سالي كيد
لماذا يحصل بعض السائقين الذين يتسببون في القتل على أحكام سجن قصيرة؟ ولماذا يوجه الاتهام إلى بعضهم بجريمة “القيادة المتهورة” بدلاً من “القيادة الخطرة”؟
هذه الأسئلة لم تعد مجرد تساؤلات عابرة، بل أصبحت تعكس حالة متزايدة من الحزن والغضب، والأهم من ذلك الحيرة.
في عام 2024 قُتل 1602 شخص على الطرق البريطانية، ورغم ذلك، فإن نسبة ضئيلة فقط من هذه الحالات انتهت بملاحقة قضائية للسائقين الذين بقوا على قيد الحياة، وبعد أكثر من عقدين من البحث في هذا المجال، أرى بوضوح أن الإطار القانوني الحالي لمحاسبة السائقين يحتاج إلى تغيير جذري.
الحقيقة المؤلمة أن معظمنا يقوم يومياً بأفعال قد تنهي حياة الآخرين بسهولة.. عندما نقود السيارات.
تعلم القيادة يمثل لحظة استقلال ونضج في مجتمع يعتمد على السيارة، في البداية نكون شديدي الانتباه، لكن مع مرور الوقت تتلاشى هذه الحيطة، ونادراً ما نعود إلى مراجعة قواعد الطريق.
ورغم ذلك، يفترض القانون أننا جميعاً نفهم ونلتزم بمعيار “السائق الكفء والحذر”، لكن الواقع مختلف تماماً.
قضيتان نظرت فيهما المحاكم في يوم واحد كشفتا هذا الخلل بوضوح.. في برمنغهام، تسبب سائق في مقتل طفلة بعد قيادته بسرعة، واستخدامه الهاتف، ووجود مخدرات في دمه، ومحاولته التجاوز قرب تقاطع.
ورغم وضوح خطورة سلوكه، تم تصنيفه قانونياً “قيادة متهورة”، ولم تُتح لهيئة المحلفين فرصة تقييمه “قيادة خطرة”.
في نفس اليوم حضرت جلسة أخرى في لينكولن، حيث أقرت شابة بقتل اثنين من أقرانها نتيجة قيادتها بسرعة 76 ميلاً في الساعة في طريق حدّه الأقصى 60 ميلاً، دون أن تبطئ قبل منعطف.
ابني الذي يتعلم القيادة سألني مباشرة: كيف لا يُعد هذا سلوكاً خطِراً؟
وهنا تكمن المشكلة، فالقانون يفرق بين “المتهور” و”الخطِر”، لكن هذا الفرق غير واضح، ويعتمد على تقديرات ذاتية، فالقيادة المتهورة تعني الانحراف عن معيار السائق الحذر، أما القيادة الخطرة فتعني الانحراف الكبير والواضح الذي يشكل خطراً بيّناً على الآخرين، لكن من يحدد ذلك؟ لا يوجد اتفاق.
حتى داخل قاعات المحاكم، تختلف التفسيرات بين القضاة والادعاء وهيئات المحلفين والشرطة، بل إن نفس هذا المعيار يُستخدم لتقييم السيارات ذاتية القيادة، فإذا كنا نحن البشر لا نتفق عليه، فكيف نطلب من الآلات الالتزام به؟
في الوقت نفسه، يبدو أن معايير القيادة تتدهور، فالمخالفات في ازدياد، والسرعة أصبحت شائعة، واستخدام الهاتف أثناء القيادة منتشر بشكل مقلق، ورغم أن هذه أفعال مجرّمة، فإن تطبيق القانون متقطع وضعيف بسبب تراجع موارد شرطة الطرق.
الأسوأ من ذلك أن أي محاولة لتشديد القوانين تُقابل بادعاءات “الحرب على السائقين”، هذه السردية يجب أن تنتهي، فإذا أردنا نظاماً عدلياً قادراً على التعامل مع عنف الطرق، فعلينا القيام بثلاث خطوات أساسية:
أولاً: إعادة تعريف جرائم القيادة، فالفارق بين “المتهور” و”الخطر” غامض للغاية ويؤدي إلى قرارات غير متسقة، ما يضعف ثقة الجمهور. نحن بحاجة إلى إطار واضح يعتمد على سلوكيات ملموسة، لا مفاهيم مجردة.
ثانياً: إعادة الاستثمار في شرطة الطرق، حيث لا يمكن ردع السلوك الخطِر دون وجود فعلي على الطرق، فالتخفيضات السابقة أضعفت القدرة على الإنفاذ، وبالتالي زادت المخاطر.
ثالثاً: تغيير نظرتنا المجتمعية للقيادة، حيث يجب أن نتوقف عن اعتبار قوانين السرعة والرقابة إزعاجاً شخصياً، فالقيادة مسؤولية وليست حقاً مطلقاً.
نحتاج إلى تثقيف أفضل للسائقين، ونقاش عام يضع الضحايا في قلب الاهتمام، لا الشكاوى من القيود.
علينا أن نؤكد بوضوح أن الالتزام بقواعد الطريق ليس خياراً، بل ضرورة لحماية الحياة.
نقلاً عن الجارديان
