غزة- أحمد زقوت
تحت وطأة الحرب والنزوح، يعيش كلٌّ من قطاع غزة ولبنان أزمات متشابكة تعكس واقعًا إنسانيًا واقتصاديًا شديد التعقيد، حيث باتت أبسط مقومات الحياة، وعلى رأسها الخبز، مهددة بشكل غير مسبوق.
ففي غزة، تتفاقم أزمة الخبز نتيجة الحصار ونقص الوقود والمواد الأساسية، ما يدفع السكان إلى الوقوف لساعات طويلة في طوابير مرهقة للحصول على احتياجاتهم اليومية، في مشهد بات يتكرر كعنوانٍ للأزمة.
في أحد هذه المشاهد المؤلمة، وقفت المسنة الفلسطينية أم كريم (61 عامًا) لساعات طويلة أمام أحد المخابز بمدينة غزة، على أمل الحصول على ربطة خبز تسد بها جوع أسرتها، لكنها عادت خالية الوفاض بعد نفاد الكمية.
تقول أم كريم، في حديثها إلى موقع “صفر” بحسرةٍ بالغة: “وقفت أكثر من أربع ساعات، وفي النهاية قالوا إن كمية الخبز انتهت.. عدتُ بيدين فارغتين، وأولادي وأحفادي في البيت ينتظرون ما يسدّ رمق جوعهم، وهذا حالنا منذ عدة أسابيع”.
وتزداد الأزمة تعقيدًا مع شح الدقيق وغياب غاز الطهي، في ظل القيود الإسرائيلية على إدخال المساعدات، ما أدى إلى عودة الطوابير الطويلة أمام المخابز، واعتماد السكان شبه الكامل على الخبز كغذاء أساسي.
خوف وقلق من القادم
ويشير مواطنون إلى غياب الدقيق من الأسواق، واقتصار توزيعه بكميات محدودة عبر الجهات الإغاثية، الأمر الذي يفاقم حالة القلق والخوف من الأيام المقبلة.
بدوره، يؤكد محمد عبيد أنّ الحصول على ربطة الخبز بات معركة يومية مرهقة، في ظل النقص الحاد في الكميات المطروحة في الأسواق، مبينًا أنّه كان يشتري الربطة بالسعر الرسمي المحدد بثلاثة شواكل (دولار واحد)، لكنه اليوم يواجه صعوبة كبيرة في العثور عليها بهذا السعر، ما يضطره في كثير من الأحيان إلى شرائها بأسعار أعلى بكثير.
ويضيف لـ”صفر” أنّ سعر الخبز لم يعد ثابتًا، بل أصبح يتغير بشكل يومي تبعًا لتوفر الكميات، بل وحتى باختلاف المناطق، في مشهد يعكس فوضى السوق وغياب الاستقرار، مشيرًا إلى أنّ بعض الباعة يعرضون ربطة الخبز بأسعار مضاعفة وصلت أحيانًا إلى 15 شيكلًا، وهو ما يفوق قدرة العديد من الأسر، خاصة تلك التي تعتمد على الخبز كغذاء أساسي.
هذا الارتفاع الحاد في الأسعار، إلى جانب شح المعروض، يضع آلاف الأسر أمام خيارات قاسية؛ إما الجوع وإما الإنفاق فوق طاقتها المحدودة.
من جانبها، تقول تهاني النتيل إنّ الحصول على ربطة خبز بات العامل الذي يحدد مسار اليوم بالكامل لكل عائلة، لا سيما في مخيمات النزوح، حيث يشكل الخبز الركيزة الأساسية للبقاء.
وتوضح النتيل، في حديثها مع موقع “صفر”، أنّ الأزمة تتفاقم مع نقص الوقود وغياب المساعدات لفترات متواصلة، ما يزيد من هشاشة الوضع الإنساني ويعمّق معاناة السكان.
هذه الصورة القاتمة تعكس واقعًا إنسانيًا قاسيًا، حيث يعود شبح المجاعة ليخيّم من جديد على سكان القطاع، مهددًا مئات آلاف العائلات، خصوصًا مع تسجيل حالات سوء تغذية خطيرة في صفوف الأطفال وكبار السن خلال الفترات السابقة.
مخاوف وتحذيرات
لم تتوقف المخاوف والتحذيرات عند السكان، إذ دأبت منظمات دولية على التنبيه إلى خطورة استمرار الأزمة، مطالبةً بضرورة إدخال المساعدات وفتح المعابر بشكل كامل لتفادي كارثة إنسانية أوسع.
ومع استمرار هذه الظروف، لم يعد الخبز مجرد سلعة يومية، بل تحوّل إلى رمزٍ للبقاء، وعنوانٍ لأزمة إنسانية تتفاقم يومًا بعد يوم، في انتظار حلول جذرية تعيد الحد الأدنى من الحياة الكريمة.
وفي هذا الإطار، يحذّر رئيس “جمعية أصحاب المخابز” في قطاع غزة، عبد الناصر العجرمي، من تفاقم أزمة الخبز في القطاع، مشيرًا إلى أنّ السوق المحلي يعاني عجزًا يُقدّر بنحو 50% في تلبية احتياجات السكان، في مؤشر خطير على اتساع فجوة الأمن الغذائي.
ويوضح العجرمي، في مقابلة مع “صفر”، أنّ ملامح الأزمة برزت بشكل أكثر وضوحًا عقب شهر رمضان، نتيجة اتساع الفجوة بين حجم الإنتاج والطلب، في ظل التراجع الحاد في كميات الطحين والوقود المخصصة للمخابز.
ويبيّن أن تقليص برنامج الأغذية العالمي لحصص الطحين والسولار بنسبة 30% أدى إلى انخفاض الإنتاج اليومي من نحو 300 طن إلى قرابة 200 طن، ما أسهم بشكل مباشر في تعميق الأزمة، وزيادة الضغط على المخابز العاملة.
وأشار العجرمي إلى أنّ البرنامج يتجه تدريجيًا نحو تحويل عمل المخابز من النظام المدعوم إلى النظام التجاري، مع الاستمرار في تزويدها بالسولار فقط، وهو ما يهدد استقرار الإنتاج ويرفع من كلفة الخبز على المواطنين، خاصة في ظل تراجع القدرة الشرائية وارتفاع نسب الفقر.
ولفت رئيس جمعية المخابز إلى أنّ غياب ما يُعرف بـ”الطحين التجاري” يُعد العقبة الأبرز أمام تشغيل ستة مخابز جديدة كان من المقرر دخولها الخدمة خلال شهر إبريل، رغم الحاجة الملحّة لزيادة القدرة الإنتاجية لمواكبة الطلب المتزايد.
كما يؤكد وجود تواصل مع الجانب الإسرائيلي لتقديم قوائم بالمخابز المتوقفة، في محاولة لتسهيل إدخال المواد اللازمة عبر التجار، في ظل القيود المفروضة على دخول الإمدادات، الأمر الذي يحدّ من فرص احتواء الأزمة في المدى القريب، مشددًا على أنّ الأوضاع الإنسانية في القطاع تتجه نحو مزيد من التعقيد، مع تأثر المواطنين بشكل مباشر بهذه الأزمة، لا سيما في ظل اعتماد شريحة واسعة من السكان على الخبز المدعوم كغذاء أساسي يومي.
ودعا العجرمي المؤسسات الدولية والجهات المعنية إلى التدخل العاجل لضمان استمرار عمل المخابز، وتأمين الاحتياجات الأساسية للسكان، محذرًا من أن استمرار الوضع على ما هو عليه ينذر بتفاقم كارثة إنسانية قد يصعب احتواؤها.
اضطرابات الخبز في لبنان
في لبنان، أدّت التطورات العسكرية الأخيرة وما سبقها من الانهيارات الاقتصادية المتتالية وارتفاع أسعار القمح والوقود إلى اضطرابات في إنتاج وتوزيع الخبز، لتتحول الأزمة إلى هاجس يومي يؤرق المواطنين.
وفي السياق، أكد رئيس اتحاد نقابات الأفران والمخابز في لبنان، ناصر سرور، أنّ البلاد لا تواجه حاليًا أزمة خبز، رغم دقة المرحلة والظروف الإقليمية، مشيرًا إلى أن الأفران تواصل عملها بشكل طبيعي ضمن الإمكانات المتاحة، ولا توجد مؤشرات على انقطاع الطحين في المدى المنظور.
وأوضح، في تصريح لـ”صفر”، أنّ هذا الاستقرار يعود إلى خطة استباقية جرى الاتفاق عليها قبل اندلاع الحرب، بالتعاون مع وزارة الاقتصاد وقطاع المطاحن، قضت بتأمين مخزون احتياطي من القمح يكفي لمدة أربعة أشهر، ما أسهم في تفادي أي نقص حاد في المادة الأساسية.
وفي المقابل، أشار سرور إلى أنّ تراجع عدد السكان نتيجة مغادرة بعض اللبنانيين والسوريين خفّض الطلب على القمح بنسبة 20%، إلا أنّ ارتفاع أسعار المازوت وتكاليف الشحن والتأمين انعكس بشكل مباشر على كُلفة الإنتاج، ما أدى إلى ارتفاع سعر ربطة الخبز إلى نحو 10 آلاف ليرة لبنانية.
وأكد أنّ الخبز لا يزال متوفرًا في مختلف المناطق، بما فيها المناطق المتوترة، بفضل جهود الدولة، لا سيما دعم الجيش اللبناني في إيصال الطحين والوقود إلى الأفران، حتى في مناطق المواجهة، مشددًا على أنّ وزارة الاقتصاد تتابع بشكل دقيق أسعار وجودة وتوزيع الخبز، مع اتخاذ إجراءات صارمة بحق أي مخالفات أو احتكار.
وحول السيناريوهات المستقبلية، لفت إلى أنه في حال استمرار الحرب لفترة تتجاوز المخزون المتوفر، قد تضطر البلاد إلى طلب دعم خارجي، خاصة من برنامج الأغذية العالمي والدول الصديقة، لتأمين الطحين.
وختم سرور بالتأكيد أن الوضع الحالي مستقر، ولا خطر على توفر الخبز، مع استمرار الاتحاد في متابعة التطورات واتخاذ الإجراءات اللازمة لضمان استمرارية هذا القطاع الحيوي وحماية الأمن الغذائي للمواطنين.
ورغم اختلاف السياقات السياسية، فإن القاسم المشترك بين الحالتين يكمن في هشاشة الأمن الغذائي وتراجع القدرة الشرائية، ما يجعل رغيف الخبز مؤشرًا حادًا على عمق الأزمات.
وهكذا، لم تعد أزمة الخبز مجرد مشكلة تموينية عابرة، بل أصبحت انعكاسًا واضحًا لاختلالات بنيوية تهدد الاستقرار الاجتماعي وتضع ملايين البشر أمام تحديات البقاء.










