منصة راصدة تحليلية لقضايا حقوق الإنسان

مضيق هرمز.. كيف تحولت اضطرابات إمدادات الطاقة إلى أزمة غذائية وحقوقية؟

05 أبريل 2026
توترات مضيق هرمز تمس الغذاء والدواء والخدمات الأساسية
توترات مضيق هرمز تمس الغذاء والدواء والخدمات الأساسية

لا تبدأ أزمة مضيق هرمز عند ناقلات النفط، بل عند هشاشة الاقتصادات المرتبطة به، فمع كل اضطراب يصيب هذا الممر البحري الحيوي، لا تقتصر التداعيات على ارتفاع أسعار الطاقة، بل تمتد إلى اتساع الفجوة بين الدول القادرة على امتصاص الصدمة وتلك التي تتحول فيها الإمدادات إلى مسألة معيشية يومية تمس الغذاء والدواء والخدمات الأساسية، بما يضع هذه التداعيات في صميم الالتزامات الدولية المتعلقة بحقوق الإنسان، وعلى رأسها الحق في مستوى معيشي لائق كما نصت عليه العهد الدولي الخاص بالحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية.

ويُعد مضيق هرمز أحد أهم شرايين تجارة الطاقة في العالم، إذ يمر عبره جزء كبير من صادرات النفط والغاز، ما يجعل أي توتر أو تعطّل في الملاحة سبباً مباشراً في رفع أسعار النفط وزيادة كلفة التأمين والشحن. غير أن تأثير هذه الاضطرابات لا يقف عند حدود أسواق الطاقة، بل يمتد إلى سلاسل الإمداد الأوسع، بما يشمل النقل والسلع الغذائية والخدمات الحيوية، وهو ما ينعكس مباشرة على قدرة الدول على الوفاء بالتزاماتها القانونية بضمان الحق في الغذاء والصحة، وفق ما أكدت عليه لجنة الحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية في تفسيراتها العامة.

وتشير تقديرات مؤتمر الأمم المتحدة للتجارة والتنمية إلى أن أي تعطّل ممتد في حركة الإمدادات عبر المضيق يفرض ضغوطاً فورية على الدول الأكثر اعتماداً على الاستيراد، إذ ترتفع كلفة النقل والواردات، وتنتقل هذه الزيادة تدريجياً إلى أسعار السلع الأساسية، من الوقود إلى الغذاء.

وفي هذا السياق، يصبح ارتفاع الأسعار ليس مجرد مؤشر اقتصادي، بل تهديد مباشر للحق في الغذاء الكافي، كما ورد في الإعلان العالمي لحقوق الإنسان، الذي يربط بين الأمن الغذائي والكرامة الإنسانية.

ولا تتوزع التداعيات بصورة متساوية بين الدول، بل تكشف عن تفاوت واضح في بنية الاقتصادات وقدرتها على مواجهة الصدمات، بين دول تملك هوامش مالية وشبكات أمان تمكنها من الاحتواء، وأخرى تنعكس فيها أي هزة في الإمدادات سريعاً على الحياة اليومية للمواطنين. هذا التفاوت يطرح إشكالية “العدالة الاقتصادية العالمية” ومسؤولية الدول في التعاون الدولي، كما نصت عليه المادة (2) من العهد الدولي الخاص بالحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية.

اقتصادات تمتص الصدمة

في الأردن، تظهر المؤشرات قدرة نسبية على احتواء الأزمة في المدى القصير، مدعومة بمخزونات استراتيجية واحتياطيات نقدية مرتفعة. وتشير البيانات الرسمية إلى احتياطي أجنبي يبلغ نحو 28.5 مليار دولار، إلى جانب معدلات تضخم منخفضة نسبياً.

لكن هذه القدرة تبقى مرتبطة بزمن الأزمة، إذ إن استمرار ارتفاع كلفة الطاقة والشحن قد ينعكس تدريجياً على الأسعار، في ظل اعتماد الاقتصاد على الاستيراد لتلبية جزء كبير من احتياجاته، وهو ما قد يضع الدولة أمام اختبار حقيقي لمدى قدرتها على الوفاء بالتزاماتها في ضمان الحماية الاجتماعية وعدم تدهور مستوى المعيشة.

وفي المقابل، تبدو الصورة أكثر هشاشة في لبنان، حيث ينعكس أي اضطراب في الإمدادات مباشرة على أسعار المحروقات والسلع الأساسية، ما يضغط على القدرة الشرائية ويزيد من صعوبة تأمين الاحتياجات اليومية، في سياق يرتبط بتراجع قدرة الدولة على ضمان الحقوق الأساسية، ومنها الحق في الغذاء والصحة والحماية الاجتماعية.

حين تصل الأزمة للمستشفيات

لا تقف التأثيرات عند المؤشرات الاقتصادية. ففي مدينة صيدا جنوب لبنان، تظهر تداعيات اضطراب الإمدادات في القطاع الصحي، حيث يتزايد الطلب على الأدوية والمستلزمات الطبية مقابل تراجع الكميات المتاحة وارتفاع الأسعار.

وتكشف هذه الحالة كيف يمكن لخلل في سلاسل الإمداد العالمية أن يتحول سريعاً إلى ضغط مباشر على الخدمات الصحية، بما يمس قدرة الأفراد على الوصول إلى العلاج، وهو ما يشكل انتهاكاً محتملاً للحق في الصحة المنصوص عليه في المادة (12) من العهد الدولي الخاص بالحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية.

وفي العراق، يأخذ التأثير مساراً مختلفاً، إذ يرتبط الاقتصاد بشكل وثيق بإيرادات النفط، وتشير المعطيات إلى أن هذه الإيرادات تموّل رواتب أكثر من 10.5 مليون مواطن، إلى جانب نفقات استيراد ضخمة والتزامات دين مرتفعة.

وفي هذا السياق، لا يعني ارتفاع أسعار النفط بالضرورة تحسناً فورياً، بل قد يترافق مع اضطرابات في الصادرات أو ضغوط مالية تدفع نحو الاقتراض وتقليص الإنفاق، وهو ما قد يؤثر على الإنفاق الاجتماعي والخدمات العامة، ويهدد بشكل غير مباشر الحقوق الاقتصادية والاجتماعية للمواطنين.

اقتصادات تعاني بشدة

في سوريا، تتجلى الهشاشة بشكل أوضح، حيث يهدد ارتفاع أسعار الطاقة واضطراب الإمدادات بزيادة كلفة الإنتاج والنقل، واحتمال نقص المشتقات النفطية، إلى جانب ضغوط إضافية على سعر الصرف.
وتتسع التأثيرات لتشمل قطاعات الصناعة والزراعة والكهرباء، ما يعزز التضخم ويضعف القدرة الشرائية، في اقتصاد يعاني أصلاً من محدودية القدرة على امتصاص الصدمات، وهو ما يفاقم من مخاطر انتهاك الحقوق الأساسية، خصوصاً في ظل الأزمات الممتدة.

وفي فلسطين، يظهر الأثر عبر تراجع إمدادات الوقود وارتفاع أسعاره، ما يضغط على قطاعات حيوية مثل الزراعة والمخابز، ويهدد توفر سلع أساسية، في ظل بيئة اقتصادية شديدة الحساسية للتغيرات الخارجية، الأمر الذي يضع مسألة الأمن الغذائي في قلب الإشكال الحقوقي، خاصة في ظل القيود الهيكلية المفروضة على الاقتصاد.

تأثر الغذاء العالمي

تشير تقارير مؤتمر الأمم المتحدة للتجارة والتنمية وبرنامج الأغذية العالمي إلى أن أي اضطراب في المضيق ينعكس سريعاً على أسعار الغذاء عبر ثلاث قنوات رئيسة: ارتفاع تكاليف الشحن، وزيادة أسعار الوقود (مدخل أساسي للإنتاج الزراعي)، وتعطّل سلاسل الإمداد.
ووفق برنامج الأغذية العالمي، فإن أكثر من 345 مليون شخص حول العالم يعانون من انعدام الأمن الغذائي الحاد (2024–2025)، ما يجعل أي صدمة في أسعار الطاقة عاملاً مضاعفاً للجوع، في انتهاك واضح للحق في الغذاء الكافي.

كما تؤكد منظمة الأغذية والزراعة للأمم المتحدة أن تكاليف النقل والطاقة تمثل عاملاً رئيسياً في تضخم أسعار الغذاء عالمياً، وبالتالي فإن الدول المستوردة للغذاء، خاصة في الشرق الأوسط وإفريقيا، هي الأكثر تضرراً، وهو ما يوسع فجوة عدم المساواة العالمية في التمتع بالحقوق الأساسية.

وتعتمد العمليات الإنسانية بشكل كبير على الوقود والنقل البحري وسلاسل التوريد العالمية، ووفق مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية فإن أكثر من 360 مليون شخص بحاجة إلى مساعدات إنسانية عالمياً.
وتوضح اللجنة الدولية للصليب الأحمر أن ارتفاع أسعار الوقود يؤدي إلى تقليص نطاق العمليات الإنسانية، وزيادة تكاليف النقل تعني تقليل عدد المستفيدين وتأخير إيصال الإمدادات، ما يفاقم من الأزمات الإنسانية ويهدد مبدأ “عدم التمييز” في تقديم المساعدات.

اضطرابات الإمداد أزمة حقوقية

ترى منظمات حقوقية أن اضطرابات الطاقة وسلاسل الإمداد تتحول سريعاً إلى أزمة حقوق، إذ تؤكد مفوضية الأمم المتحدة لحقوق الإنسان أن ارتفاع أسعار الغذاء والطاقة يهدد بشكل مباشر الحق في الغذاء والحق في الصحة والحق في مستوى معيشي لائق.
وتشير منظمة العفو الدولية إلى أن الأزمات الاقتصادية الناتجة عن ارتفاع الأسعار تؤدي إلى زيادة الفقر، وتراجع الخدمات الأساسية، وتصاعد الاحتجاجات وما قد يصاحبها من قيود على الحقوق المدنية والسياسية.

ومن جانبه، يؤكد البنك الدولي أن كل ارتفاع كبير في أسعار الغذاء قد يدفع ملايين الأشخاص إلى الفقر المدقع، ما يعني أن الأزمة لم تعد اقتصادية فحسب، بل أصبحت تهديداً شاملاً لمنظومة حقوق الإنسان.

في هذا الإطار، لا يمكن النظر إلى أزمة مضيق هرمز باعتبارها أزمة نفط فقط، بل هي أزمة مركبة تمتد إلى الغذاء والمساعدات الإنسانية والحقوق الأساسية، حيث تتحول اضطرابات الإمداد، مع طول أمدها، إلى اختبار حقيقي لمدى التزام الدول والمجتمع الدولي بمنظومة الحقوق الاقتصادية والاجتماعية، وكلما طال أمد التوتر، تحولت الصدمة الاقتصادية إلى أزمة إنسانية وحقوقية شاملة تمس جوهر الكرامة الإنسانية.