منصة راصدة تحليلية لقضايا حقوق الإنسان

منصة راصدة تحليلية لقضايا
حقوق الإنسان

الروبوتات تنهض والبشر تسقط.. ثورة الذكاء الاصطناعي تسرق الوظائف وتزرع الفقر في العالم

28 مارس 2026
طوير الروبوتات الشبيهة بالبشر مثل “أوبتيموس”، في خطوة تمثل انتقالاً من صناعة السيارات إلى صناعة الأتمتة الشاملة
طوير الروبوتات الشبيهة بالبشر مثل “أوبتيموس”، في خطوة تمثل انتقالاً من صناعة السيارات إلى صناعة الأتمتة الشاملة

أعادت شركات التكنولوجيا الكبرى، وعلى رأسها شركات يقودها الملياردير الأمريكي، إيلون ماسك، صياغة مستقبل العمل عبر ما يُعرف بـ”الذكاء الاصطناعي الفيزيائي”، أو “الذكاء الاصطناعي المادي”، وهو اتجاه يسعى إلى دمج الذكاء الاصطناعي في العالم المادي عبر الروبوتات.

تكشف هذه الطموحات عن تحولات جذرية لا تقتصر على الاقتصاد فحسب، بل تمتد إلى حقوق العمل، والعدالة الاجتماعية، ومستقبل الإنسان في سوق العمل، وفق ما أوردته تقارير عدة حديثة.

وأكدت صحيفة “واشنطن بوست”، اليوم السبت، أن إيلون ماسك يدفع رؤيته نحو عالم تصبح فيه “مليارات الروبوتات” قادرة على أداء مختلف الأعمال البشرية، في إطار سعيه لإعادة تعريف العمل بوصفه خياراً بدلاً من كونه ضرورة.

يستند ماسك إلى إعادة توجيه شركاته، خصوصاً “تسلا”، نحو تطوير الروبوتات الشبيهة بالبشر مثل “أوبتيموس”، في خطوة تمثل انتقالاً من صناعة السيارات إلى صناعة الأتمتة الشاملة.

وأوضح تقرير “واشنطن بوست” أن هذا التوجه لا يقتصر على ماسك، إذ انضمت شركات كبرى مثل أمازون وإنفيديا إلى سباق تطوير الروبوتات، في حين تعمل شركات ناشئة مثل “أتومز” على ما تسميه “الأتمتة المادية”، ويعكس هذا التوسع دخول رأس المال التكنولوجي في مرحلة جديدة تهدف إلى استبدال العمل اليدوي بالكامل.

مخاوف من فقدان الوظائف

نبه السيناتور الأمريكي بيرني ساندرز إلى خطورة هذا التوجه، متسائلاً عن مدى التزام أصحاب المليارات بمصالح عامة الناس، خاصة في ظل استثمارات ضخمة في الروبوتات والذكاء الاصطناعي، وأشارت الصحيفة الأمريكية إلى أن هذه التطورات تثير مخاوف حقيقية من فقدان واسع النطاق للوظائف.

وأوضح كبير استراتيجيي السوق، شاي بولور، أن “الذكاء الاصطناعي المادي يمثل أكبر سوق مستهدف في تاريخ البشرية”، لكنه أقر بأن هذا التحول سيؤدي إلى “فقدان مستمر للوظائف”، وتؤكد هذه التصريحات وجود فجوة بين الطموحات التكنولوجية والضمانات الحقوقية للعمال.

وقدّر محللون في بنك باركليز أن سوق “الذكاء الاصطناعي الفيزيائي ” قد يصل إلى تريليون دولار بحلول عام 2035، مع توقع أن تبلغ قيمة سوق الروبوتات الشبيهة بالبشر نحو 200 مليار دولار، وتعكس هذه الأرقام ضخامة الرهان الاقتصادي على هذه التكنولوجيا.

وأكد جينسن هوانغ، الرئيس التنفيذي لشركة إنفيديا، أن “كل شركة صناعية ستصبح شركة روبوتات”، في إشارة إلى التحول العميق الذي يشهده الاقتصاد العالمي، غير أن هذا التحول يطرح تساؤلات حول توزيع هذه الثروة الضخمة، ومن سيستفيد منها فعلياً.

تفاوت وصراع تقني

من جانبها، سلطت صحيفة “ذا تليغراف” في تقرير لها، الضوء على تفوق الصين في مجال الروبوتات الشبيهة بالبشر، حيث أظهرت عروضاً عامة لروبوتات تؤدي حركات قتالية ورقصات، وهو ما اعتُبر “رسالة دعائية قوية” عن تقدمها التكنولوجي.

وأشارت الصحيفة إلى أن الصين تستحوذ على نحو 90% من سوق الروبوتات البشرية، مع دعم حكومي ضخم يصل إلى 130 مليار دولار، كما سجلت الصين تركيب 295 ألف روبوت صناعي في عام 2024، وهو رقم يتجاوز بقية دول العالم مجتمعة.

في المقابل، لا تزال الشركات الغربية مثل “تسلا” متأخرة نسبياً، حيث لم تتجاوز أعداد روبوتاتها 150 روبوتاً فقط، ما يعكس فجوة تنافسية قد تتحول إلى فجوة جيوسياسية.

مخاطر الأمن القومي

حذرت لجان في الكونغرس الأمريكي من أن الروبوتات الصينية قد تشكل “تهديداً للأمن القومي”، معتبرة أنها قد تتحول إلى “حصان طروادة” يُستخدم للتجسس أو التخريب. كما أشار خبراء إلى احتمال تسريب البيانات أو التحكم عن بعد في الأنظمة الحيوية.

وذكرت الصحيفة أن هذه المخاوف دفعت إلى إدراج شركات مثل “يونيتري” لفترة وجيزة على قوائم المراقبة الأمريكية، ما يعكس تصاعد التوتر بين واشنطن وبكين في هذا المجال.

ونقلت وكالة رويترز مشهداً رمزياً يعكس اندماج الروبوتات في الحياة السياسية، حيث رافق روبوت بشري الشكل السيدة الأولى ميلانيا ترامب داخل البيت الأبيض خلال فعالية تروّج للذكاء الاصطناعي في التعليم.

وقدّم الروبوت، الذي عُرف باسم “الشكل 03″، خطاباً متعدد اللغات أمام الحضور، في إشارة إلى الاستخدامات المستقبلية للذكاء الاصطناعي في التعليم.

وأكدت ميلانيا ترامب أن الذكاء الاصطناعي سيصبح قريباً جزءاً من العملية التعليمية، من خلال معلمين آليين قادرين على تخصيص التعليم حسب احتياجات الطلاب.

جدل حول التعليم والطفولة

أثارت هذه الرؤية تساؤلات حول حقوق الأطفال في التعليم، خاصة مع إدخال تقنيات تعتمد على جمع البيانات وتحليل السلوك، ورأت السيدة الأولى أن هذه التقنيات قد تعزز “التفوق الاقتصادي طويل الأمد”، لكنها حذرت أيضاً من مخاطر التكنولوجيا.

ويبرز هنا سؤال حقوقي جوهري حول مدى حماية خصوصية الطلاب، وإمكانية التحكم في البيانات التعليمية، في ظل توسع استخدام الذكاء الاصطناعي.

في المقابل، أشار تحليل لشركة “أنثروبيك” إلى أن الذكاء الاصطناعي لا يزال بعيداً عن إتقان العديد من المهام اليدوية مثل الزراعة أو البناء، مؤكداً أن هذه المجالات ما زالت تعتمد على البشر.

كما لفت التقرير إلى أن معظم العروض الحالية للروبوتات، خاصة في الصين، تعتمد على تحكم بشري أو بيئات مبرمجة، ما يثير تساؤلات حول مدى جاهزية هذه التقنيات للاستبدال الكامل للإنسان.

وأكد ماكسيم ماسنكوف، خبير اقتصادي في الشركة، أن “هذه المهام المادية لم تشهد بعد التطور نفسه الذي حققته نماذج اللغة”، ما يعكس فجوة تقنية بين الوعود والواقع.

مستقبل غير متكافئ

حذر الرئيس التنفيذي لشركة أنثروبيك، داريو أمودي، من أن الذكاء الاصطناعي قد يمتد قريباً إلى العالم المادي، ما يعني تسريع أتمتة الوظائف اليدوية، غير أن هذا التطور يثير مخاوف من تعميق التفاوت الاجتماعي.

ويؤكد تقرير “واشنطن بوست” أن فكرة “الوفرة المذهلة” التي يروج لها ماسك لا تزال غير واضحة من حيث آليات توزيعها، في ظل احتمال أن تتركز الثروة في أيدي عدد محدود من الشركات والأفراد.

تكشف هذه التطورات عن مفارقة جوهرية: فبينما يعد الذكاء الاصطناعي الفيزيائي بزيادة الإنتاجية وإلغاء الحاجة إلى العمل الشاق، فإنه يطرح في المقابل تحديات حقوقية عميقة تتعلق بالعمل، والعدالة، والسيادة التكنولوجية.

وتشير المعطيات إلى أن العالم يقف أمام مفترق طرق، حيث يمكن لهذه التكنولوجيا أن تقود إلى ازدهار غير مسبوق، أو إلى أزمة اجتماعية واسعة النطاق، بحسب كيفية تنظيمها وضبطها على المستوى الدولي.