منصة راصدة تحليلية لقضايا حقوق الإنسان

منصة راصدة تحليلية لقضايا
حقوق الإنسان

علينا جميعاً اتخاذ خطوات لكسر إدمان وسائل التواصل الاجتماعي

27 مارس 2026
عوارض إدمان مواقع التواصل تظهر على الشباب والشابات بأوروبا
عوارض إدمان مواقع التواصل تظهر على الشباب والشابات بأوروبا

دوغلاس موراي

هل تجد نفسك مدمناً على وسائل التواصل الاجتماعي؟ إذا كان الأمر كذلك، فقد تكون مؤهلاً للحصول على تعويض بملايين الدولارات.

هذا ما حصلت عليه امرأة في لوس أنجلوس هذا الأسبوع، بعد أن وجدت هيئة المحلفين أن شركة ميتا، مالكة إنستغرام ويوتيوب، قد صممت منتجاتها لتكون مسببة للإدمان بشكل متعمد.. المُدعية، المعروفة فقط باسم كالي جي. إم، حصلت على تعويض إجمالي قدره 3 ملايين دولار.

كانت ردود الفعل على هذه القضية متوقعة، لكنها متباينة بشدة. من جهة، سيرى العديد من المدعين المحتملين -وبالطبع المحامون- فرصة لتحقيق أرباح ضخمة، مدعين أنهم عانوا أيضاً من القلق والاكتئاب واضطرابات صورة الجسد وغيرها من المشكلات النفسية نتيجة الإفراط في استخدام الإنترنت.

أما من جهة أخرى، فهناك دعاة السوق الحرة الذين يرون أن كل ذلك مجرد خدعة كبيرة، وأن لا شيء يستحق الاهتمام.. وهم يؤكدون أن الأحكام مثل تلك الصادرة في لوس أنجلوس لن تعاقب فقط شركات التقنية الكبرى مثل ميتا وغوغل، بل ستعوق أيضاً الابتكارات المستقبلية في مجال الذكاء الاصطناعي، والتي قد تسهم يوماً في علاج كل شيء من نزلات البرد إلى السرطان.

ولكن كل هذا يغفل النقطة الأكبر.

نجحت قضية كالي جي. إم لأنها كانت طفلة في وقت الحادث، وأثبت محاموها أن شركات التقنية الكبرى استهدفت منتجاتها لتكون إدمانية للأطفال عمداً. كما قال محامي المدعية: “هم كانوا يعلمون. استهدفوا الأطفال”.

وكل والد في أمريكا يعرف هذا جيداً، لأن كل والد يعيش هذه الحقيقة يومياً. وليس الآباء فقط، بل كل البالغين.

هل هناك من يقرأ هذا المقال ويعتقد أنه بحاجة لقضاء وقت أطول على وسائل التواصل الاجتماعي؟ هل يقرأ أي شخص كتباً طويلة أكثر مما كان يقرأ قبل عقد من الزمن؟ أشك في ذلك، وجميع الأبحاث تؤكد هذه الحقيقة. إذا كنا صادقين مع أنفسنا، فإن معظمنا مدمن على هواتفه وأجهزته، أو على الأقل لدينا علاقة غير صحية معها.

كلنا شهدنا صديقاً ينغمس فجأة في هاتفه، أو يكتشف أثناء حديث كان يمكن أن يكون عادياً أن هناك إشعاراً جديداً، وأن شخصاً ما يعرض علينا فيديو كان يمكنه في الماضي وصفه لنا بالكلمات.

الكثير منا، الذين نشأوا في عالم قبل وسائل التواصل الاجتماعي، وقعوا في هذا “الخرّاج”، نفتح إنستغرام لنجد أن دقائق -وأحياناً ساعات- قد انقضت.. الشيء الذي بدأنا البحث عنه يقودنا إلى صورة لوجهة عطلات جميلة، قطة تفعل شيئاً مضحكاً، أو ميركات يُدرب في المنزل.

بالطبع نعلم أن منصات مثل يوتيوب مصممة لجذبنا.. فهي تقترح علينا مقاطع الفيديو استناداً إلى ما يعرفه الخوارزم من اهتماماتنا. حيث كان من الممكن أن نشاهد فيلماً أو وثائقياً، يمكن أن تضيع أمسيات كاملة الآن في التنقل بين مقاطع قصيرة مقترحة، وهذا ليس فقط بالنسبة للبالغين.

والأمر الأصعب بالنسبة للأطفال؛ إذا كان البالغون يجدون صعوبة، فتخيلوا الوضع بالنسبة لأولئك الذين لم يعرفوا عالماً من دون الإنترنت.. كل الأبحاث تشير إلى أن ما نجده نحن بالغين إدمانياً، يعد بالنسبة للدماغ النامي مادة شديدة الخطورة.

أجهزة مثل الآيفون جلبت فوائد كبيرة، لكن كما أظهرت أبحاث جوناثان هايدت وآخرين، فإن هذه الأجهزة التي يحملها معظم المراهقين اليوم تحمل سموماً نفسية عميقة.

بالنسبة للشباب، والمراهقين على وجه الخصوص، الطريقة التي تجبرهم فيها هذه المنصات على مقارنة أنفسهم ليس فقط بأقرانهم، بل بالعالم كله، يمكن أن تكون مدمرة للروح فعلياً.

إن منصات مثل إنستغرام مدمرة بشكل خاص، والدليل على ذلك قاطع.. بل إن العاملين في مجال التقنية هم غالباً أولياء الأمور الأكثر حرصاً على تحديد استخدام أطفالهم لهذه المنصات.

كمجتمع، لم نبدأ بعد في معالجة هذه المشكلة بجدية.. تطورت التكنولوجيا بسرعة كبيرة، فلا عجب أن الآباء والمشرعين يجدون صعوبة في مواكبتها.

يقارن البعض هذا بما فعلته شركات التبغ الكبرى سابقاً، ولكن حتى في ذلك الوقت، كانت هناك قواعد حول بيع التبغ للأطفال قبل معرفة كل المخاطر الصحية.

هناك حاجة حقيقية للاعتراف بالضرر الذي تسببه هذه المنصات، خاصة للأطفال.. المشكلة تكمن في تمرير المسؤولية؛ الشركات تقول إنها تقدم منتجاً فقط، والبالغون والآباء يلومون بعضهم بعضاً، ثم يعود الجميع لإلقاء اللوم على شركات التقنية.

لا يمكن أن ننتظر من محكمة واحدة أو قضية واحدة أن تحل كل شيء. نعم، على شركات التقنية تحمل المزيد من المسؤولية، وعلى المشرعين إدراك أن القوانين الحالية مثل “القسم 230” غير كافية.

ولكن في النهاية، الحل يكمن بين أيدينا جميعاً.. وإذا كنتم تشككون، فبعد إنهاء هذه الجملة، لاحظوا إلى أين تقودكم أصابعكم على الهاتف.

 

نقلاً عن نيويورك بوست