135.5 مليون نسمة في 2025، فهذا يعني أن الجذام لم يعد وباءً واسع النطاق، لكنه ما زال مرضًا حاضرًا بثبات ويضرب فئات محددة، خصوصًا في المجتمعات الأشد هشاشة والأقل وصولًا إلى الخدمات.
والصورة الإثيوبية تندرج ضمن مشهد عالمي لا يزال مقلقًا، فقد سجلت منظمة الصحة العالمية 172,717 حالة جذام جديدة في 2024 في 188 دولة وإقليمًا، بينها 9,397 حالة بين الأطفال و9,157 حالة جديدة مصحوبة بإعاقة من الدرجة الثانية، وهي الدرجة التي تعكس غالبًا تأخر التشخيص ووصول المرض إلى مرحلة أشد ضررًا.
كما أن 40.2% من الحالات الجديدة عالميًا كانت بين النساء، وتؤكد المنظمة أن استمرار ظهور حالات بين الأطفال هو مؤشر على استمرار انتقال العدوى داخل المجتمعات.
التأخر في التشخيص
في إثيوبيا، يبدو التأخر في التشخيص تحديًا محوريًا، منظمة الصحة العالمية قالت في ديسمبر 2024 إن نحو 10% من الحالات الجديدة في 2023 كانت مصحوبة بإعاقة من الدرجة الثانية، وهو ما يعني في كثير من الأحيان تشوهات مرئية أو ضعفًا شديدًا في الرؤية أو الوظائف الحركية.
وهذا ليس مجرد رقم طبي، بل مؤشراً اجتماعياً أيضًا: كلما زادت الإعاقة الظاهرة، زادت احتمالات الوصم، وانكمشت فرص العمل والزواج والاندماج والحياة العامة.
كما أشارت المنظمة إلى أن الجهود الحكومية والدولية في إثيوبيا بدأت تركز على البحث النشط عن الحالات بدل انتظار المرضى حتى يصلوا متأخرين، فمنذ 2021، نُفذت أنشطة اكتشاف نشط للحالات في 142 مجتمعًا موبوءًا بالجذام، ضمن مسعى لرفع التشخيص المبكر وتتبع المخالطين وتوسيع الوعي العام.
ووفقًا للبرنامج الوطني الإثيوبي، أسهم هذا النهج في تسجيل انخفاض يقارب 7% في إجمالي الحالات الجديدة بين 2022 و2023، مع انخفاض 32% في حالات الأطفال و25% في الحالات المصحوبة بإعاقة شديدة.
وتبعث هذه المؤشرات على الأمل، لكنها تكشف في الوقت نفسه أن النجاح في مكافحة المرض لا يعتمد على الدواء وحده، بل على الوصول المبكر والقبول المجتمعي والوعي.
قضية إنسانية وحقوقية
ويبرز في هذا السياق دور المؤسسات المتخصصة، وعلى رأسها مستشفى ALERT في أديس أبابا، الذي قالت منظمة الصحة العالمية إنه عالج نحو 30% من جميع الحالات الجديدة في إثيوبيا خلال 2023.
كما يقدّم المستشفى خدمات علاج وتأهيل وإعادة دمج للمرضى، في وقت تستمر فيه مراكز إحالة أخرى وخبراء متنقلون في دعم المحافظات التي ما تزال تسجل حالات جديدة.
هذا الدور حاسم لأن الجذام لا يحتاج فقط إلى مضادات حيوية، بل أيضًا إلى متابعة عصبية وتأهيل وظيفي ونفسي، خاصة لمن يعانون تلفًا عصبيًا أو تشوهات أو فقدان إحساس مزمن بالأطراف.
لكن ما يجعل الجذام في إثيوبيا قضية إنسانية وحقوقية بامتياز هو الوصمة؛ منظمة الصحة العالمية تؤكد بوضوح أن الأشخاص المتأثرين بالجذام يواجهون الوصم والتمييز إلى جانب المرض نفسه.
وفي إثيوبيا، تنشط الجمعية الوطنية الإثيوبية للأشخاص المتأثرين بالجذام (ENAPAL) في حملات التوعية والإعلام والزيارات الميدانية لأن جزءًا كبيرًا من المشكلة ما يزال نابعًا من سوء الفهم الشعبي.. الاعتقاد بأن المرض شديد العدوى، أو أنه وراثي، أو أنه مرتبط بالعار الاجتماعي.
وهذه المخاوف تدفع بعض المصابين إلى الابتعاد عن الناس أو إخفاء المرض حتى عن أسرهم، أو التردد في طلب العلاج حتى بعد ظهور الأعراض.
القضاء على التمييز
ومن الناحية الحقوقية، لا يُنظر إلى هذه المعاناة بوصفها قضية صحية فقط، فالأمم المتحدة اعتمدت مبادئ وإرشادات القضاء على التمييز ضد الأشخاص المتأثرين بالجذام وأفراد أسرهم، كما أن مجلس حقوق الإنسان خصص آليات وتقارير خاصة لمتابعة هذه القضية.
وتؤكد الوثائق الأممية أن الأشخاص المصابين بالجذام أو المتأثرين به يجب ألا يتعرضوا للتمييز في العمل أو التعليم أو الرعاية الصحية أو الحياة الأسرية أو المشاركة العامة، وأن على الدول التزامًا بإزالة القوانين والممارسات التي تعمّق الإقصاء.
كما شددت المقررة الخاصة المعنية بالقضاء على التمييز ضد الأشخاص المتأثرين بالجذام على ضرورة النظر إلى الرعاية والدعم من منظور حقوق الإنسان، لا من زاوية الإحسان أو العزل أو التعامل الخيري المحدود.
وفي إثيوبيا تحديدًا، يشير الخطاب المحلي والدولي إلى أن الوصمة ليست هامشية، بل عامل يعرقل الاستجابة الصحية نفسها.
ونقلت منظمة الصحة العالمية عن ممثلين من ENAPAL أن الناس “ما زالوا غير مطلعين جيدًا على المرض”، وأن ذلك قد يؤدي إلى التمييز والوصم.
كما حذّر خبراء المنظمة من أن الخوف من الوصمة قد يثني المصابين عن التوجه إلى المستشفى مبكرًا، فلا يصلون إلى العلاج إلا بعد ظهور التشوهات أو الإعاقات، أي بعد فوات أفضل فرصة للشفاء الكامل من دون أثر دائم.
الوصمة تؤخر العلاج
ولا يتوقف أثر المرض عند المريض نفسه، كثير من الوثائق الأممية تتحدث عن امتداد التمييز إلى أفراد الأسرة، سواء في فرص الزواج أو التعليم أو السمعة الاجتماعية أو القبول داخل المجتمع، وهذا ما يجعل مواجهة الجذام تتطلب عملًا مزدوجًا: علاجًا طبيًا، وتغييرًا ثقافيًا في آن واحد.
ولهذا تشجع منظمة الصحة العالمية على تتبع المخالطين وإعطاء جرعة وقائية واحدة من الريفامبيسين للمخالطين بعد الاستبعاد السريري للمرض، لكنها تشدد أيضًا على أن تنفيذ هذه الإجراءات يجب أن يكون حساسًا أخلاقيًا واجتماعيًا حتى لا يفاقم الوصمة بدل الحد منها.
وتكشف قصة الجذام في إثيوبيا أن المعركة مع المرض لم تعد معركة دواء فقط. نعم، العلاج موجود ومجاني، والشفاء ممكن، والبلاد حققت تقدمًا ملحوظًا مقارنة بعقود سابقة، لكن بقاء نحو 2500 حالة جديدة سنويًا، ووجود نسبة معتبرة من الحالات بإعاقات ظاهرة عند التشخيص، واستمرار الوصمة التي تؤخر العلاج، كلها عوامل تجعل الجذام قضية صحية واجتماعية وحقوقية متداخلة.
ولذلك فإن إنقاذ المرضى في إثيوبيا لا يمر فقط عبر الحبة الدوائية، بل عبر كسر دائرة الخوف، وتوسيع التشخيص المبكر، والاعتراف بأن العزلة الاجتماعية ليست عرضًا جانبيًا للمرض، بل واحدة من أكثر آثاره قسوة.

