منصة راصدة تحليلية لقضايا حقوق الإنسان

منصة راصدة تحليلية لقضايا
حقوق الإنسان

بحثاً عن مواليد جدد.. الصين تدعم شبابها بالأموال والزفاف الجماعي

30 مارس 2026
الصين تواجه مشكلة في الزواج والمواليد الجدد
الصين تواجه مشكلة في الزواج والمواليد الجدد

تواجه الصين واحدة من أعقد أزماتها البنيوية، في ظل اقتصاد ضخم، لكن قاعدة المواليد تتراجع، وعدد السكان ينكمش، ونسبة كبار السن ترتفع بسرعة، وبعد عقود من القلق من “الزيادة السكانية”، انتقلت بكين إلى القلق المعاكس، حيث قلة الأطفال وقلة الزيجات، ولهذا لم تعد سياسات الإنجاب في الصين مقتصرة على السماح بإنجاب عدد أكبر من الأطفال، بل تحولت إلى حزمة أوسع من الإعانات والخدمات والدعاية الاجتماعية ومحاولات إعادة تشكيل الثقافة العامة حول الزواج والإنجاب.

وتشمل هذه الحزمة دعم رعاية الأطفال، وتخفيف تكاليف الولادة، وتوسيع التغطية لبعض خدمات الخصوبة، والتشجيع على ما تصفه السلطات بـ”ثقافة زواج وإنجاب جديدة”، إلى جانب فعاليات رمزية مثل حفلات الزفاف الجماعية والمكاتب المحلية التي تحاول جعل الزواج أسهل وأقل كلفة.

لكن البيانات الحديثة تقول إن الأزمة ما تزال أعمق من أن تُحل بخطوات دعائية أو مالية محدودة، فبحسب المكتب الوطني للإحصاء، سجلت الصين في العام الماضي 2025 نحو 7.92 مليون ولادة فقط، وهو أدنى رقم معلن حديثاً، مع معدل مواليد 5.63 لكل ألف، في حين انخفض عدد السكان للعام الرابع على التوالي إلى 1.40489 مليار نسمة.

ارتفاع طفيف ثم انخفاض

تعكس هذه الأرقام مساراً ديموغرافياً يتجاوز مجرد تراجع مؤقت، فالصين شهدت في 2024 ارتفاعاً طفيفاً في عدد المواليد إلى 9.54 مليون بعد سبع سنوات من الانخفاض، لكن ذلك لم يستمر؛ إذ عادت الأرقام للهبوط في 2025 بنسبة تقارب 17% مقارنة بالعام السابق، وفق رويترز وبيانات الإحصاء الرسمية.

وفي الوقت نفسه، ارتفع عدد الوفيات إلى 11.31 مليون، وبلغت نسبة من هم فوق 60 عاماً نحو 23% من السكان بنهاية 2025، وهذا يعني أن بكين لا تواجه فقط نقصاً في المواليد، بل أيضاً اتساعاً سريعاً في الشيخوخة، بما يضغط على سوق العمل والإنفاق الاجتماعي والتقاعد والرعاية الصحية.

ولهذا ربطت الحكومة الصينية، في خططها الرسمية لعام 2025 وما بعده، بين “بناء مجتمع صديق للإنجاب” وبين الاستقرار الاقتصادي والاجتماعي طويل الأمد.

حوافز مالية وخدمية

أطلقت الحكومة الصينية خلال العامين الأخيرين سلسلة خطوات عملية لتخفيف الكلفة المباشرة للإنجاب والتربية، ففي 28 يوليو 2025 أعلنت بكين برنامجاً وطنياً لإعانات رعاية الأطفال يبدأ بأثر رجعي من 1 يناير 2025، ويمنح الأسر 3,600 يوان (نحو 520 دولاراً أمريكياً) سنوياً عن كل طفل دون سن الثالثة.

وقالت الحكومة إن هذه السياسة يُتوقع أن تفيد أكثر من 20 مليون أسرة سنوياً، كما أوضحت أن هذه الإعانة معفاة من ضريبة الدخل ولن تُحتسب ضمن معايير استحقاق المساعدات الاجتماعية الأخرى.

وجاء هذا القرار بعد أن كانت “إعانات رعاية الأطفال” قد أُدرجت لأول مرة بوضوح في تقرير عمل الحكومة لعام 2025، بما يعكس انتقال الفكرة من تجارب محلية متفرقة إلى سياسة وطنية.

كما أعلنت الصين لاحقاً تطبيقاً مرحلياً للتعليم ما قبل المدرسي المجاني ابتداءً من خريف 2025 في السنة الأخيرة قبل المرحلة الابتدائية، في محاولة لتخفيف عبء التعليم المبكر على الأسر.

سياسات الدعم الصحي

وتبنت بكين كذلك سياسات الدعم الصحي المرتبطة بالإنجاب، ففي أكتوبر 2024 أصدر مجلس الدولة 13 إجراءً لتحسين خدمات دعم الإنجاب، وتوسيع أنظمة الرعاية النهارية، وتعزيز الدعم في مجالات التعليم والإسكان والعمل، وخلق “مناخ اجتماعي صديق للإنجاب”.

وتبعت ذلك خطوات لتوسيع تغطية بعض خدمات الإنجاب المساعد، وتخفيف كلفة الولادة، كما ذكرت وكالة رويترز في يونيو 2025 أن السلطات قررت التوسع في توفير التخدير أثناء الولادة داخل المستشفيات، في مسعى لجعل الولادة أقل مشقة وأكثر قبولاً.

وفي ديسمبر 2025 كشفت وسائل إعلام رسمية عن خطة لجعل الولادة شبه مجانية تحت مظلة التأمين الطبي الوطني بحلول 2026، وتعكس هذه الخطوات اعترافاً رسمياً بأن قرار الإنجاب في الصين لا يتأثر بالشعارات فقط، بل بكلفة الحمل والولادة والرعاية والتعليم والسكن.

محاولات إنعاش الزواج

تدرك الصين أن أزمة المواليد تبدأ قبل الإنجاب، أي من تراجع الزواج، فعدد عقود الزواج هبط في 2024 إلى نحو 6.1 مليون فقط، بانخفاض يقارب 20% عن 2023، وفق رويترز، وهو أدنى مستوى حديثاً وأقل من نصف ما كان عليه في 2013.

ولأن الزواج ما يزال في الصين الطريق الاجتماعي والقانوني الأكثر شيوعاً للإنجاب، تحاول السلطات جعل الإقبال عليه أسهل وأرخص وأكثر جاذبية.

ومن بين الإجراءات التي اتخذتها الدولة، السماح للأزواج منذ مايو 2025 بتسجيل الزواج في أي مكان داخل البلاد بدل تقييده بمكان القيد الأصلي، وهو ما ساعد على رفع عدد الزيجات في الأشهر التسعة الأولى من 2025 بنسبة 8.5% مقارنة بالفترة نفسها من العام السابق، بحسب بيانات وزارة الشؤون المدنية.

لكن هذا التحسن لم يُقنع كثيراً من الديموغرافيين بأنه تحول دائم، بل مجرد ارتداد قصير بفعل التيسير الإداري وبعض العوامل الثقافية المرحلية.

ثقافة الزواج والإنجاب

دعمت الحكومة الصينية، إلى جانب التيسير الإداري، حملات أوسع لترويج ما تسميه الدولة “ثقافة الزواج والإنجاب الجديدة”، ويظهر ذلك في تعميمات رسمية صادرة عن هيئات الصحة والسكان في 2025 تدعو إلى ترسيخ مفاهيم مثل “الزواج في السن المناسب” و”الإنجاب الصحي” و”الأسرة السعيدة”، وربطها بالدعم الاجتماعي والأنشطة العامة.

كما لجأت مدن ومناطق مختلفة إلى حفلات زفاف جماعية منظمة من قبل إدارات الشؤون المدنية أو الاتحادات الشبابية أو النقابات، في إطار دعائي واضح لتشجيع الزواج بكلفة أقل وبصورة “عصرية ومنضبطة”، ففي يانغجيانغ مثلاً، نُظمت في 2025 حفلة زفاف جماعية شارك فيها 108 أزواج تحت إشراف الشؤون المدنية والاتحاد الشبابي.

وفي فوتشو أقيمت في أكتوبر 2025 حفلة جماعية أخرى ضمت 100 زوج، وفي كونشان أُقيمت في مايو 2025 حفلة جماعية لـ30 زوجاً ضمن منظومة محلية تربط بين التسجيل والخدمات والاحتفال، هذه الأمثلة تؤكد أن التشجيع لا يجري عبر المال فقط، بل أيضاً عبر صناعة مشهد اجتماعي وسياسي يُظهر الزواج باعتباره خياراً وطنياً مرغوباً.

المشكلة أعمق من الإعانات

تصطدم هذه الحوافز بواقع اجتماعي واقتصادي أكثر تعقيداً، فالشباب الصينيون، وفق وكالة رويترز، لا يعزفون عن الإنجاب لمجرد نقص الدعاية أو غياب قسائم الزواج، بل بسبب تكاليف تربية الأطفال، وارتفاع أسعار السكن، وضغط التعليم، وصعوبة إيجاد وظائف مستقرة، وتزايد عزوف النساء خصوصاً عن تحمّل عبء الأسرة التقليدي على حساب العمل والطموح الشخصي.

ولهذا جاءت بعض المبادرات الرسمية بنتائج محدودة أو حتى أثارت سخرية وانتقادات، مثل الدعوات الجامعية إلى “الوقوع في الحب” أو المهرجانات التي تمجد الزواج والإنجاب بلغة رآها بعض الصينيين رجعية أو ضاغطة على النساء.

كما أن كثيراً من الباحثين يرون أن المجتمع تغيّر بالفعل: الأعمار ارتفعت، والزواج تأخر، والفردية زادت، والنساء أصبحن أكثر حساسية تجاه كلفة الأمومة المهنية والاجتماعية، ولهذا يصعب على الدولة أن تعكس هذا المسار فقط عبر شعارات “مجتمع صديق للإنجاب”.

سياسة تشجيع الإنجاب

يؤكد هذا التباين أن بكين انتقلت من سياسة منع الإنجاب في عهد الطفل الواحد إلى سياسة تشجيع الإنجاب، لكنها لا تملك حتى الآن الأدوات الكافية لإقناع ملايين الشبان بأن الزواج والأطفال خيار اقتصادي ومعيشي مريح.

فحتى بعد السماح بإنجاب طفلين منذ 2016 ثم ثلاثة أطفال منذ 2021، ظل معدل الخصوبة يدور حول طفل واحد لكل امرأة تقريباً، وهذا المستوى أقل بكثير من معدل الإحلال السكاني البالغ 2.1.

لذلك، يبدو أن الصين لا تخوض معركة على عدد المواليد فقط، بل على تصور كامل للحياة العائلية والعمل والرفاه والإنصاف بين الجنسين، وحتى الآن، لا تزال الإعانات والاحتفالات الجماعية والكتيبات التوعوية خطوات مهمة رمزياً، لكنها لم تثبت بعد أنها قادرة وحدها على عكس المنحنى الديموغرافي المتراجع.