منصة راصدة تحليلية لقضايا حقوق الإنسان

منصة راصدة تحليلية لقضايا
حقوق الإنسان

منجم ذهب للفقراء يواجه الإزالة

دارافي.. المدينة الهندية التي تُنقذ مومباي من النفايات تُكافأ بالتهجير

29 مارس 2026
دارافي هي محرك اقتصادي غير رسمي يضخ نحو مليار دولار سنويًا في اقتصاد المدينة
دارافي هي محرك اقتصادي غير رسمي يضخ نحو مليار دولار سنويًا في اقتصاد المدينة

يُعتبر حي “دارافي” الرئة الخضراء (غير الرسمية) لمدينة مومباي الهندية، ليس بفضل المتنزهات، بل لكونه أحد أكبر مراكز إعادة التدوير في العالم حيث تتحول نفايات المدينة العملاقة إلى ثروة، في دورة اقتصادية مذهلة تعكس صمود الإنسان وقدرته على الابتكار من العدم.

في قلب مدينة مومباي (بومباي سابقاً)، العاصمة المالية للهند، يمتد حي “دارافي” (Dharavi) على مساحة لا تتجاوز 2.5 كيلومتر مربع، لكنه يضم في أزقته الضيقة ما يقرب من مليون إنسان، في منطقة لا توصف بأنها مجرد “منطقة عشوائية”، بل هي محرك اقتصادي غير رسمي يضخ نحو مليار دولار سنويًا في اقتصاد المدينة من خلال أنشطة تتضمن صناعات الجلود، وإعادة تدوير البلاستيك، والمنسوجات، ولكن اليوم، يقف هذا الحي أمام مفترق طرق تاريخي مع انطلاق مشروع إعادة تطوير ضخم تقوده “مجموعة أداني” وهو مشروع يعد بتغيير وجه المنطقة جذرياً، لكنه يضع “الحق في المكان” على المحك.

من مستنقع للملح إلى عاصمة اقتصادية موازية

تأسس حي دارافي في أواخر القرن التاسع عشر (نحو عام 1882) إبان الاستعمار البريطاني، حيث طُرد الحرفيون والعمال من وسط المدينة إلى هذه المنطقة التي كانت آنذاك مستنقعات للملح، مع مرور العقود، تحول الحي إلى ملاذ للمهاجرين من جميع أنحاء الهند، مشكلاً نسيجاً اجتماعياً فريداً يجمع الهندوس والمسلمين والمسيحيين في مساحات عمل وسكن مشتركة، ويعد حي دارافي اليوم بمثابة تجسيد لـ”الصمود الحضري”، حيث تحولت العشوائية إلى منطقة صناعية متكاملة توفر سبل العيش لآلاف الأسر وفق تقرير هيئة تطوير منطقة ميتروبوليتان مومباي.

أطلقت حكومة ولاية “ماهاراشترا” مشروع إعادة تطوير دارافي كواحد من أكبر مشاريع التجديد الحضري في العالم، ويهدف المشروع إلى استبدال البيوت المتهالكة بأبراج سكنية حديثة وتوفير بنية تحتية للصرف الصحي والكهرباء، وبموجب المناقصة التي فازت بها “مجموعة أداني” بقيمة استثمارية تتجاوز 3 مليارات دولار، سيتم منح شقق مجانية بمساحة 350 قدماً مربعة للسكان الذين يثبتون إقامتهم في الحي قبل عام 2000، بحسب سلطة إعادة تطوير العشوائيات (SRA)، في حكومة ولاية ماهاراشترا.

مخاوف التهجير وفقدان الجذور

تكمن المأساة الإنسانية في شروط “الأهلية”، حيث تشير منظمة هيومن رايتس ووتش إلى أن نحو 700 ألف شخص قد يجدون أنفسهم خارج حسابات الشقق المجانية لأنهم استوطنوا الحي بعد عام 2000، أو لأنهم مستأجرون لا يملكون وثائق ملكية قديمة، وهذا “الفرز” يهدد بتفكيك مجتمعات عاشت معاً لعقود، كما أن الانتقال إلى شقق في أبراج سكنية يقتل “اقتصاد الأزقة”؛ فالكثير من السكان يديرون ورشاً صغيرة داخل منازلهم، وهو أمر لا تسمح به تصاميم الأبراج السكنية الحديثة.

يستند المشروع قانونياً إلى “قانون ماهاراشترا للمناطق العشوائية لعام 1971″، والذي يمنح الحكومة الهندية سلطة إخلاء وتطوير المناطق المصنفة كعشوائيات، وبالرغم من ذلك، يواجه المشروع طعوناً قانونية تركز على غياب شرط موافقة السكان وفق السجلات القضائية لمحكمة مومباي العليا، حيث يشترط القانون موافقة من 50% إلى 70% من

حين تصبح النفايات “ذهباً” للفقراء

بينما تنفق المدن الكبرى المليارات للتخلص من نفاياتها، يقوم حي دارافي بمعالجة نحو 80% من المخلفات الصلبة لمدينة مومباي، وهذه العملية ليست مجرد نشاط عشوائي، بل صناعة منظمة توظف نحو 250,000 شخص، وتعمل وفق نظام دقيق يبدأ من جمع وفرزالقمامة وينتهي بحبيبات بلاستيكية جاهزة للتصنيع.

تُشير تقديرات المعهد الهندي للتكنولوجيا (IIT Bombay) حول الاقتصادات الدائرية في المناطق الحضرية غير الرسمية إلى أن صناعة إعادة التدوير في دارافي تدر وحدها مبالغ تتراوح بين 600 إلى 800 مليون دولار سنوياً، ويضم الحي أكثر من 5000 ورشة متخصصة في إعادة التدوير، حيث يتم فرع ومعالجة كل شيء: من عبوات الطلاء المعدنية، إلى أجزاء الحاسوب القديمة، وصولاً إلى البلاستيك الذي يُصنف يدوياً إلى أكثر من 25 نوعاً حسب الجودة واللون.

ما يميز دارافي هو “كفاءة الفرز” فبينما تفشل محطات التدوير الحديثة في فرز المواد المختلطة، يمتلك عمال دارافي مهارة فائقة في تمييز الخامات باللمس أو الرائحة أو حتى الصوت عند الطرق عليها، ويتم تحويل البلاستيك إلى “كريات” تُباع للمصانع الكبرى بأسعار تنافسية، ما يقلل من حاجة الهند لاستيراد المواد الخام البترولية، وفق منظمة “Waste Action Aid” الدولية.

ظروف عمل خطرة

خلف هذه الأرباح الضخمة، يقف عمال يشتغلون في ظروف بيئية وصحية بالغة الخطورة، حيث يعملون لساعات طويلة وسط أبخرة سامة ناتجة عن صهر البلاستيك أو غسل المعادن بالأحماض، دون أدنى معايير للسلامة المهنية، ولكن بالنسبة لهؤلاء العمال في، دارافي فهي تمثل “أرض الفرص” التي تمنح القادمين من القرى الفقيرة عملاً فورياً، لكنه عمل يستهلك صحتهم مقابل أجور زهيدة مقارنة بحجم الثروة المنتجة بحسب تقرير “منظمة العمل الدولية (ILO)” بشأن العمالة غير الرسمية والمخاطر المهنية في جنوب آسيا.

تكمن الفجوة الحقوقية في مشروع التطوير الجديد بكونه يركز على السكن ويتجاهل الورشة ويخشى المدافعون عن حقوق العمال أن ناطحات السحاب الجديدة لن تستوعب ورش إعادة التدوير التي تتطلب مساحات مفتوحة وتسبب ضجيجاً وأبخرة، وإزالة هذه الورش تعني فقدان مومباي لخط دفاعها الأول ضد التلوث، وتحويل ربع مليون عامل من “منتجين بيئيين” إلى عاطلين عن العمل وفق دراسة مركز الوئام الاجتماعي حول الأثر الاجتماعي لعمليات الإخلاء الاقتصادي.

وسبق أن حذر تقرير “برنامج الأمم المتحدة للمستندات البشرية (UN-Habitat)” حول المدن المستدامة والاقتصاد الدائري من توقف ورش دارافي عن العمل منوهاً إلى أن التوقف ليوم واحد، سيؤدي إلى غرق شوارع مومباي بآلاف الأطنان من النفايات، إذ يسهم الحي بشكل مباشر في تقليل انبعاثات الكربون من خلال إعادة استخدام المواد بدلاً من تصنيعها من الصفر، ورغم ذلك، لا يحصل هؤلاء العمال على أي حماية قانونية أو اعتراف رسمي بكونهم “أبطال المناخ” في الهند.