لا تزال قضية ختان الإناث تمثل معركة مفتوحة على جسد المرأة، معركة تتشابك فيها الموروثات الثقافية مع تطلعات التحرر، فوفقاً لأحدث بيانات منظمة الأمم المتحدة للطفولة “يونيسف” لعام 2024، هناك أكثر من 230 مليون فتاة وامرأة حول العالم يحملن ندوب هذه الممارسة، بزيادة صادمة تصل إلى 30 مليون حالة عن التقديرات السابقة نتيجة النمو السكاني، وتؤكد الأمم المتحدة أن القارة السمراء تضم وحدهـا نحو 144 مليون حالة، ما يجعلها المركز الرئيس لهذه الممارسة التي تُصنف دولياً كأحد أخطر انتهاكات حقوق الإنسان.
وهم الطهارة
تتغذى هذه الممارسة على جذور ضاربة في القدم، حيث تُربط بمفاهيم تتعلق بـ “الطهارة” والأنوثة والجاهزية للزواج، ورغم غياب أي أساس ديني واضح لها، إلا أنها استمرت جزءاً من الهوية الثقافية لبعض المجتمعات، وهو ما يفسر تأكيد المنظمات الحقوقية أن المواجهة تتطلب تغييراً في القيم الاجتماعية العميقة، وليس الاكتفاء بفرض القوانين.
كينيا.. انحسار الأرقام واتساع الوعي
تحمل التحديثات الصادرة في عام 2025 عن مبادرة أبحاث ختان الإناث (FGMCRI) بصيصاً من الأمل؛ إذ استقر معدل الانتشار في كينيا بين النساء (15-49 عاماً) عند نحو 14.8% وفقاً للمسح الديموغرافي الصحي. واللافت للنظر هو التحول الجذري في الوعي الذي ترصده بيانات اليونيسف؛ حيث تعلن أكثر من 92% من النساء الكينيات صراحةً رفضهن لاستمرار هذه الممارسة.
وبالنظر إلى العمق التاريخي من واقع المسح الديموغرافي الصحي في كينيا لعام 2022، نجد قصة نجاح مرحلية؛ فقد انخفض المعدل من 38% في عام 2003 إلى حوالي 15% في عام 2022، وهذا التراجع يعكس تأثير السياسات الحكومية وتوسع التعليم، لكنه وفقاً للتقارير الرسمية لا يعني القضاء التام على الظاهرة التي لا تزال تنهش في جسد مجتمعات محددة.
التفاوتات الجغرافية
خلف الأرقام العامة، تختبئ فوارق عرقية وجغرافية حادة توثقها بيانات البنك الدولي ومنظمة يونيسف فبينما تكاد النسبة تنعدم (أقل من 1%) في نيروبي، تقفز إلى مستويات مرعبة في مجتمعات أخرى؛ حيث تصل إلى 94% بين النساء من أصول صومالية، و78% لدى مجتمع “السامبورو”، و73% بين “الماساي”، كما يبرز الارتباط الوثيق بالبيئات التقليدية، حيث يبلغ المعدل في الريف نحو 21% مقارنة بـ 10% فقط في المدن.
الالتفاف على الرقابة
تحذر المنظمات الدولية من “تكتيكات” جديدة للالتفاف على الرقابة القانونية. فبينما تظهر تقارير يونيسف لعام 2024 تراجعاً بين جيل الشابات (15-19 عاماً) ليصل إلى 9%، نلاحظ توجهاً خطيراً تشير إليه مبادرة أبحاث ختان الإناث 2025؛ حيث تُنفذ قرابة 45% من الحالات بين سن الخامسة والتاسعة، بل وبنسب متزايدة قبل سن الخامسة.
والأدهى من ذلك هو ظهور ما يُعرف بـ “الختان الطبي” وهنا تحذر منظمة الصحة العالمية بشدة من أن إجراء العملية على يد عاملين في القطاع الصحي لا يقلل من خطورتها، بل يمنحها غطاءً زائفاً من الشرعية يقوّض جهود القضاء عليها.
وجع وكلفة باهظة
في الشمال الريفي، تروي القصص التي توثقها منظمات المجتمع المدني المدعومة من يونيسف مآسي فتيات خضعن للختان في سن التاسعة تحت ضغط عائلي، ليواجهن حياة من المضاعفات وتؤكد منظمة الصحة العالمية أن الثمن باهظ؛ يبدأ بالنزيف والعدوى، ويمتد إلى آلام مزمنة، واضطرابات نفسية، ومضاعفات ولادة خطيرة.
كما تشير تقديرات المنظمة إلى أن هذه المضاعفات تفرض أعباءً مالية باهظة على الأنظمة الصحية وتعيق إنتاجية النساء، مما يجعل الظاهرة عائقاً أمام التنمية الاقتصادية.
الإطار القانوني
منذ عام 2011، تمتلك كينيا قانوناً صارماً يحظر الختان، معززاً باتفاقيات دولية مثل اتفاقية القضاء على التمييز ضد المرأة (CEDAW)، ومع ذلك، تشير تقارير منظمة هيومن رايتس ووتش إلى تحديات جسيمة في التنفيذ، حيث تلجأ بعض الأسر لتنفيذ الممارسة سراً أو عبر الحدود، ما يستدعي تعزيز الرقابة والتعاون الإقليمي.
السباق نحو 2030
تضع الأمم المتحدة القضاء على الختان هدفاً رئيساً ضمن أهداف التنمية المستدامة بحلول عام 2030، لكن التقديرات تشير إلى أن تحقيق ذلك يتطلب تسريع الجهود الحالية بنحو 27 ضعفاً، وفي هذا الصدد، تبرز بيانات اليونيسف الدور الحاسم لمنظمات المجتمع المدني والزعماء المحليين في تغيير المواقف الاجتماعية، لسد الفجوة بين قناعة الرفض (التي يحملها 90% من النساء) والسلوك الفعلي الذي لا يزال يتأثر بالخوف من الوصم الاجتماعي.
إن تجربة كينيا، وبالمقارنة مع دول مجاورة كالصومال (التي تتجاوز فيها النسب 90% وفق بيانات البنك الدولي)، تبدو متقدمة، لكن الواقع المرير الذي يعيشه آلاف الفتيات في صمت يؤكد أن المعركة لم تُحسم بعد، وأنها تتطلب التزاماً إنسانياً وأخلاقياً يتجاوز مجرد سن التشريعات.

