منصة راصدة تحليلية لقضايا حقوق الإنسان

حاكم كاليفورنيا يهرب من الفشل ويُلقي بأزمة التشرد على كاهل الحكومات المحلية

31 مارس 2026
حاكم كاليفورنيا غافين نيوسوم
حاكم كاليفورنيا غافين نيوسوم

ميشيل ستيب

وقف حاكم كاليفورنيا، غافين نيوسوم، أمام الكاميرات في مطلع مارس، ليعيد الأسطوانة ذاتها بتحميل الحكومات المحلية مسؤولية أزمة التشرد المتفاقمة في الولاية.

بلهجة حادة، قال: “لا مزيد من الأعذار”، ملوّحاً بقطع التمويل عن المقاطعات التي يعدّها “مقصّرة”، متعهداً بإعادة توجيه “كل سنت” إلى الجهات التي “تحقق نتائج”.

لكن الحقيقة التي يحاول نيوسوم القفز فوقها واضحة وهي أنه لا يعالج الأزمة، بل يعيد توزيع اللوم.

فمنذ عام 2017، ارتفعت معدلات التشرد في كاليفورنيا بأكثر من 40%، من نحو 134 ألف شخص إلى قرابة 187 ألفاً بحلول 2024، رغم إنفاق يُقدَّر بنحو 30 مليار دولار أُقرت في عهده. وهي أرقام تُفرغ وعوده – ومن بينها تعهده في 2021 بإنهاء تشرد العائلات خلال خمس سنوات – من مضمونها.

المشكلة، كما يروج نيوسوم، ليست نقصاً في التمويل، ولا تقصيراً من الحكومات المحلية، المشكلة الحقيقية تكمن في نهج واحد فُرض على الجميع: سياسة “الإسكان أولاً”.

هذه السياسة، التي تقوم على توفير سكن دائم دون اشتراط علاج أو تعافٍ من الإدمان أو حتى العمل، تبدو بسيطة في ظاهرها: أعطِ الشخص مسكناً، وسيأتي الاستقرار تلقائياً.

لكن الواقع نسف هذه الفرضية، فبعد اعتماد هذه السياسة على مستوى الولاية عام 2016، لم تنخفض معدلات التشرد، بل ارتفعت، والأمر ذاته حدث على المستوى الفيدرالي بعد تبنيها عام 2013، رغم تعهد إدارة الرئيس باراك أوباما بإنهاء التشرد خلال عقد.

بدلاً من الحل، تحولت “الإسكان أولاً” إلى واحدة من أكثر الإخفاقات كلفة في تاريخ السياسات الاجتماعية الحديثة.

ورغم ذلك، يظل نيوسوم من أبرز المدافعين عنها، ففي عام 2025، استخدم حق النقض ضد مشروع قانون كان سيسمح بتخصيص 10% فقط من تمويل التشرد لدعم برامج الإسكان المرتبطة بالتعافي من الإدمان، في إشارة واضحة إلى تمسكه الصارم بهذا النهج.

في المقابل، بدأت بعض القيادات المحلية في شق طريق مختلف، ففي سان خوسيه، رفض العمدة مات ماهان التعامل مع مخيمات الأرصفة على أنها أمر واقع، وطرح سياسة “مسؤولية الإيواء”، التي تركز على إنشاء مساكن مؤقتة بسرعة، وإلزام الأفراد بقبول المأوى بعد تكرار الرفض، ليس كونه عقاباً، بل مدخل للتدخل والعلاج.

الهدف هنا واضح وهو عدم ترك من يعانون اضطرابات نفسية أو إدماناً يتدهورون في الشوارع.

وفي سان فرانسيسكو، يسير العمدة دانيال لوري في الاتجاه ذاته عبر مبادرة “كسر الحلقة”، التي توسّع خدمات العلاج، وتعزز فرق التواصل، وتنشئ مركزاً موحداً لتقييم الحالات بسرعة، كما ألغى برنامجاً مثيراً للجدل كانت المدينة توفر من خلاله الكحول مجاناً لمدمنين مزمنين، في خطوة تعكس تحولاً من “إدارة الإدمان” إلى محاولة علاجه.

هؤلاء العُمد وجدوا مدنهم غارقة في الخيام، وأسواق المخدرات المفتوحة، وتراجعت ثقة الجمهور بهم، فجاء ردهم بإعادة إحياء مبدأ بسيط وهو: لا تعارض بين الحزم والرحمة.

فالرحمة الحقيقية، كما يرون، تعني التدخل.. لا التجاهل.

هذا التوجه ينسحب أيضاً على مقترحات الإصلاح الفيدرالية، ففي أواخر 2025، أعلنت وزارة الإسكان والتنمية الحضرية الأمريكية خططاً لتوجيه الموارد نحو برامج إسكان انتقالي مرتبطة بالعلاج النفسي والتعافي من الإدمان ودعم التوظيف، بهدف تعزيز الاعتماد على الذات بدلاً من تكريس الاعتماد الدائم.

لكن نيوسوم، بدلاً من الترحيب بهذه المقاربة، انضم إلى دعوى متعددة الولايات لعرقلتها، واصفاً إياها بأنها “تخفيضات قاسية”.

في الواقع، لا يتعلق الأمر بالقسوة بقدر ما يتعلق بالحفاظ على نظام يستمر في ضخ الأموال.. بغض النظر عن النتائج.

في هذه الأثناء، يستمر الثمن الإنساني في التصاعد. لا تزال كاليفورنيا تضم نحو ثلث المشردين في الولايات المتحدة، بمعدلات تفوق بكثير المتوسط الوطني، ولا يمكن لأي مؤتمر صحفي أن يحجب هذه الحقيقة.

ما تحتاجه كاليفورنيا ليس مزيداً من تبادل الاتهامات، بل تصحيح حقيقي للمسار. ومع سعي نيوسوم لتوسيع حضوره على الساحة الوطنية، ربما يجدر بالأمريكيين التمعن جيداً في حصيلة سياساته على أرض الواقع، لأن ما حدث لأزمة التشرد في كاليفورنيا لم يكن صدفة.

نقلاً عن نيويورك بوست