منصة راصدة تحليلية لقضايا حقوق الإنسان

منصة راصدة تحليلية لقضايا
حقوق الإنسان

تصاعد جرائم قتل النساء يثير الجدل في تركيا ودعوات لمحاسبة الجناة

31 مارس 2026
قلق في تركيا إثر ارتفاع جرائم قتل النساء
قلق في تركيا إثر ارتفاع جرائم قتل النساء

أعادت سلسلة حوادث شهدتها تركيا خلال الأيام الأخيرة ملف العنف ضد النساء إلى واجهة النقاش السياسي والحقوقي، بعدما هزّت جريمة قتل جماعي في ولاية مانيسا، ووفاة امرأة في ظروف غامضة في ماردين، الرأي العام، ودَفعت حزب المساواة وديمقراطية الشعوب (DEM) إلى تجديد الضغط داخل البرلمان للمطالبة بإجابات حكومية بشأن تزايد جرائم قتل النساء والوفيات المشبوهة.

وأفادت وكالة “Mezopotamya” التركية، اليوم الثلاثاء، بأن عمر جوشكون أطلق النار في قضاء تورغوتلو بولاية مانيسا على زوجته التي كانت في طور الانفصال عنه، شادية نور جوشكون، ووالدتها ووالدها وشقيقها القاصر، قبل أن يتم توقيفه وفتح تحقيق في الجريمة.

وفي ماردين، عُثر على إليف تشيليك، وهي ممرضة سابقة تبلغ 27 عاماً، متوفاة داخل منزلها في قضاء أرتوكلو، بينما تحدثت تقارير أولية عن فتح تحقيق في ملابسات الوفاة بعد انقطاع الاتصال بها.

وعلى خلفية هذه التطورات، صعّد حزب DEM تحركه البرلماني، إذ وجّهت النائبة عن فان غولدرن وارلي أسئلة مكتوبة إلى وزارات الداخلية والعدل والأسرة والخدمات الاجتماعية بشأن جرائم قتل النساء والوفيات المشبوهة المسجلة خلال 2025 و2026، وهو ما يظهر في جدول الأعمال الرسمي للبرلمان التركي.

آليات الحماية القانونية

كما قالت وارلي، وفق وسائل إعلام تركية، إن تنامي هذه الجرائم يكشف قصوراً في تفعيل آليات الحماية القانونية والوقائية، خصوصاً في المناطق التي تشهد تكراراً للحوادث.

ويأتي هذا التحرك في ظل أرقام مثيرة للقلق، فـ”منصة سنوقف قتل النساء” قالت في تقريرها السنوي إن عام 2024 شهد مقتل 394 امرأة ووفاة 258 امرأة في ظروف وصفتها بـ”المشبوهة”، وهي أعلى حصيلة ترصدها المنصة منذ بدأت التوثيق عام 2010.

كما أظهرت بيانات “بيانت” أن الرجال قتلوا 22 امرأة في فبراير 2026 وحده، في مؤشر إلى أن الظاهرة لم تنحسر مع بداية العام الجاري.

لكن الصورة الإحصائية في تركيا ما تزال محل جدل بسبب غياب قاعدة بيانات عامة موحدة وشاملة، وتؤكد مراجعات دولية حديثة أن تقدير حجم العنف القائم على النوع الاجتماعي يبقى صعباً بسبب نقص الإبلاغ وعدم وجود نظام وطني متكامل وشفاف لجمع البيانات.

وتشير وثيقة بريطانية رسمية استندت إلى مصادر تركية ودولية إلى أن آخر مسح وطني واسع النطاق أظهر أن 38% من النساء في تركيا تعرضن في مرحلة ما من حياتهن لعنف جسدي و/أو جنسي.

ارتفاع الوفيات المشبوهة

وتزداد حساسية الملف لأن الجدل لم يعد محصوراً في الجرائم المصنفة بوضوح كجرائم قتل نساء، بل امتد أيضاً إلى الوفيات التي تُسجل على أنها “انتحار” أو “سقوط” أو “وفاة غامضة”.

وقد حذّرت منظمات حقوقية من اتساع هذه المنطقة الرمادية، معتبرة أن كثيراً من الوفيات المشبوهة لا تُفحص دائماً من زاوية العنف القائم على النوع الاجتماعي بالقدر الكافي، وهو ما ينعكس على مسار العدالة والمحاسبة.

وفي هذا السياق، يركز حزب DEM في أسئلته البرلمانية على مدى التزام المؤسسات بتطبيق التشريعات النافذة، وفي مقدمتها القانون رقم 6284 الخاص بحماية الأسرة ومنع العنف ضد المرأة، الذي ينص على تدابير وقائية وحمائية للنساء والأطفال وأفراد الأسرة المعرضين للعنف أو لخطره.

وتطالب وارلي بتوضيحات بشأن مراقبة تنفيذ قرارات الحماية، والحد من تخفيف العقوبات في قضايا قتل النساء، وتعزيز الردع في مرحلتي التحقيق والملاحقة القضائية، فضلاً عن تنسيق أفضل بين الإدارة المركزية والسلطات المحلية.

مواقف أممية وحقوقية

التحذيرات البرلمانية تتقاطع أيضاً مع مواقف أممية وحقوقية سابقة، فقد قالت المقررة الخاصة للأمم المتحدة المعنية بالعنف ضد النساء والفتيات، عام 2022، إن تركيا أجرت إصلاحات قانونية وسياساتية مهمة، لكنها “لا ترقى” إلى حجم المسؤولية المطلوبة لحماية النساء والفتيات، ولا تتناسب مع خطورة الوضع على الأرض.

كما شددت هيومن رايتس ووتش على أن إخفاق الدولة في توفير حماية فعالة من العنف المنزلي، ومحاسبة المعتدين بصورة رادعة، يترك النساء عرضة لهجمات متكررة حتى في الحالات التي تكون فيها الوقائع معروفة للسلطات مسبقاً.

ويعطي ذلك بُعداً أوسع للحوادث الأخيرة في مانيسا وماردين، إذ لا تبدو، بالنسبة إلى خصوم الحكومة والجماعات النسوية، مجرد وقائع جنائية منفصلة، بل جزءاً من مناخ أوسع يرون أنه يسمح باستمرار العنف ضد النساء، سواء بسبب ضعف الحماية، أو بطء الإجراءات، أو ما يصفونه بتطبيع الخطاب الذي يهمش النساء ويبرر العنف بصورة مباشرة أو غير مباشرة.

وبينما تتواصل التحقيقات في الحوادث الأخيرة، يبدو أن ملف قتل النساء والوفيات المشبوهة مرشح لمزيد من الحضور داخل البرلمان التركي وفي السجال العام، خصوصاً مع تصاعد الضغوط من الأحزاب المعارضة والمنظمات النسوية من أجل الانتقال من التعزية والإدانة إلى مراجعة فعالة لسياسات الوقاية والحماية والمحاسبة.