في ليبيا، لا تقف معاناة المهاجرين عند حدود العمل الهش أو السكن غير الآمن أو الخوف من الاحتجاز والترحيل، بل تمتد إلى أحد أكثر الحقوق أساسية لأطفالهم، وهو الحق في التعليم، فبالنسبة إلى أسر مهاجرة كثيرة، لم يعد السؤال هو أي مدرسة أفضل لأبنائها، بل هل يمكن أصلاً إدخالهم إلى أي مدرسة، وهل تملك الأسرة ثمن الرسوم والكتب والوثائق المطلوبة.
وفي بلد ما زال يواجه هشاشة سياسية وأمنية، وتفاوتاً حاداً في الخدمات، وتعقيدات قانونية وإدارية تخص غير الليبيين، يتحول التعليم بالنسبة لأطفال المهاجرين إلى حق مؤجل، أو إلى فرصة استثنائية، لا إلى خدمة مضمونة.
وفي هذا السياق، كشف تقرير لليونيسف عن عام 2024، قُدِّر عدد المهاجرين في ليبيا بنحو 725,304 مهاجرين، بينهم 11% أطفال و4% قاصرون غير مصحوبين، مع الإشارة إلى أن الاحتجاز التعسفي للمهاجرين يظل مصدر قلق رئيساً، وأن متوسط عدد المحتجزين في مراكز الاحتجاز يبلغ نحو 5,000 شخص، 30% منهم أطفال.
كما أظهرت بيانات حديثة للمنظمة الدولية للهجرة أن العدد ارتفع لاحقاً إلى مستويات قياسية، إذ أشارت تقارير 2025 إلى أن ليبيا تستضيف نحو 850 ألف مهاجر، بينهم قرابة 100 ألف طفل.
حجم الأزمة التعليمية
ورصدت المنظمة الدولية للهجرة تراجعاً مستمراً في قدرة الأسر المهاجرة على إلحاق أطفالها بالمدارس، ففي تقرير الجولة 60 للمنظمة، أفاد ثلثا المهاجرين تقريباً ممن لديهم أطفال في سن الدراسة بأن أبناءهم لا يحصلون على التعليم في ليبيا، في حين حددت المقابلات نقص الوثائق بوصفه العائق الأكثر شيوعاً، تليه القيود المالية، ثم المعوقات اللغوية.
وتؤكد الجولات السابقة أن المشكلة ليست طارئة أو موسمية، بل متكررة ومزمنة، فقد سجلت تقارير المنظمة الدولية للهجرة خلال 2025 أن 53% من الأسر المهاجرة المشمولة بالمسح قالت إن أطفالها لا يستطيعون الوصول إلى التعليم في ليبيا في إحدى الجولات، في حين سجلت جولة أخرى أن النسبة بلغت 52%، وبلغت في تقرير أحدث خلال أكتوبر 2025 قرابة الثلثين مرة أخرى.
وتكشف هذه التذبذبات أن حرمان الأطفال من الدراسة ليس حالة هامشية، بل أزمة واسعة النطاق تتكرر عبر مناطق وفترات مختلفة.
ولا تتعلق الأزمة فقط بعدد الأطفال المحرومين، بل أيضاً بطبيعة المعوقات نفسها، ففي تقارير سابقة ومتواترة للمنظمة الدولية للهجرة، جاءت المعوقات المالية وغياب الوثائق في صدارة الأسباب.
إحدى الجولات أشارت إلى أن 90% من الأسر التي واجهت صعوبات تعليمية أرجعتها إلى نقص الوثائق، و87% إلى المشكلات المالية، في حين ذكرت جولات أخرى أن الكلفة كانت السبب الرئيس لدى 87% من المستجيبين، يليها نقص المستندات، ثم الحواجز اللغوية.
المدرسة الخاصة حل اضطراري
في ظل صعوبة الالتحاق المنتظم بالمدارس العامة أو تعقد الإجراءات المرتبطة بالتسجيل، يجد كثير من الأسر المهاجرة نفسها أمام خيار المدارس الخاصة أو البرامج غير النظامية، وهي بدائل لا تستطيع تحملها غالباً. صحيح أن التعليم في ليبيا مجاني قانوناً على مختلف المراحل، وأن التعليم الأساسي إلزامي بموجب القوانين الوطنية، لكن هذا الإطار التشريعي لا ينعكس دائماً على واقع الأطفال غير الليبيين، خصوصاً عندما تتداخل مسألة الجنسية مع الوثائق والإقامة والاعتراف بالشهادات السابقة والقدرة على متابعة المنهج باللغة العربية.
وتشير اليونيسف إلى هذه الفجوة بين النص والتطبيق، إذ تؤكد أن أطفال المهاجرين واللاجئين لهم حق الالتحاق بالمدرسة، وفق سياسة وزارة التعليم، لكن الحق يبقى غير متحقق في الممارسة بالنسبة لكثير منهم. وهذه الإشارة مهمة، لأنها تنقل المشكلة من مجرد “فقر أسر” إلى سؤال أوسع يتعلق بقدرة النظام التعليمي على إدماج غير الليبيين عملياً، وتوحيد إجراءات التسجيل، وضمان عدم تحول الوثائق أو الوضع القانوني إلى بوابة إقصاء.
الفقر يعوق التعليم
خلف الأرقام التعليمية توجد أزمة معيشية أعمق، فالتقارير الحقوقية والأممية عن أوضاع المهاجرين في ليبيا تصف بيئة يعيش فيها كثير من الأسر تحت ضغط العمل غير المنتظم، والخوف من التوقيف، والحرمان من الخدمات الأساسية.
وفي تقرير مشترك لبعثة الأمم المتحدة في ليبيا ومفوضية حقوق الإنسان صدر في فبراير 2026، أكدت الأمم المتحدة أن المهاجرين واللاجئين وطالبي اللجوء في ليبيا يواجهون انتهاكات واسعة ومنهجية، وأن غياب الوضع القانوني والوثائق المدنية يؤدي إلى استبعادهم من سوق العمل الرسمي ومن الخدمات الأساسية مثل التعليم والرعاية الصحية والخدمات المالية والوصول إلى العدالة.
هذا التوصيف الحقوقي يساعد على فهم لماذا يصبح التعليم “آخر ما تستطيع الأسرة تغطيته”، فحين تكون الأسرة مهددة أصلاً بفقدان المسكن أو العمل أو التعرض للاستغلال، تصبح الرسوم الدراسية والمواصلات والكتب والزي المدرسي كلفة تفوق طاقتها، حتى لو كانت المدرسة نفسها غير باهظة بالمقاييس العادية.
وهنا لا يعود التسرب من التعليم نتيجة قرار تربوي، بل نتيجة اقتصاد هش وبيئة قانونية طاردة.
الوثائق.. العائق الأكثر حضوراً
إلى جانب الفقر، تظهر الوثائق بوصفها أحد أكثر المعوقات صلابة أمام تعليم أطفال المهاجرين، فالتقارير الأممية تسجل بصورة متكررة أن نقص المستندات أو عدم اكتمالها يأتي في مقدمة أسباب عدم الالتحاق بالمدارس.
ويشمل ذلك شهادات الميلاد، أو وثائق الهوية، أو أوراق الإقامة، أو المستندات المدرسية السابقة، أو صعوبة إثبات المستوى الدراسي للطفل القادم من بلد آخر أو من رحلة نزوح وانقطاع طويلة.
وتزداد المشكلة تعقيداً عندما يكون الطفل قد انقطع عن الدراسة لفترات طويلة، أو لا يتقن العربية، أو لا تملك الأسرة أوراقاً نظامية بسبب طبيعة الهجرة نفسها.
ولهذا تؤكد برامج “التعليم غير النظامي” و”التعليم التعويضي” في ليبيا، المدعومة من اليونيسف وشركائها، أن كثيراً من الأطفال غير الليبيين لا يستطيعون الانتقال مباشرة إلى النظام المدرسي الرسمي بسبب القيود المالية أو غياب الوثائق أو عدم إتقان اللغة العربية.
منظومة أوسع من الانتهاك
المنظمات الحقوقية لا ترى مسألة تعليم أطفال المهاجرين في ليبيا باعتبارها أزمة خدمية منفصلة، بل جزء من نمط أوسع من التهميش والتمييز، فمفوضية الأمم المتحدة لحقوق الإنسان تقول إن إنكار حقوق المهاجرين كثيراً ما يرتبط بقوانين أو ممارسات تمييزية وبمواقف مسبقة وكراهية للأجانب، ويشمل ذلك الحرمان من حقوق اقتصادية واجتماعية وثقافية مثل التعليم.
وفي الحالة الليبية تحديداً، يذهب تقرير بعثة الأمم المتحدة ومفوضية حقوق الإنسان أبعد من ذلك، حين يعتبر أن المهاجرين يُعاملون كثيراً باعتبارهم “غير قانونيين” وغير مستحقين للحماية، وهو تصور يغذيه التمييز والعنصرية وكراهية الأجانب، ويؤدي عملياً إلى حرمانهم من الخدمات الأساسية.
وهذا يعني أن عدم قدرة الأسرة على إدخال طفلها المدرسة لا يُقرأ فقط بوصفه مسألة دخل، بل بوصفه أيضاً نتاجاً لسياسات ردع وتضييق وانعدام الحماية القانونية الفعالة.
ورغم صعوبة المشهد، هناك محاولات لتخفيف الفجوة التعليمية، حيث تشير بيانات اليونيسف الخاصة بليبيا إلى أن 45,118 طفلاً وشاباً من الفئات الهشة، ومنهم أطفال غير ليبيين وخارج المدرسة، حصلوا على تعليم غير نظامي ومهارات ضمن البرامج المدعومة.
كما تفيد اليونيسف بأن 29,820 فتاة وفتى، بينهم أطفال غير ليبيين، تم الوصول إليهم عبر برامج التعليم غير النظامي.
وفي تقرير 2023 السنوي لليونيسف في ليبيا، أشارت المنظمة إلى توفير حماية وتعليم ومهارات حياتية لـ54 ألف طفل ليبي وغير ليبي عبر 12 مساحة “بيتي”.
الوصول إلى التعليم الرسمي
وأوضحت بيانات مفوضية اللاجئين لعام 2024 أن هناك تقدماً تحقق عبر شراكة مع اليونيسف لتوسيع الوصول إلى التعليم الرسمي للأطفال اللاجئين، ما يشير إلى وجود نافذة للتعاون مع السلطات الليبية من أجل إدماج الأطفال في النظام العام لا الاكتفاء بالحلول الموازية.
لكن الأرقام ذاتها تكشف أن البرامج الإنسانية، مهما اتسعت، ما زالت تعمل في إطار “التعويض” و”الاستدراك” أكثر من كونها حلاً هيكلياً يضمن أن يكون التعليم متاحاً ومنتظماً ومجانياً فعلاً لكل طفل على الأرض الليبية.
المعضلة الأساسية أن هناك، على الورق، اعترافاً أوسع من الواقع، فليبيا تعلن مجانية التعليم، واليونيسف تشير إلى وجود سياسة تسمح بتسجيل الأطفال غير الليبيين، لكن الواقع الميداني، بحسب بيانات المنظمة الدولية للهجرة واليونيسف والمفوضية السامية، يقول إن آلاف الأطفال يظلون خارج المدرسة لأسباب مالية وإدارية ولغوية وحمائية.
وهذا يشي بأن المشكلة ليست في غياب النصوص فقط، بل في آليات التنفيذ.. من يقبل الطفل؟ ما الوثائق المطلوبة؟ هل توجد مرونة للحالات غير المكتملة؟ هل يوجد دعم للنقل والكتب؟ هل يُعترف بالدراسة السابقة؟ وهل توجد فصول دعم لغوي؟
وبمعنى آخر، فإن جزءاً كبيراً من الأزمة يرتبط بغياب سياسة إدماج تعليمية واضحة ومعلنة وموحدة للأطفال المهاجرين واللاجئين، ومنهم الأطفال غير الموثقين أو المنقطعون عن التعليم أو القادمون من مناهج مختلفة.
جيل مهدد بالحرمان من التعليم
تعليم أطفال المهاجرين في ليبيا لم يعد ملفاً جانبياً أو إنسانياً ضيقاً، بل صار مؤشراً على مدى قدرة الدولة والشركاء الدوليين على منع تحول الهشاشة المؤقتة إلى إقصاء دائم.
فحين تقول البيانات الأممية إن أكثر من نصف الأسر المهاجرة، وأحياناً قرابة الثلثين، لا يستطيعون إلحاق أطفالهم بالتعليم، وحين تتكرر الأسباب نفسها من الفقر إلى نقص الوثائق إلى الحواجز اللغوية، فإن المسألة تتجاوز “عسر الالتحاق” إلى خطر إنتاج جيل جديد من الأطفال المحرومين من المهارات والاندماج والحماية.

