تحتفظ البرازيل بمكانة استثنائية في ملف العمل المنزلي المأجور، ليس فقط لأنها تضم واحدة من كبرى الفئات العاملة في هذا القطاع عالمياً، بل لأن هذه المهنة ما تزال تعكس بصورة حادة تقاطع الفقر والعرق والجندر في بلد لم يتخلص بالكامل من إرث العبودية.
ووفق وزارة العمل والتوظيف البرازيلية، بلغ عدد العاملين في الخدمة المنزلية 6.08 مليون في نهاية 2023، منهم 91.1% نساءً، ومعظمهن من النساء السوداوات، بمتوسط عمر يبلغ 49 عاماً، ولا يملك سوى ثلثهن تقريباً عقوداً رسمية، في حين يبلغ متوسط الأجر الشهري 1146 ريالاً برازيلياً فقط، أي أقل من الحد الأدنى للأجور وقتها.
وتقول الحكومة البرازيلية إن الأغلبية يعملن بنظام العمل اليومي، وهو النمط الأكثر هشاشة في القطاع.
وتعزز بيانات معهد البحوث الاقتصادية التطبيقية Ipea هذه الصورة، ففي 19 مارس 2025 أعلن المعهد، استناداً إلى المسح الوطني للعمل المنزلي والرعائي المأجور، أن 69.9% ممن يعرّفون أنفسهن بوصفهن عاملات في العمل المنزلي أو الرعائي المأجور في البرازيل هن نساء سوداوات، وأن 52.4% من العاملات المنزليات السوداوات لم يكملن التعليم الثانوي، مقابل 42.9% لغير السوداوات.
كما سبق للمعهد نفسه أن قدّر في أبريل 2024 أن القطاع يضم نحو 6 ملايين عامل/ة، منهم 91.6% نساء، وثلثاهم تقريباً من السود، ونحو 10% فوق سن الستين.
إرث العبودية في العمل
لا ينظر الفاعلون الحقوقيون والرسميون في البرازيل إلى العمل المنزلي باعتباره مجرد قطاع منخفض الأجر، بل امتداد لبنية تاريخية من التهميش، ففي تقرير برازيلي رسمي قدم إلى الأمم المتحدة في يوليو 2024 وصفت الحكومة الفئة بأنها تضم “نحو 6 ملايين عامل/ة، 91% منهم نساء 65% منهن سود”.
وأضافت أن هذه الفئة “عانت وما تزال تعاني إقصاءً قانونياً-حضارياً حقيقياً”، وفي يونيو 2025 قالت وزارة العمل إن العمل المنزلي في البرازيل الذي تؤديه في الغالب نساء سوداوات، يحمل “تاريخاً طويلاً من الإقصاء والمقاومة”.
هذا البعد التاريخي ليس تحليلاً أكاديمياً فقط، فالمقررة الخاصة للأمم المتحدة المعنية بأشكال الرق المعاصرة، بعد زيارتها البرازيل، قالت في أغسطس 2025 إنها تشعر بـ“قلق عميق” إزاء ما سمعته من أشخاص منحدرين من أصل إفريقي، ومنهم نساء يعملن في القطاع المنزلي، مؤكدة أن أشكال الرق المعاصرة في البرازيل متجذرة في العبودية عبر الأطلسي والاستعمار اللذين طبّعا استغلال الفئات المهمشة تاريخياً.
ونقلت منظمة Conectas الحقوقية البرازيلية هذا التحذير بوصفه مؤشراً على أن الاستغلال في القطاع ليس حالة عرضية، بل جزء من بنية أوسع من العنصرية وعدم المساواة.
اعتراف قانوني متأخر
من الناحية القانونية، حققت العاملات المنزليات في البرازيل مكاسب مهمة خلال العقد الماضي، فـالتعديل الدستوري رقم 72 لعام 2013 وسّع الحقوق الممنوحة لهن، ثم جاءت القانون التكميلي رقم 150 لعام 2015 لتنظيم عقد العمل المنزلي بصورة أشمل، قبل أن تصادق البرازيل على اتفاقية منظمة العمل الدولية رقم 189 بشأن العمل اللائق للعمال المنزليين في 31 يناير 2018.
وتوضح وزارة العمل البرازيلية في دليلها الرسمي أن حقوق هذه الفئة اليوم تشمل، من حيث المبدأ، عقداً مكتوباً، والحد الأدنى للأجر، وساعات عمل، وتأمينات اجتماعية، وإجازات، وتعويضات نهاية الخدمة، وغيرها من الحقوق المنصوص عليها في قانون 2015 واتفاقية العمل الدولية.
غير أن المشكلة الكبرى تكمن في الفجوة بين القانون والتطبيق، فالاتحاد الوطني للعاملات المنزليات FENATRAD قال في مذكرة رفعها إلى مفوضية الأمم المتحدة لحقوق الإنسان في 28 فبراير 2025 إن وجود هذه الحقوق “يتناقض مع الواقع” الذي تواجهه العاملات، خصوصاً بعد الجائحة.
وأشارت المذكرة إلى أن القانون نفسه كرس تمييزاً بين العاملات الشهريات والعاملات اليوميات (diaristas)، إذ لا يُلزم أصحاب العمل بتسجيل اليوميات رسمياً متى كن يعملن حتى يومين أسبوعياً لدى صاحب العمل نفسه، وهو ما يحرمهن من علاقة عمل معترف بها ويُلزمهن بتحمل اشتراكات الضمان بأنفسهن.
وأضافت المذكرة أن 10% فقط من اليوميات يسهم في الضمان الاجتماعي، وأن هذه الفئة تمثل حالياً 44% من العاملات المنزليات، مقابل 22% في 2004 و24% في 2011.
وهذا يتقاطع مع التوصيف الرسمي، ففي 4 يونيو 2025 قالت وزارة العمل إن ثلاثة من كل أربعة روابط عمل في هذا القطاع ما تزال غير رسمية، رغم التقدم التشريعي، وبمعنى آخر.. فإن الاعتراف القانوني لم ينهِ الهشاشة، بل تعايش معها، حيث إن شريحة واسعة من العاملات خرجت من “الاستبعاد القانوني الصريح” إلى “الاعتراف غير المنفذ”، في حين انتقل جزء كبير منهن إلى العمل اليومي الأقل حماية.
من الهشاشة إلى العبودية الحديثة
أخطر ما يكشفه هذا القطاع هو أن الهشاشة لا تقف عند حدود الأجور المنخفضة أو غياب العقد، بل قد تنزلق إلى العمل في ظروف شبيهة بالعبودية، ففي 14 مايو 2024 قالت وزارة العمل إن العمل المنزلي في ظروف مماثلة للعبودية “واقع في البلاد”، وإن عمليات الإنقاذ كشفت “الوجه القاسي لعائلات تستعبد نساءً منذ الطفولة حتى البلوغ للقيام بأعمال منزلية من دون أي حقوق”.
وأضافت منسقة التفتيش اللائق في الوزارة، ديرسيليتي لوريرو، أن الضحايا “يكنّ عادة نساءً سوداوات تُسلب منهن الطفولة والحياة الطبيعية”.
وذكرت الوزارة أن فرق التفتيش نفذت بين 2017 و2023 ما مجموعه 119 عملية إنقاذ في بيئة العمل المنزلي، بينها 31 حالة في 2021، و35 في 2022، و41 في 2023.
وفي أحدث حصيلة رسمية، أعلنت وزارة العمل في 28 يناير 2025 أن التفتيش العمالي نفذ 22 عملية تفتيش محددة في القطاع المنزلي في 2024، أسفرت عن إنقاذ 19 عاملة/عاملاً.
وأوضحت الوزارة أن عدد من جرى إنقاذهم من ظروف شبيهة بالعبودية في كل القطاعات بلغ 2772 في 2025، وأن سياسة المكافحة في البلاد أنقذت منذ 1995 ما مجموعه 65,598 عاملة وعاملاً في 8,483 عملية تفتيش، مع دفع أكثر من 155 مليون ريال مستحقات وتعويضات للضحايا بين 2003 و2024.
وتظهر “القائمة السوداء” الرسمية لأصحاب العمل الذين ثبت إخضاعهم عمالاً لظروف شبيهة بالعبودية مدى اتساع المشكلة داخل البيوت نفسها. ففي التحديث الذي نشرته وزارة العمل في 5 أبريل 2024، أُضيف 248 صاحب عمل إلى السجل، كان بينهم 43 بسبب حالات في العمل المنزلي، لتصبح الخدمة المنزلية القطاع الاقتصادي الأول من حيث عدد الإدراجات في ذلك التحديث.
محدودية البيانات المباشرة
قالت البرازيل في ورقة رسمية رفعتها إلى مفوضية الأمم المتحدة في 2025، إنها أطلقت في 2024 الخطة الوطنية الرابعة لمكافحة الاتجار بالأشخاص، وإن لديها مراكز لمكافحة الاتجار بالأشخاص ومنافذ لمساعدة المهاجرين في 16 ولاية، كما أن خدماتها القنصلية تعاملت مع 206 حالات اتجار بالأشخاص في 2023.
وتقر الورقة نفسها بأن الكشف عن ضحايا الاتجار في القطاع المنزلي يظل صعباً بسبب “الطبيعة الخفية” للعمل داخل المنازل.
أما الاتحاد الوطني للعاملات المنزليات، ففي مذكرته إلى الأمم المتحدة في فبراير 2025، قال إن ضعف إنفاذ الحقوق وارتفاع اللاشكلية “يزيدان مخاطر الاستغلال العمالي، ومنه -في أقصى أشكاله- العبودية الحديثة”.
كما أكد الاتحاد أن القانون البرازيلي يضمن للمهاجرات العاملات في المنازل حقوقاً متساوية وحق التنظيم النقابي، وهو ما “يقلل من مخاطر الاتجار والاستغلال”، لكنه لا يزيلها بالكامل.
وشددت المقررة الخاصة للأمم المتحدة المعنية بالاتجار بالأشخاص، في تقريرها المقدم لمجلس حقوق الإنسان في أبريل 2025، على أن العاملات المنزليات المهاجرات يواجهن مخاطر خاصة للاتجار عندما تفشل الدول في حمايتهن فعلياً.

