بدأت القصة من معلومة سرية تلقاها صحفي استقصائي يغطي ملف العمالة المهاجرة، حين كشف له مصدر موثوق أن الاتجار الجنسي بالأطفال في الولايات المتحدة يشهد تصاعداً مرعباً وقت تفشي جائحة كوفيد-19، التي دفعت المتحرشين نحو فضاءات الإنترنت ومنصات التواصل الاجتماعي.
انتقلت التحقيقات التي نشرتها صحيفة “الغارديان” إلى مستوى أكثر خطورة، بعدما كشفت أن منصتي “فيسبوك” و”إنستغرام” تحولتا إلى بيئة غير مرئية لبيع وشراء الأطفال، حيث تجري معظم العمليات داخل قنوات خاصة ومغلقة، مثل “فيسبوك ماسنجر” والحسابات الخاصة على إنستغرام، بعيداً عن الرقابة العلنية.
وسجل المحققون، عبر نظام “Pacer” الفيدرالي، محاضر تفاوض تتعلق ببيع فتيات مراهقات، إلى جانب صور لضحايا تم الترويج لهم عبر خاصية “القصص” على إنستغرام، في وقائع لم ترصدها أو تبلغ عنها شركة “ميتا” نفسها.
واصطدم هذا الواقع بشهادات موظفين سابقين في إدارة المحتوى، عملوا بعقود مؤقتة، أكدوا أن محاولاتهم للإبلاغ عن المحتوى الضار كانت تفشل في الغالب، بسبب معايير تصعيد ضيقة، جعلت إزالة المحتوى الاستغلالي أمراً نادراً.
وفي هذا السياق، روت الناجية من الاتجار، وعضو المجلس الاستشاري الأمريكي لمكافحة الاتجار بالبشر، تينا فروندت، كيف يستغل المتاجرون خصائص المنصات لاستهداف الفتيات المراهقات وأفراد من مجتمع الميم، مستشهدة بقصة مأساوية لفتاة تبلغ من العمر 15 عاماً تُدعى “مايا”، التقت برجل عبر إنستغرام، ليعطيها لاحقاً مخدرات ممزوجة بالفنتانيل، أدت إلى وفاتها في الليلة نفسها.
تحليل النشاط الرقمي
وتشير الأرقام إلى أن الظاهرة تتصاعد بشكل لافت، إذ أفاد مساعد المدعي العام في ماساتشوستس بأن جرائم الاتجار بالأطفال عبر وسائل التواصل تنمو بنسبة 30% سنوياً، في حين يعتمد المتاجرون على تحليل النشاط الرقمي لتحديد الفئات الأكثر ضعفاً واستهدافها.
وفي تطور أكثر خطورة، حذر باحث بارز داخل شركة “ميتا”، وفقاً لما نشرته “نيويورك بوست”، من وجود ما يصل إلى 500 ألف حالة استغلال جنسي يومياً عبر فيسبوك وإنستغرام. كما كشفت رسالة داخلية تعود لعام 2020، كتبَتها المسؤولة السابقة عن سلامة الأطفال في الشركة، ماليا أندروس، أن المتحرشين تمكنوا من استهداف هذا العدد الهائل من الضحايا في الأسواق الناطقة بالإنجليزية وحدها.
وأعربت أندروس عن صدمتها من هذا الواقع، مشيرة إلى أنه لم يسبق في التاريخ أن تمكن شخص واحد من إدارة محادثات سرية مع ألف طفل في وقت واحد، في إشارة إلى حجم الخطر الذي تتيحه هذه المنصات.
وتفاقم الوضع مع الانتقادات الموجهة لأدوات التحقق من العمر في إنستغرام، والتي وصفت بأنها سهلة الخداع، حيث تميل تقديرات الشركة إلى تصديق الأعمار التي يزيفها القاصرون، ما يفتح الباب أمام مزيد من الاستهداف.
أزمة تتجاوز الاستغلال
ولا يتوقف الخطر عند حدود الاستغلال المباشر، بل يمتد إلى التأثيرات النفسية العميقة التي تطول الأطفال والمراهقين، حيث اتهم المدعي العام لولاية نيو مكسيكو، راؤول توريز، الرئيس التنفيذي لشركة “ميتا”، مارك زوكربيرغ، بتعريض الأطفال لخطر مزدوج يجمع بين الاستغلال الجنسي وتدهور الصحة النفسية.
وسخر توريز من نظام التصنيف العمري (PG-13) الذي تتبناه المنصة، واصفاً إياه بأنه “حيلة ترويجية” تمنح شعوراً زائفاً بالأمان، في حين يتعرض المراهقون للقلق والاكتئاب وإيذاء النفس.
وفي موازاة ذلك، كشفت وثائق قضائية عن استمرار الجدل داخل أروقة الشركة، خاصة بعد السماح بمناقشة استخدام روبوتات دردشة بالذكاء الاصطناعي في محادثات ذات طابع جنسي مع القصر، رغم التحذيرات الداخلية، وهو ما وافق عليه مارك زوكربيرغ شخصياً.
ووصفت هذه القضايا المشهد القانوني المتصاعد بأنه “كابوس” يواجه الشركة، بحسب المديرة التنفيذية لمشروع مراقبة التكنولوجيا، ساشا هاوورث، التي شبهت هذه المحاكمات بمساءلة شركات التبغ والأدوية الكبرى.
تزييف معايير السلامة
كشفت وثائق داخلية عن سياسات مقلقة تتعلق بإدارة المحتوى، من بينها ما عُرف بسياسة “17x”، التي تسمح بارتكاب 16 انتهاكاً قبل تعليق الحساب في المرة السابعة عشرة، وهو ما أثار صدمة داخل فرق السلامة نفسها.
وأقرت فايشنافي جاياكومار، الرئيسة السابقة لقسم السلامة والرفاهية في إنستغرام، بأنها فوجئت بارتفاع هذا الحد، إلى جانب غياب آليات فعالة للإبلاغ عن المحتوى الجنسي المتعلق بالأطفال.
وفي سياق متصل، أكد المحامي بريفين وارين، ضمن فريق الادعاء، أن تصميم منتجات الشركة تم توجيهه بشكل متعمد نحو تعزيز الإدمان لدى الأطفال والمراهقين بهدف زيادة الأرباح، على حساب صحتهم النفسية والجسدية.
كما أظهرت شهادات نائب الرئيس السابق للشراكات، برايان بولاند، أن الإدارة العليا لم تكن تولي اهتماماً حقيقياً بسلامة المستخدمين، وهو ما يعكس فجوة عميقة بين الخطاب الرسمي والواقع الفعلي.
التجاهل المتعمد للمخاطر
ووفقاً لمجلة “التايم”، كشفت وثائق أن شركة “ميتا” أخفت نتائج دراسة داخلية عام 2019 أثبتت أن التوقف عن استخدام فيسبوك وإنستغرام لمدة أسبوع يسهم في تقليل القلق والاكتئاب والشعور بالوحدة.
وفي عام 2020، ردت الشركة على الكونغرس بنفي وجود علاقة بين منصاتها والاكتئاب لدى المراهقات، رغم أن الأبحاث الداخلية كانت تشير إلى عكس ذلك.
كما كانت الشركة على علم بتواصل ملايين البالغين مع القاصرين، لكنها امتنعت عن تفعيل إعدادات الخصوصية الافتراضية خوفاً من تراجع التفاعل، بما قد يصل إلى خسارة ملايين المستخدمين النشطين شهرياً.
وسجلت المنصات تفاعلات غير لائقة بين بالغين وأطفال بمعدل يفوق ماسنجر بـ38 مرة، وهو ما وثقته الشركة داخلياً بمصطلح خاص يشير إلى تلك الحالات.
صناعة الإدمان
كما نقلت “التايم” عن وثائق داخلية أخرى أن الهدف الأساسي كان زيادة الوقت الذي يقضيه المراهقون على المنصة، حيث اعتبره مارك زوكربيرغ مؤشر النجاح الأهم.
وتجاوز الأمر ذلك إلى حملات تسويقية وصلت إلى المدارس، مع استخدام بيانات الموقع لإرسال إشعارات للطلاب أثناء الحصص الدراسية، في محاولة لتعزيز التفاعل المستمر.
وتشير بيانات داخلية إلى أن ملايين المستخدمين كانوا دون السن القانونية، في ظل غياب دقيق للتحقق من الأعمار، بينما أظهرت دراسات أن نسبة كبيرة من الأطفال يستخدمون المنصات بشكل يومي.
كما كشفت دراسات أخرى أن خصائص مثل “فلاتر التجميل” وإخفاء الإعجابات كان لها تأثير سلبي على صورة الجسد والصحة النفسية، رغم الأدلة التي تثبت ذلك.
وتشير التقارير إلى أن أنظمة الذكاء الاصطناعي في المنصة لم تكن فعالة بالقدر الكافي في حذف محتوى إيذاء النفس، بسبب ارتفاع معايير التأكد، ما أبقى هذا المحتوى متاحاً أمام المراهقين.
معركة قانونية متصاعدة
أفضت هذه الوقائع إلى خسائر قانونية، من بينها حكم قضائي في نيو مكسيكو قضى بتغريم الشركة 375 مليون دولار، إلى جانب دعاوى أخرى تتعلق بتصميم ميزات إدمانية.
وتواصل صحيفة “الغارديان” الكشف عن قصص إنسانية مأساوية، من بينها حالة مراهقة تم استدراجها وبيعها عبر إنستغرام، لتنتهي حياتها بشكل مأساوي.
وفي ظل تصاعد الانتقادات، حذر خبراء من أن تشفير “فيسبوك ماسنجر” قد يعزز قدرة المتاجرين، ويحد من قدرة الجهات الأمنية على تتبع الجرائم.
ويأتي ذلك في وقت تواجه فيه الشركة ائتلافاً يضم 33 مدعياً عاماً، يتهمها بتصميم خصائص تضر بالأطفال عمداً، في معركة قانونية قد تعيد رسم مستقبل التنظيم الرقمي ومسؤولية المنصات.
