رغم ما خلفته الحرب من خراب ودمار طال أركان البلاد، فلا تزال البنية التحتية النفطية في إيران صامدة، بل وتحقق مكاسب لافتة من قلب الأزمة، إذ واصلت ضخ النفط بوتيرة مرتفعة، لتصدر نحو 1.6 مليون برميل يوميا، محققة إيرادات تقارب 140 مليون دولار يومياً، مستفيدة من الارتفاع الحاد في الأسعار، وفق منصة “تانكر تراكرز”.
ومنذ اندلاع الحرب، عبرت ما لا يقل عن 13 ناقلة عملاقة مضيق هرمز، محملة بنحو 24 مليون برميل من النفط، في مشهد يعكس مفارقة قاسية، حيث تبدو الأزمة، على قسوتها، وكأنها تحولت إلى فرصة غير متوقعة، وفق وكالة رويترز.
وبحسب وزارة الخزانة الأمريكية، فقد صدّرت إيران بين 13.7 و16.5 مليون برميل حتى منتصف مارس الماضي، معتمدة على أسطول الظل وعمليات مناولة وشحن معقدة تقلل التعقب، في حين كان متوسط صادراتها في 2025 1.69 مليون برميل يومياً، وحققت إيران 37% ارتفاعاً في إيرادات النفط مع صعود خام برنت 60% منذ اندلاع الحرب.
وفي خضم الصراعات الإقليمية المتصاعدة، لا تقتصر تداعيات الحروب على الخسائر البشرية والمادية، بل تمتد لتشمل تحولات عميقة في الاقتصاد العالمي، خاصة في سوق الطاقة، إذ تبرز إيران كونها أحد الفاعلين الذين قد يستفيدون بشكل غير مباشر من حالة عدم الاستقرار، حيث تسهم التوترات العسكرية – ومنها استهداف المدنيين – في خلق بيئة مواتية لارتفاع أسعار النفط، وهو ما ينعكس على مصالحها الاقتصادية والسياسية.
وعادة ما تدفع الحروب والصراعات إلى اضطراب أسواق النفط، خاصة في مناطق استراتيجية مثل الشرق الأوسط، بسبب تهديد إمدادات النفط العالمية، وتعطيل خطوط النقل والممرات البحرية، وتزايد المخاوف لدى المستثمرين، وهي عوامل تدفع الأسواق نحو رفع الأسعار؛ تحسباً لأي نقص محتمل، حتى لو لم يحدث فعلياً.
ورغم العقوبات الدولية، تظل إيران من كبار منتجي النفط عالمياً، إذ تمتلك احتياطات ضخمة غير مستغلة بالكامل، وتعتمد على قنوات تصدير غير رسمية، وبالتالي، فإن أي ارتفاع في الأسعار العالمية مع انخفاض حجم الصادرات يعني زيادة العائدات النفطية.
ويمثل استهداف المدنيين انتهاكاً صارخاً للقانون الدولي، إلا أن تصاعد العنف يؤدي إلى زيادة التوتر الجيوسياسي، ورفع “علاوة المخاطر” في أسعار النفط، فضلا عن جذب اهتمام عالمي أكبر بالمنطقة، وهذه العوامل مجتمعة تخلق بيئة تضخمية في أسعار الطاقة، تصب في مصلحة الدول المنتجة مثل إيران.
وتعتمد بعض الدول على ما يمكن تسميته بـ”اقتصاد الأزمات”، حيث تتحول الأزمات إلى أدوات ضغط سياسي يتم توظيف التوترات لتحسين شروط التفاوض، كما تُستخدم الأسواق العالمية وسيلة لتعويض الخسائر الناتجة عن العقوبات، وفي هذا السياق، يمكن أن تستفيد إيران من ارتفاع الأسعار لتعويض جزء من الضغوط الاقتصادية المفروضة عليها.
وفي نهاية المطاف، تكشف هذه الصورة المركبة عن مفارقة إنسانية مؤلمة، فبينما تُسجل الأرقام ارتفاعاً في العائدات وتنامياً في المكاسب الاقتصادية، تظل الخسارة الحقيقية هي تلك التي لا تُقاس بالأرقام بل تتجسد في أرواح المدنيين، وتحت أنقاض البيوت المهدمة، وأجيال كاملة تدفع فاتورة باهظة لصراعات لا تملك قرارها، وبين حسابات المكاسب والخسائر، يبقى السؤال الأخلاقي حاضراً: هل يمكن لاقتصاد أن يزدهر في ظل آلاف القتلى والمصابين والمكلومين؟
ابتزاز جيوسياسي ممنهج
وأكد المحلل السياسي طارق أبو زينب، أن استمرار الحرب بالنسبة لإيران ليس مجرد نتيجة للصراع، بل خيار محسوب يهدف إلى رفع كلفته على الجميع وتعظيم مكاسبها منه.
وأوضح أبو زينب، في حديث لـ”صفر”، أن ما تقوم به طهران، من تهديد بإغلاق مضيق هرمز واستهداف منشآت الطاقة في دول الخليج، يتجاوز كونه تصعيداً عسكرياً تقليدياً، ليأخذ طابع ابتزاز جيوسياسي ممنهج، تسعى من خلاله إلى رفع أسعار الطاقة عالمياً وتوظيفها ورقة ضغط سياسية واقتصادية.
وأضاف أن إيران تجني مكاسب غير مباشرة من استمرار التوترات، إذ يؤدي تصاعد المخاطر الأمنية إلى ارتفاع أسعار النفط، ما يمنحها هامشاً أوسع للالتفاف على العقوبات وزيادة عائداتها، في حين تتحمل دول المنطقة والعالم كلفة ذلك عبر تضخم اقتصادي متصاعد وارتفاع في تكاليف المعيشة.
ويرى الخبير اللبناني أن هذا النهج الإيراني، القائم على زعزعة استقرار أسواق الطاقة، لا يفاقم الأزمات الاقتصادية فحسب، بل يهدد أمن الملاحة الدولية، ويدفع المنطقة نحو حالة من التوتر الدائم، في إطار استراتيجية اعتادت على تصدير الأزمات بدلا من احتوائها.
وفيما يتعلق بإمكانية كبح هذه السياسات، شدد أبو زينب على أن وقفها يتطلب إرادة دولية حقيقية تتجاوز حدود الإدانة اللفظية، عبر تشديد العقوبات، وتأمين الممرات البحرية، وفرض كلفة مباشرة على أي اعتداء يستهدف منشآت الطاقة أو خطوط الإمداد.
وأشار إلى أن غياب موقف دولي حازم حتى الآن يعود إلى تشابك المصالح بين القوى الكبرى، والخشية من الانزلاق إلى مواجهة شاملة، فضلاً عن الحسابات المعقدة المرتبطة بأسواق الطاقة العالمية.
واختتم تحذيره بالتأكيد على أن استمرار هذا التردد الدولي يمنح طهران مساحة أكبر للمضي في هذا النهج، ويشجعها على توظيف الطاقة سلاحاً سياسياً، ما يعمق حالة عدم الاستقرار ويضاعف أرباح الحرب على حساب أمن المنطقة والعالم.
عقلية صدامية وعزلة إقليمية
ويرى المحلل في الشأن الإيراني، وجدان عفراوي، أن استمرار طهران في التصعيد العسكري وتعطيل الملاحة في مضيق هرمز، إلى جانب استهداف منشآت الطاقة في الخليج، يعكس قدراً من إنكار الأدوار التي اضطلعت بها دول المنطقة، لا سيما التي ساندت إيران في مراحل دقيقة من تاريخها.
وأوضح عفراوي، في حديث لـ”صفر”، أن هذه المفارقة تبدو جلية عند استحضار فترات العقوبات، حين لعبت دولة الإمارات العربية المتحدة دورا محوريا في الحفاظ على قنوات التبادل التجاري مع إيران، إذ كان الجزء الأكبر من تجارتها مع دول الخليج يمر عبرها، ورغم ذلك، كانت الإمارات من أكثر الدول تأثرا بتداعيات التوترات الأخيرة.
وأضاف أن المشهد الإقليمي لا يمكن قراءته بمعزل عن الجهود الدبلوماسية التي احتضنتها عواصم مثل سلطنة عُمان وقطر، إلى جانب المملكة العربية السعودية، التي سعت -على الرغم من التوترات- إلى تجنيب المنطقة الانزلاق نحو مواجهة شاملة مع إيران.
وانتقد عفراوي سلوك النظام الإيراني، معتبراً أنه تعامل مع هذه المواقف الداعمة بعقلية صدامية، واضعاً تلك الدول في خانة الخصوم، في نهج أقرب إلى منطق “عليّ وعلى أعدائي”، وهو ما أسهم، بحسب قوله، في تعميق عزلته الإقليمية ودفعه نحو استهداف محيطه العربي، بما انعكس سلباً على علاقاته ومكانته.
وفيما يتعلق بالمكاسب الاقتصادية غير المباشرة، أشار عفراوي إلى أن الحديث عن استفادة إيران من ارتفاع أسعار النفط يظل محدوداً، نظراً لقيود صادراتها وخضوعها لرقابة دولية، معتبراً أن التصعيد في مضيق هرمز لا يحقق لها أرباحاً مباشرة بقدر ما يمثل أداة ضغط على الاقتصاد العالمي عبر تهديد أمن الممرات البحرية.
لكنه حذر في الوقت ذاته من أن هذا النهج قد ينقلب على طهران، إذ يعرضها لضغوط دولية متزايدة، وربما لردود عسكرية قاسية، مؤكداً أن توظيف ورقة مضيق هرمز بهذه الطريقة لا يوفر لها مكاسب استراتيجية مستدامة، بل يرفع كلفة المواجهة عليها.
ورجح عفراوي أن يتجه المجتمع الدولي إلى التدخل لضمان بقاء المضيق مفتوحاً، نظراً لأهميته الحيوية للاقتصاد العالمي، مشيراً إلى أن بعض الدول كانت تراهن في البداية على محدودية التصعيد وقصر مدته، وهو ما يفسر حالة التردد في التحرك.
وأضاف أن المعادلات قد تتغير مع تصاعد التهديدات، خاصة في ظل المهلة التي أعلنها الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، والتي يُفترض أن تنتهي قريباً، ما قد يدفع نحو تحركات أكثر حسماً.
ولم يستبعد عفراوي أن تبادر الولايات المتحدة إلى التحرك بشكل منفرد أو عبر تحالف دولي، بهدف تأمين الممرات الحيوية، ومنها الجزر الاستراتيجية عند مدخل مضيق هرمز، لضمان استمرار تدفق التجارة العالمية ومنع انزلاق المنطقة إلى مزيد من الفوضى.

