منصة راصدة تحليلية لقضايا حقوق الإنسان

بين الحرمان والتسرب.. ملايين التلاميذ السوريين يفقدون حقهم في التعليم

06 أبريل 2026
ملايين الأطفال في سوريا يواجهون شبح الحرمان من التعليم
ملايين الأطفال في سوريا يواجهون شبح الحرمان من التعليم

د. منى اللواتي

في سوريا، لم يعد خروج الطفل من المدرسة يعني فقط الغياب عن الصف، بل الانقطاع عن واحد من أهم مسارات الحماية والحق في المستقبل، فبعد سقوط النظام السابق في ديسمبر 2024، لم تنتهِ الأزمة التعليمية، بل بقيت واحدة من أثقل ترِكات الحرب والانهيار الاقتصادي والنزوح، في بلد ما زالت الاحتياجات الإنسانية فيه من بين الأعلى عالمياً.

ووفق أحدث المعطيات الأممية، لا يزال نحو 2.4 إلى 2.5 مليون طفل خارج المدرسة داخل سوريا، فيما يواجه قرابة مليون طفل إضافي خطر التسرُّب، ما يعني أن ملايين الأطفال ما زالوا محرومين من تعليم منتظم حتى في مرحلة ما بعد الحرب.

وتشير الأمم المتحدة إلى أن ثلث المدارس تقريباً غير صالح للاستخدام بسبب الدمار أو التضرر أو الاستخدام لأغراض أخرى، بينما تستمر الضغوط الاقتصادية على الأسر، مع بقاء نحو 90% من السكان تحت خط الفقر، وفق تقديرات برنامج الأمم المتحدة الإنمائي.

وفي هذا السياق، لم تعد أزمة التعليم في سوريا أزمة قطاعية معزولة، بل أزمة حقوقية وإنسانية عميقة، لأن فقدان المدرسة لا يحرم الطفل من التعلم فقط، بل يضعه أيضاً أمام مخاطر العمل المبكر والاستغلال والزواج القسري والتهميش طويل الأمد.

وتشير تقديرات اليونيسف إلى أن ما يقارب نصف الأطفال في سن التعليم في سوريا لا يحصلون على تعليم منتظم، وتُظهر بيانات اليونيسف تدهورًا واسعًا في البنية التعليمية، حيث خرج نحو 40% من المدارس عن الخدمة، مع تضرر أكثر من 7,000 مدرسة، نتيجة سنوات النزاع الذي استمر نحو 13 عاماً.

وفي هذا السياق، حذّر نائب المدير التنفيذي لليونيسف، تيد شيبان، من أن الأزمة في سوريا لا تهدد التعليم فقط، بل تضع ملايين الأطفال أمام خطر فقدان التعليم والحماية في آنٍ واحد، في إشارة إلى الترابط بين النزاع وتآكل الحقوق الأساسية.

من المدرسة إلى العمل

تدفع الضغوط الاقتصادية العديد من الأسر إلى إخراج أطفالها من المدرسة وإدماجهم في سوق العمل المبكر كوسيلة للبقاء، وهو ما يتعارض مع ما نصت عليه اتفاقية حقوق الطفل، التي تحظر استغلال الأطفال اقتصاديًا على نحو يضر بتعليمهم.

ولا يقتصر الأمر على الانقطاع المؤقت، بل يمتد إلى إقصاء طويل الأمد يعيد تشكيل مسار حياة الطفل، حيث يصبح العمل بديلاً دائماً عن التعليم.

ولا تقتصر وظيفة المدرسة على التعليم، بل تمثل أيضًا مساحة للحماية النفسية والاجتماعية. ومع غيابها، يواجه الأطفال مخاطر متزايدة، تشمل الاستغلال والعمل القسري، في ظل ضعف أنظمة الحماية، ويزداد هذا التأثير في حالات النزوح، حيث ينقطع الأطفال عن التعليم لفترات طويلة، ويصعب دمجهم مجددًا في النظام التعليمي.

ويمثل هذا الواقع خرقًا مباشرًا للحق في التعليم المنصوص عليه في المادة (28) من اتفاقية حقوق الطفل، كما يتقاطع مع مبدأ “مصلحة الطفل الفضلى”، في وقت تدفع فيه الظروف الاقتصادية الأطفال خارج المدرسة، وبذلك، لا يُعد خروج الأطفال من التعليم خللا قطاعيًا، بل مساسًا مترابطًا بحقوق التعليم والحماية والكرامة.

جيل خارج المنظومة

وفي هذا السياق يصف المحامي المختص في القضايا الجنائية، الدكتور رائد العمارين، عدد الأطفال فاقدي الحق في التعليم في سوريا وهو مليونان ونصف المليون بـ”الرقم المخيف”، وأن مستقبل الطفل لا ينفصل بحال من الأحوال عن المجتمع، ما يعني تفشي الجهل وظهور مشكلات اجتماعية وعلى رأسها الجريمة.

وقال العمارين، في تصريحات لـ”صفر”، إنه حتى لو كان هؤلاء الأطفال مُدمَجين في سوق العمل فإنّ مستقبل طفل أمّي بالمعنى المعرفي يختلف اختلافاً كلّيا عن مستقبل طفل متعلّم؛ مشيراً إلى أن الطفل الفاقد للتعليم سوف يكوّن عائلة مُفرغة تغزوها المشكلات في ما بعد.

وفي مستوى أعلى فإنّ هذه الظاهرة من شأنها أن تعوق تطوّر سوريا كدولة في أمسّ الحاجة لإعادة البناء لأنّ الاستناد على جيل ناشئ غير متعلّم سوف يخلق دولة قائمة على رصيد بشري قابل للوقوع في الانحراف ممّا سيكون له تأثير يظهر في تأخر عمليّة تقدّم البلد.

قضية بالغة الخطورة

ولم تختلف الخبيرة التربويّة د. هدى السعيداني، الباحثة في علم الاجتماع، كثيراً عمّا ذهب إليه العمارين، لكنها ترى الرقم “2.5 مليون طفل” من زاوية  قضية إنسانية وتربوية بالغة الخطورة.

وقالت د. السعيداني، في تصريحات لـ”صفر”، إنه لا يمكن النظر إليها كأرقام فقط، بل كمسار طويل من الآثار المتراكمة على الفرد والمجتمع، فعندما يُحرم الطفل من حقه في التعليم، فإنه لا يفقد فقط فرصة التعلم الأكاديمي، بل يفقد أيضاً بيئة الحماية، وبناء الهوية، واكتساب القيم والمهارات الأساسية للحياة ويصبح أكثر عرضة لحالة من التشتت (Disorientation) وفقدان الإحساس بالاتجاه والاستقرار

أما على المستوى الاجتماعي، فتؤدي هذه الظاهرة إلى إضعاف رأس المال البشري، وتراجع مستوى الوعي والثقافة العامة، وازدياد الفجوات الاجتماعية. Social inequalities ، حسب ما تقول الخبيرة التي ترى الظاهرة مسؤولة عن فتح المجال أمام مشكلات اجتماعية معقدة مثل ارتفاع معدلات الفقر، والانحراف، وضعف الانتماء المجتمعي.

وعن الأسباب قالت د. السعيداني، إن “المدرسة ليست مجرد مكان للتعلم فقط، بل هي مؤسسة لضبط السلوك وبناء المواطن”.

وأضافت: “سوق العمل هو الآخر ليس بمعزل عن الارتدادات المتتالية للظاهرة، فغياب التعليم ينعكس مستقبلاً في صورة قوى عاملة غير مؤهلة، وتفتقر إلى المهارات؛ ما يضعف فرص التنمية ويخلق حلقة مفرغة من الفقر والتهميش، حيث يصبح الأطفال الذين لم يتعلموا اليوم هم الفئة الأكثر هشاشة في سوق العمل غداً”.

وتابعت: على المستوى الفردي، الطفل نفسه الذي يُحرم من التعليم يتعرض لمخاطر نفسية واجتماعية عميقة، منها انخفاض تقدير الذات، والشعور بالإقصاء، وصعوبات التكيف، إضافة إلى احتمالية الانخراط المبكر في العمل أو التعرض للاستغلال.

ووفق د. السعيداني، يمكن تفسير هذه الظاهرة ضمن إطار مركّب يجمع بين الظروف الاقتصادية الصعبة، وعدم الاستقرار، وتضرر البنية التحتية التعليمية، إضافة إلى تغير أولويات الأسرة التي قد تضطر لإخراج الطفل من المدرسة من أجل العمل أو المساعدة، كما تلعب العوامل النفسية دوراً، حيث إن الأطفال الذين عاشوا صدمات قد يجدون صعوبة في الاندماج في البيئة المدرسية.

وتتطلب معالجة هذه القضية -حسب ما تؤكد السعيداني- تدخلات متكاملة تشمل إعادة تأهيل النظام التعليمي، محذرة من بقاء الوضع دون تدخل ومعالجات حقيقية، فالتعليم ليس خياراً، بل ضرورة لحماية الأطفال والأجيال لاحقاً، وهو خط الدفاع الأول عن الإنسان والمجتمع، ومن دونه لا نبني مستقبلاً، بل نؤجّل أزمات أكبر.