منصة راصدة تحليلية لقضايا حقوق الإنسان

أطباء مُبعدون ومرضى مُهملون.. سياسات الهجرة تُقصي كفاءات طبية من 39 دولة

05 أبريل 2026

أطلقت إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب سياسة هجرة صارمة جمدت تمديد التأشيرات وتصاريح العمل والإقامة الدائمة لمواطني 39 دولة، ما أدى إلى إقصاء مئات الأطباء من ممارسة عملهم داخل المستشفيات الأمريكية، وفق ما أوردته صحيفة “نيويورك تايمز”.

وأجبرت هذه السياسات أطباء من دول مختلفة على مغادرة مواقعهم الطبية، بينهم طبيب نيجيري كان يجري عمليات استبدال الركبة والورك في مستشفى تعليمي بنيويورك، وطبيب فنزويلي كان يعالج مرضى مزمنين في ريف تكساس، وطبيب عيون إيراني مُدرب في الولايات المتحدة لم يعد قادراً على إجراء العمليات الجراحية في أركنساس.. وجدت هذه الحالات نفسها خارج النظام الصحي بعد إنهاء أو تعليق تصاريح عملهم، رغم دورهم المباشر في تقديم الرعاية.

وحذرت وزارة الأمن الداخلي، من أن هذه القرارات جاءت في إطار التعامل مع “دول عالية الخطورة”، لكنها لم تنفِ التداعيات التي طالت قطاع الصحة، حيث باتت إجراءات التدقيق الأمني والتجميد الإداري عائقاً أمام استمرار الأطباء في العمل.

وكشف النقص الحاد في الكوادر الطبية في الولايات المتحدة عمق الأزمة، إذ تشير البيانات إلى وجود عجز يقارب 65 ألف طبيب، مع توقعات بتفاقم الفجوة خلال السنوات المقبلة مع تقدم السكان في العمر وتقاعد مزيد من الأطباء.

وتشير تقديرات مؤسسات طبية، منها AAMC، إلى أن الأطباء الدوليين يشكلون نحو ربع القوة العاملة الطبية في الولايات المتحدة، ما يجعل أي قيود على عملهم ذات أثر مباشر في النظام الصحي.

تداعيات إنسانية

أدى هذا التجميد إلى أزمات مباشرة داخل المستشفيات، حيث أُجبر أطباء على التوقف عن علاج مرضاهم، رغم اعتماد النظام الصحي عليهم بشكل أساسي، خاصة في المناطق الريفية التي تعاني أصلاً من نقص الخدمات الطبية.

ووفق “نيويورك تايمز”، فإن مئات المرضى في بعض المناطق تُركوا دون رعاية كافية بعد فقدان طبيب واحد فقط.

ونقلت الصحيفة عن المحامي أندرو ويزنر الذي يمثل مؤسسات طبية توظف أطباء أجانب، إلى أن السياسة شكلت “ضربة قوية دون مراعاة لفئة أساسية من المهاجرين”، مؤكداً أن هؤلاء الأطباء يمثلون ركيزة لا يمكن الاستغناء عنها في النظام الصحي.

كما أكدت رئيسة مجلس أمناء الكلية الأمريكية للأطباء، الدكتورة ريبيكا أندروز، أن الأطباء الدوليين يسدون فجوة حرجة في الرعاية الصحية الأولية، محذرة من أن عرقلة وجودهم “تعرض النظام الصحي للخطر”.

وبينت أن أكثر من 60% من الأطباء الأجانب يعملون في مجالات مثل طب الأسرة والطب الباطني وطب الأطفال، وهي تخصصات تعاني نقصاً في الإقبال من الأطباء الأمريكيين.

كما سردت الصحيفة الأمريكية أيضاً حالات إنسانية، منها أن طبيب أسرة فنزويلياً حائزاً لقب أفضل طبيب مقيم وجد نفسه عاجزاً عن العمل منذ أشهر، قائلاً إن المرضى هم من يدفعون الثمن الحقيقي لهذه السياسات، في حين تظل الإجراءات عالقة دون حل.

تهديد الحق في الصحة

وتشير بيانات FSMB Physician Census إلى أن نحو 23–25% من الأطباء المرخّصين في الولايات المتحدة هم أطباء دوليون، ما يجعل اعتماد النظام الصحي عليهم كبيراً في مواجهة نقص الكوادر الطبية، كما تُظهر بيانات برامج التدريب الطبي أن عدد مواقع الإقامة يفوق عدد خريجي كليات الطب الأمريكيين، ما يجعل الأطباء الأجانب عنصراً أساسياً في سدّ الفجوة.

كما نقلت الصحيفة عن نائب رئيس شبكة صحية في جنوب غرب فلوريدا، ديفيد كويستر، أن نصف الأطباء العاملين في بعض المراكز هم من مواليد الخارج، مشيراً إلى أن منعهم من العمل سيؤدي إلى ضغط كبير على أقسام الطوارئ واكتظاظ المستشفيات، وأضاف أن ذلك يهدد بشكل مباشر حق المرضى في الوصول إلى خدمات صحية أساسية.

وقالت جمعية المستشفيات الأمريكية إن الرسوم والتشديدات المرتبطة بالتأشيرات تجعل من الصعب الحفاظ على الكوادر الطبية الأجنبية، وهو ما ينعكس سلباً على جودة الرعاية الصحية، خصوصاً في المناطق النائية التي تعتمد بشكل شبه كامل على هؤلاء الأطباء.

المناطق الريفية الأكثر تأثراً

تأثرت المناطق الريفية بشكل خاص بهذه السياسات، إذ تعتمد بشكل كبير على الأطباء الحاصلين على تأشيرات عمل مثل H-1B. ووفق تقارير نشرتها صحيفة “واشنطن بوست”، فإن فرض رسوم تصل إلى 100 ألف دولار على تأشيرات العمالة الماهرة أدى إلى إعاقة خطط مستشفيات كانت تستعد لاستقدام أطباء متخصصين، مثل أطباء الكلى في ولاية كارولاينا الشمالية.

واجهت عيادات ريفية صعوبات في الاحتفاظ بالأطباء أو توظيف بدائل، ما أدى إلى إلغاء عقود وتأجيل عمليات علاجية. وأوضح خوسيه مينا، طبيب من الإكوادور، أن الضغوط المرتبطة بالسياسات والهجرة تهدد استقراره المهني والأسري، قائلاً إن غياب أحد الأطباء قد يدفعه هو أيضاً إلى المغادرة.

أكدت تقارير أن العديد من المستشفيات الريفية في ولايات مثل داكوتا الشمالية تعتمد بشكل أساسي على أطباء مهاجرين، في ظل عدم إقبال الأطباء المحليين على العمل في هذه المناطق، بسبب الظروف القاسية والرواتب المحدودة.

بين الأمن والحق في الرعاية

من جانبها طرحت مجلة “الإيكونوميست” قراءة أوسع للسياسات المرتبطة بالهجرة، مشيرة إلى أن التركيز المفرط على القيود الأمنية قد يؤثر في كفاءة المؤسسات، ومنها القطاع الصحي.

وربطت بين إعادة توزيع الموارد الأمنية وتراجع التركيز على التهديدات الحقيقية، مقابل تشديد الإجراءات على المهاجرين.

وأشارت المجلة إلى أن تحويل الموارد نحو إنفاذ قوانين الهجرة على حساب مجالات أخرى، مثل مكافحة الإرهاب، يعكس أولويات سياسية قد تؤثر في الأداء العام للدولة، ومنها قدرتها على الحفاظ على الخدمات الأساسية.

ورغم ذلك، تؤكد الإدارة الأمريكية أن هذه الإجراءات تهدف إلى تعزيز التدقيق الأمني وضبط الدخول، إلا أن الواقع الميداني يشير إلى نتائج مباشرة على المرضى الذين فقدوا أطبائهم، وعلى مستشفيات تواجه ضغطاً متزايداً.

وتجسد هذه السياسات أزمة عميقة في التوازن بين الهجرة والأمن من جهة، والحق في الصحة من جهة أخرى، وبينما تستمر الإجراءات في تقييد حركة الأطباء من 39 دولة، يجد المرضى أنفسهم في مواجهة نقص متزايد في الرعاية، ما يطرح تساؤلات جوهرية حول مدى احترام الحق في الوصول إلى خدمات صحية كافية.

ويظهر المشهد أن الأطباء ليسوا مجرد مهاجرين، بل جزء أساسي من منظومة صحية عالمية، وأن إقصاءهم لا يقتصر على آثار مهنية، بل يمتد إلى تهديد حياة المرضى، خاصة في المجتمعات الأكثر هشاشة واعتماداً على الرعاية الأساسية.