منصة راصدة تحليلية لقضايا حقوق الإنسان

منصة راصدة تحليلية لقضايا
حقوق الإنسان

احتجاجاً على مرسوم حكومي.. مهرجو بوليفيا يتظاهرون دفاعاً عن حقهم في العمل

31 مارس 2026

خرج عشرات المهرجين إلى شوارع العاصمة البوليفية لاباز، احتجاجاً على مرسوم حكومي يحد من الأنشطة اللامنهجية في المدارس، في مشهد يعكس صداماً مباشراً بين السياسات العامة وحقوق الأفراد في كسب عيشهم.

وسار المهرجون يوم الاثنين في مسيرة جماعية، وهم يرتدون طلاء الوجه الكامل وأنوفهم الحمراء المميزة، تعبيراً عن رفضهم قراراً يرون فيه تهديداً مباشراً لمصدر رزقهم، وفق ما نقلته صحيفة “واشنطن بوست”.

واحتشد المهرجون أمام وزارة التربية والتعليم في لاباز، معترضين على مرسوم صدر في فبراير ينص على إلزام المدارس بتوفير 200 يوم دراسي سنوياً، ويحد هذا الإجراء فعلياً من قدرة المدارس على تنظيم الفعاليات الخاصة التي يعتمد عليها المهرجون بوصفها مصدراً رئيساً للدخل، في مساس واضح بمبدأ “الحق في العمل” و”الحق في كسب الرزق”، باعتبارهما من الحقوق الاقتصادية الأساسية المرتبطة بكرامة الإنسان.

وأعلن قادة المهرجين، وعلى رأسهم وايلدر راميريز المعروف باسم زاباليتو، رفضهم القرار، مؤكدين أن أثره لا يقتصر على فئة واحدة بل يمتد إلى كل العاملين المرتبطين بالأنشطة المدرسية، وقال راميريز: “سيؤثر هذا القرار اقتصادياً فينا جميعاً نحن من نعمل مع الأطفال”، مشدداً على أن “الأطفال بحاجة إلى الضحك”، في إشارة إلى البعد الاجتماعي والإنساني للخدمة التي يقدمونها.

وينص المرسوم على منع إقامة الاحتفالات خلال أيام الدراسة الرسمية، مع السماح بإقامتها في عطلات نهاية الأسبوع بشكل طوعي، غير أن هذا التعديل لم يبدد مخاوف المتضررين، إذ يرون أن تقييد الفعاليات خلال أيام الدراسة سيؤدي عملياً إلى تقليص كبير في حجم العمل، وبالتالي تقويض استقرارهم الاقتصادي، وهو ما وصفه المتحدث باسم اتحاد العمال الحرفيين، إلياس غوتيريز، بأنه سيجعل “المستقبل قاتماً للغاية”.

العدالة الاقتصادية

أكد إلياس غوتيريرز، المتحدث باسم اتحاد العمال الحرفيين في بوليفيا، أن المرسوم الحكومي سيؤدي إلى تقليص دخل المشتغلين في هذا القطاع، خاصة في ظل الأزمة الاقتصادية التي تمر بها البلاد، مشيراً إلى أن مستقبل هذه الفئات أصبح مهدداً بشكل متزايد.

يعكس هذا التصريح بعداً حقوقياً مهماً يتعلق بمبدأ “العدالة الاقتصادية”، حيث لا تقتصر آثار القرار على التنظيم الإداري، بل تمتد لتؤثر في التوزيع العادل للفرص الاقتصادية.

انضم إلى احتجاجات المهرجين في لاباز عدد من الفئات المرتبطة بالفعاليات المدرسية، منه الخياطون الذين يصممون أزياء الأطفال والمصورون الذين يغطون هذه الفعاليات، ما يكشف عن اتساع نطاق التأثير الاقتصادي للقرار، وسار هؤلاء جميعاً في شوارع وسط العاصمة، حاملين أصواتهم الاحتجاجية عبر الصافرات والألعاب النارية الصغيرة، في تعبير جماعي عن رفض السياسات التي تهدد مصادر دخلهم.

وأشارت وكالة “أسوشيتد برس” إلى أن الحكومة بررت القرار بالحاجة إلى تنظيم العملية التعليمية وضمان 200 يوم دراسي سنوياً، وهو ما يؤدي إلى تقليص الأنشطة غير الأكاديمية داخل المدارس، غير أن هذه المبررات تصطدم بمطالب العمال الذين يرون في هذه الأنشطة مصدراً أساسياً للدخل، ما يطرح إشكالية التوازن بين “المصلحة العامة” و”الحقوق الاقتصادية للأفراد”.

ونبهت مصادر حكومية إلى أن السلطات ستأخذ انتقادات المهرجين بعين الاعتبار عند صياغة مرسوم العام الدراسي 2027، في محاولة لاحتواء الغضب المتصاعد، إلا أن هذه الوعود لم تكن كافية لتهدئة المحتجين الذين أكدوا استمرار معاناتهم في ظل واقع اقتصادي صعب، حيث تتراجع عائدات الغاز الطبيعي، وتزداد ندرة الدولار الأمريكي، ما يفاقم من كلفة المعيشة ويحد من الفرص الاقتصادية.

الثقافة في قلب الأزمة

كما أبرزت “أسوشيتد برس” أن المهرجين في بوليفيا يلعبون دوراً مهماً في الفعاليات المدرسية، حيث يستعان بهم لإحياء الاحتفالات وتسلية الأطفال خلال فترات الاستراحة، ومنها “يوم الطفل” الذي يحتفل به في 12 أبريل، ويكشف هذا الدور عن ارتباط وثيق بين عمل المهرجين والهوية الثقافية والاجتماعية للمجتمع.

وأوضح إلياس غوتيريز أن استمرار هذه المهنة يعتمد على استمرار هذه الفعاليات، محذراً من أن تقليصها سيؤدي إلى خسائر اقتصادية مباشرة للعاملين في هذا القطاع، ويعكس هذا التصريح إشكالية أعمق تتعلق بـ”الحق في ممارسة المهن التقليدية”، وحق المجتمعات في الحفاظ على أشكالها الثقافية التي توفر في الوقت نفسه مصدر رزق لشرائح واسعة.

وسار المهرجون في احتجاجهم رافعين لافتات تحمل رسائل قوية، منها اتهام الحكومة بـ”سلب الابتسامات وسلب فرص العمل”، في تعبير رمزي يجمع بين البعد الاقتصادي والبعد الإنساني، كما انضمت إلى الاحتجاجات فئات مهنية أخرى مرتبطة بالفعاليات، ما يعزز الطابع الجماعي للمطالبة بالحقوق.

وحملت تصريحات المسؤولين الحكوميين نبرة استجابة جزئية، حيث أشاروا إلى إمكانية مراجعة القرار مستقبلاً، لكن هذا لم يغير من واقع الحال بالنسبة للمحتجين الذين يواجهون تأثيراً مباشراً وفورياً، ويكشف هذا التباين عن فجوة بين السياسات العامة واحتياجات الفئات المتضررة.

الأزمة الاقتصادية

عكست الأزمة الاقتصادية التي تمر بها بوليفيا خلفية مهمة لهذا التوتر، إذ تتراجع عائدات الغاز الطبيعي بشكل حاد نتيجة انخفاض الإنتاج، ما يؤدي إلى نقص في العملة الأجنبية وارتفاع تكاليف الواردات، وفق ما أوردته صحيفة “الغارديان”.

وتزيد هذه الظروف الاقتصادية من هشاشة الفئات العاملة، وتجعل أي قرار حكومي ذا تأثير مضاعف في معيشتهم.

وأكد إلياس غوتيريز أن “الأزمة الاقتصادية تجعل مستقبلنا قاتماً للغاية”، في إشارة إلى تداخل السياسات الاقتصادية مع القرارات التنظيمية، ما يفاقم من تأثيرها في الفئات الهشة.

ويعكس هذا التصريح أحد أهم المبادئ الحقوقية، وهو “واجب الدولة في حماية الفئات المتضررة” عند اتخاذ قرارات قد تؤثر في مصادر رزقهم.

حمل أحد المهرجين لافتة اتهم فيها الحكومة بـ”سلب الابتسامات وسلب فرص العمل”، في عبارة تلخص جوهر الأزمة: تداخل البعد الإنساني مع البعد الاقتصادي، ويشير هذا المشهد إلى أن القضية لم تعد مجرد تنظيم إداري للمدارس، بل أصبحت مسألة حقوقية تتعلق بحقوق العمل، والكرامة، والعدالة.

وسار المتظاهرون في شوارع لاباز، في مشهد يعكس احتجاجاً جماعياً على سياسات يرون أنها تهدد وجودهم المهني، وبينما تسعى الحكومة إلى تعزيز النظام التعليمي، يطالب المحتجون بحماية حقهم في العمل، مؤكدين أن أي إصلاح لا يراعي الأبعاد الإنسانية والاقتصادية سيكون على حساب فئات اجتماعية بعينها.

وتظهر هذه القضية أن “الحقوق الاقتصادية والاجتماعية” ليست منفصلة عن السياسات العامة، بل تتأثر بها بشكل مباشر، وأن تحقيق التوازن بين المصلحة العامة وحقوق الأفراد يظل تحدياً أساسياً أمام صانعي القرار.