تتصاعد في الآونة الأخيرة وتيرة الانتقادات الموجهة إلى ملف الحريات الدينية في الجزائر، في سياق إقليمي ودولي يتسم بتزايد الاهتمام بحقوق الأقليات الدينية وحرية المعتقد، وفي هذا الإطار، دعت ثلاث منظمات غير حكومية دولية، وهي “يوروميد رايتس” و”هيومن رايتس ووتش” و”مينا رايتس غروب”، في رسالة مشتركة موجهة يوم الثلاثاء إلى البابا ليون الرابع عشر بابا الفاتيكان، إلى إثارة قضايا حقوق الإنسان والحرية الدينية مع السلطات الجزائرية خلال زيارته المرتقبة من 13 إلى 15 أبريل الجاري.
وكتبت هذه المنظمات في الرسالة: “نطلب منكم دعوة السلطات إلى إنهاء التمييز ضد الأقليات الدينية واحترام حقها في حرية الدين أو المعتقد، ومنه ممارسة شعائرها بحرية”، معربة عن قلقها من القيود القانونية والإدارية التي تطول الأقليات، ومنهم المسيحيون من الكنيسة البروتستانتية في الجزائر والمسلمون الأحمديون، إضافة إلى الدعوة لرفع القيود عن حرية التعبير والتجمع وإطلاق سراح المعتقلين على خلفية ممارستهم حقوقهم الأساسية.
واقع الحريات الدينية
ينص الدستور الجزائري المعدل في 2020، وفق بيانات الحكومة الجزائرية الرسمية، على ضمان حرية ممارسة الشعائر الدينية في إطار احترام القانون، وهو ما تؤكده وزارة الشؤون الدينية والأوقاف باعتباره التزاماً دستورياً ثابتاً، غير أن تقارير حديثة صادرة عام 2025 عن وزارة الخارجية الأمريكية في تقريرها السنوي للحرية الدينية الدولية تشير إلى استمرار وجود فجوة بين النصوص القانونية والتطبيق العملي، خاصة فيما يتعلق بتنظيم دور العبادة لغير المسلمين والحصول على التراخيص الرسمية.
وتفيد بيانات التقرير ذاته بأن عدد أماكن العبادة المسيحية التي أُغلقت أو تم تعليق نشاطها في الجزائر منذ عام 2018 تجاوز 20 كنيسة، معظمها تابع للكنيسة البروتستانتية، بسبب عدم حصولها على التراخيص المطلوبة، وهو ما تعده السلطات تطبيقاً للقانون، في حين تصفه منظمات حقوقية بأنه تقييد غير مبرر.
يكشف التتبع الزمني لتطور ملف الحريات الدينية في الجزائر عن مسار تصاعدي للأزمة منذ منتصف العقد الماضي، حيث بدأت الملاحقات القضائية للأحمديين بشكل ملحوظ منذ 2016، تلتها موجة إغلاق الكنائس البروتستانتية بين 2017 و2019 والتي طالت ما لا يقل عن 17 إلى 18 كنيسة وفي عام 2020 تم اعتماد دستور جديد أكد الحريات، لكن تقارير 2023 و2024 الصادرة عن هيومن رايتس ووتش وثّقت استمرار التضييق على المجال الديني والمدني، وصولاً إلى 2025 حيث أشارت تقارير أممية وحقوقية إلى استمرار القيود القانونية والإدارية، مع تسجيل قضايا جديدة ضد رجال دين وأفراد بسبب ممارسة شعائر دون ترخيص .
سوابق قضائية
تشير السوابق القضائية في الجزائر إلى تطبيق فعلي للنصوص المقيدة للحريات الدينية، حيث وثّقت “اللجنة الأمريكية للحرية الدينية الدولية” في تقريرها لعام 2025 صدور أحكام بالسجن ضد رجال دين مسيحيين بسبب ممارسة شعائر دون ترخيص، منها حكم بالسجن ستة أشهر ضد قس في منطقة القبائل قبل تخفيفه لاحقاً، كما سجلت تقارير دولية قضايا أخرى تتعلق بتهم التبشير أو الإساءة للدين، وهي جرائم يعاقب عليها القانون الجزائري بعقوبات قد تصل إلى السجن والغرامة، وتبرز هذه الأحكام بوصفها دليلاً عملياً على كيفية تطبيق الإطار القانوني، وتؤكد أن الجدل حول الحريات الدينية في الجزائر لا يقتصر على النصوص بل يمتد إلى القضاء والتنفيذ.
الأقليات الدينية تحت الضغط القانوني
تشير تقارير “هيومن رايتس ووتش” إلى أن أفراد الطائفة الأحمدية في الجزائر يواجهون ملاحقات قانونية متكررة، حيث تم تسجيل أكثر من 300 حالة متابعة قضائية منذ عام 2016 بتهم تتعلق بممارسة شعائر دينية غير مرخصة أو الانتماء إلى جماعة غير معترف بها، وتؤكد المنظمة أن هذه الممارسات تتعارض مع التزامات الجزائر الدولية بموجب العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية.
من جانبها، تشير “مينا رايتس غروب” في تقريرها السنوي لعام 2025 إلى أن الإطار القانوني المنظم للديانات غير الإسلامية، خاصة القانون رقم 06-03، يفرض قيوداً صارمة على ممارسة الشعائر، منها اشتراط الحصول على موافقة مسبقة لأي نشاط ديني جماعي، وهو ما يحد فعلياً من حرية التنظيم الديني.
الإطار التشريعي
يُظهر التحليل القانوني للإطار التشريعي المنظم للحريات الدينية في الجزائر وجود ازدواجية بين الضمانات الدستورية والقيود التطبيقية، إذ ينص دستور 2020 على أن حرية المعتقد مصونة، غير أن هذا الحق يُقيد بقوانين تنظيمية أبرزها الأمر 06-03 الخاص بممارسة الشعائر لغير المسلمين، والذي يشترط ترخيصاً مسبقاً لأي نشاط ديني جماعي ويخضعه لإشراف لجنة حكومية مختصة، وفق بيانات المركز الدولي للقانون غير الربحي لعام 2026، كما يفرض قانون العقوبات عقوبات تصل إلى السجن في قضايا التجديف أو الإساءة للدين، وهو ما وثقته اللجنة الأمريكية للحرية الدينية الدولية في تقريرها لعام 2025، مشيرة إلى أن هذه النصوص طُبّقت فعلياً في قضايا ضد قساوسة وأفراد من الأقليات، ويعكس هذا الإطار القانوني، بحسب تقارير دولية، توجهاً نحو ضبط المجال الديني أكثر من حمايته، ما يطرح إشكالات تتعلق بمدى توافقه مع المادة 18 من العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية.
انتقادات أممية
أعربت مفوضية الأمم المتحدة السامية لحقوق الإنسان في ملاحظاتها الصادرة مطلع 2025 عن قلقها من استمرار القيود المفروضة على حرية الدين في الجزائر، داعية إلى مراجعة التشريعات ذات الصلة لضمان توافقها مع المعايير الدولية، كما أشار تقرير المقرر الخاص المعني بحرية الدين أو المعتقد إلى تلقي شكاوى تتعلق بإغلاق أماكن عبادة ومنع أنشطة دينية سلمية.
ووفق بيانات الأمم المتحدة، فإن الجزائر صادقت على عدد من الاتفاقيات الدولية المتعلقة بحقوق الإنسان، ما يضع عليها التزامات قانونية واضحة بحماية حرية المعتقد دون تمييز، وهو ما يشكل محوراً رئيساً في الانتقادات الدولية الحالية.
السلطات الجزائرية
في المقابل، تؤكد الحكومة الجزائرية في ردودها الرسمية، ومنها بيان وزارة الاتصال الجزائرية الصادر في فبراير 2025، أن الإجراءات المتخذة لا تستهدف حرية الدين بحد ذاتها، بل تهدف إلى تنظيمها في إطار القانون والحفاظ على النظام العام، وتشدد السلطات على أن جميع أماكن العبادة، ومنها المساجد، تخضع لنفس القواعد التنظيمية.
كما تشير السلطات إلى أن الجزائر تضم عشرات الكنائس المعترف بها رسمياً، وأن الدولة تضمن حماية أماكن العبادة، مستندة إلى تقارير رسمية تفيد بعدم تسجيل حوادث عنف طائفي ممنهج خلال السنوات الأخيرة.
الحرية الدينية وحرية التعبير
لم تقتصر انتقادات المنظمات الدولية على ملف الحريات الدينية فقط، بل امتدت إلى ما وصفته بتقاطع القيود بين حرية المعتقد وحرية التعبير، فقد وثقت منظمة العفو الدولية في تقريرها لعام 2025 اعتقال ومحاكمة عشرات النشطاء والصحفيين بسبب تعبيرهم عن آراء دينية أو سياسية، مشيرة إلى أن بعض هذه القضايا ارتبطت باتهامات “الإساءة إلى الإسلام” أو “نشر أفكار مخالفة”.
وتفيد إحصاءات المنظمة بأن ما لا يقل عن 70 شخصاً واجهوا ملاحقات قضائية في قضايا مرتبطة بحرية التعبير خلال عام 2024، وهو ما تعده دليلاً على تضييق أوسع يشمل مختلف الحقوق الأساسية.
تحليل خطاب الدولة مقابل خطاب المنظمات
يتسم الخطاب الرسمي الجزائري بالتركيز على مفاهيم سيادة القانون وتنظيم الشعائر وحماية النظام العام، حيث تؤكد السلطات أن جميع الإجراءات تستند إلى قوانين نافذة وتُطبق على الجميع دون تمييز، وفق بيانات حكومية وتقارير قانونية، في المقابل، تستخدم المنظمات الحقوقية الدولية مثل هيومن رايتس ووتش ومنظمة العفو الدولية مصطلحات مثل (قمع، تقييد، وانتهاك)، معتبرة أن هذه القوانين تُستخدم لتقييد الحريات الأساسية، خاصة مع تسجيل ملاحقات للصحفيين والنشطاء إلى جانب الأقليات الدينية، ويعكس هذا التباين اللغوي فجوة عميقة في تفسير الإجراءات نفسها، حيث ترى الدولة أنها تنظيمية، في حين تعدها المنظمات ذات طابع تقييدي ممنهج.
التداعيات غير المباشرة
تتجاوز تداعيات ملف الحريات الدينية في الجزائر البعد الحقوقي لتشمل تأثيرات سياسية واقتصادية ودبلوماسية، إذ تؤثر هذه القضية في تصنيف البلاد في مؤشرات الحوكمة الدولية وفي علاقاتها مع شركائها الدوليين، فقد أشار تقرير هيومن رايتس ووتش 2025 إلى أن القيود على الحريات، ومنها الدينية، تأتي ضمن سياق أوسع من تضييق الفضاء المدني ، وهو ما ينعكس على صورة البلاد في التقارير الدولية، كما أن استمرار هذه الانتقادات قد يؤثر في جاذبية الاستثمار الأجنبي، خاصة مع اعتماد المستثمرين على مؤشرات الاستقرار القانوني والحقوقي، وتربط تقارير دولية بين تراجع الحريات وبين ضعف الثقة في البيئة المؤسسية، ما يجعل الملف ذا أبعاد تتجاوز الإطار الداخلي.
مؤشرات دولية وتصنيفات
تُظهر المؤشرات الدولية صورة مركبة لوضع الحريات في الجزائر، حيث صنفت منظمة فريدوم هاوس البلاد في تقرير الحرية في العالم 2025 ضمن الدول غير الحرة بمجموع 31 نقطة من 100، منها 21 نقطة فقط في الحريات المدنية، وعلى مستوى الحرية الدينية تحديداً، منحت المنظمة الجزائر درجة 1 من 4، ما يعكس قيوداً ملحوظة على ممارسة الشعائر للأقليات كما احتلت الجزائر المرتبة 139 من أصل 180 دولة في مؤشر حرية الصحافة لعام 2024 وفق مراسلون بلا حدود، وهو مؤشر مرتبط بشكل غير مباشر ببيئة الحريات العامة ومنها الدينية، وتعكس هذه التصنيفات موقع الجزائر ضمن الدول التي تواجه تحديات هيكلية في مجال الحقوق والحريات.
إرث تاريخي معقد
يرتبط الجدل حول الحريات الدينية في الجزائر بسياق تاريخي معقد، حيث لعبت التجربة الاستعمارية الفرنسية دوراً في تشكيل حساسية الدولة تجاه النشاط الديني غير الإسلامي، خاصة مع ارتباط بعض البعثات التبشيرية بالماضي الاستعماري، كما أن العشرية السوداء في التسعينيات التي شهدت صراعاً دموياً بين الدولة والجماعات المسلحة، عززت توجه السلطات نحو تشديد الرقابة على المجال الديني.
ويرى باحثون في المعهد العربي لحقوق الإنسان أن هذا الإرث التاريخي لا يزال يؤثر في السياسات الحالية، حيث يتم التعامل مع الدين باعتباره مجالاً حساساً يرتبط بالأمن والاستقرار.
دعوات للإصلاح
تتزايد الدعوات الدولية للجزائر لمراجعة سياساتها في هذا المجال، فقد دعت “يوروميد رايتس” في تقريرها الأخير لعام 2025 إلى إصلاح شامل للإطار القانوني المنظم للحريات الدينية، ما يضمن المساواة بين جميع المواطنين بغض النظر عن معتقداتهم.
كما طالبت هيومن رايتس ووتش بالإفراج عن جميع المعتقلين على خلفية ممارسة حقوقهم الدينية أو التعبيرية، معتبرة أن استمرار هذه الممارسات يضر بصورة الجزائر الدولية.
القانون الدولي
ينص العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية الذي صادقت عليه الجزائر، على أن لكل فرد الحق في حرية الفكر والوجدان والدين، ومنها حرية تغيير دينه أو معتقده وممارسة شعائره علناً أو سراً، ويؤكد خبراء القانون الدولي أن أي قيود على هذا الحق يجب أن تكون ضرورية ومتناسبة، وهو ما يشكل محوراً للنقاش حول مدى توافق السياسات الجزائرية مع هذه المعايير.
في ظل هذه المعطيات، يبقى ملف الحريات الدينية في الجزائر موضوعاً مفتوحاً على تطورات متعددة، خاصة مع تزايد الضغوط الدولية وتنامي دور المنظمات الحقوقية في تسليط الضوء على الانتهاكات المزعومة، وبين تأكيد السلطات احترام السيادة وتطبيق القانون، ودعوات المنظمات إلى إصلاحات جوهرية، تظل قضية حرية المعتقد في الجزائر اختباراً حقيقياً لقدرتها على تحقيق التوازن بين الاستقرار واحترام الحقوق الأساسية.

