مع دخول الحرب بين إسرائيل والولايات المتحدة وإيران أسبوعها الرابع، تراقب العواصم الأوروبية بقلق متزايد التداعيات الإنسانية المتسارعة داخل إيران، وسط مخاوف من أن يتحول النزوح الداخلي الواسع إلى موجة لجوء عابرة للحدود تعيد إلى الواجهة هواجس أزمة 2015.
وحتى الآن، لا تشير المعطيات إلى تدفقات كبيرة نحو أوروبا، لكن التحذيرات الأوروبية تزداد مع اتساع حجم النزوح داخل إيران، وتفاقم الضغوط على الدول المجاورة، واقتراب الاتحاد الأوروبي من تطبيق قواعده الجديدة الخاصة بالهجرة واللجوء.
وقالت المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين، إن ما يصل إلى 3.2 مليون شخص نزحوا مؤقتًا داخل إيران منذ تصاعد الأعمال القتالية، ومعظمهم فرّ من طهران ومدن رئيسية أخرى نحو شمال البلاد والمناطق الريفية بحثًا عن الأمان.
وحذرت المفوضية من أن استمرار الحرب قد يضغط على قدرات الاستجابة الإنسانية داخل البلاد وفي الإقليم، في وقت تستضيف فيه المنطقة أصلًا أعدادًا كبيرة من اللاجئين والنازحين.
بلد استضافة للاجئين
ولا تعد إيران بلد نزوح داخلي فقط، بل هي كذلك هي بلد استضافة للاجئين، فبحسب بيانات المفوضية السامية، يعيش في إيران نحو 800 ألف لاجئ مسجل، بينهم نحو 780 ألف أفغاني و20 ألف عراقي، إضافة إلى تقديرات بوجود نحو مليوني أفغاني غير موثقين.
وداخل أوروبا، ترتبط المخاوف ليس فقط بحجم النزوح، بل بما قد يترتب عليه سياسيًا، فالمستشار الألماني فريدريش ميرتس حذر في 6 مارس من أن انهيار الاقتصاد الإيراني قد يفضي إلى هجرة غير مسيطر عليها نحو أوروبا.
وقال إن “مثل هذه السيناريوهات قد تكون لها عواقب بعيدة المدى على أوروبا”، في إشارة واضحة إلى أن برلين ترى في تدهور الوضع الإيراني تهديدًا أمنيًا وإنسانيًا داخليًا أيضًا، لا مجرد أزمة خارجية.
دعوة لخفض التصعيد
لكن حتى الآن، لا يبدو أن الاتحاد الأوروبي يتعامل مع هذا الاحتمال بوصفه موجة وشيكة بقدر ما يتعامل معه بوصفه خطرًا يجب احتواؤه مبكرًا.
وشددت مسؤولة السياسة الخارجية في الاتحاد كايا كالاس على ضرورة إنهاء الحرب، وقالت إن الاتحاد يجري مشاورات مع دول إقليمية بينها دول خليجية والأردن ومصر لبحث مخارج دبلوماسية.
وتنظر أوروبا إلى الأزمة الإيرانية اليوم من زاويتين متلازمتين: زاوية أمن الطاقة والملاحة، وزاوية الاحتواء الإنساني قبل أن يتحول النزوح إلى ملف حدودي أوروبي.
ومع ذلك، يبقى العامل الإقليمي هو الحاسم، فالمفوضية السامية لشؤون اللاجئين حذرت من أن تصاعد الحرب منذ 28 فبراير 2026 يزيد الضغط على القدرات الإنسانية والمجتمعات المضيفة في المنطقة، ويرفع مخاطر النزوح الداخلي والخروج عبر الحدود والحركات اللاحقة نحو دول الجوار.
ونبهت إلى خطر متزايد يتعلق بتسارع عودة الأفغان من دول الجوار في ظروف غير مواتية، وهو ما قد يفاقم عدم الاستقرار الإقليمي بدل أن يخفف العبء.
ميثاق الهجرة واللجوء الجديد
ومن جانبه، يستعد الاتحاد الأوروبي لتطبيق ميثاق الهجرة واللجوء الجديد، الذي يفترض أن يبدأ العمل بمعظم قواعده في 12 يونيو 2026، ويتضمن الميثاق إجراءات تهدف إلى تسريع البت في الطلبات، وتشديد العمل بمفاهيم مثل “البلد الثالث الآمن” و“الدول الآمنة الأصل”، بما يسمح برد بعض الطلبات أو تحويلها إلى دول عبور أو دول تعتبر آمنة وفق المعايير الأوروبية.
وقد منح مجلس الاتحاد الأوروبي الضوء الأخضر النهائي لهذه التدابير في فبراير، بينما أقر البرلمان الأوروبي تعديلات مرتبطة بإجراءات أسرع في ملفات اللجوء، غير أن منظمات حقوقية أوروبية حذرت من أن توسيع هذه المفاهيم قد يتم على حساب ضمانات الحماية الفردية لطالبي اللجوء.
سيناريو مطابق للأزمة السورية
وتبقى المقارنة مع عام 2015 حاضرة بقوة في الخطاب الأوروبي، ليس لأن السيناريو الإيراني مطابق للأزمة السورية، بل لأن الذاكرة السياسية الأوروبية ما زالت مشبعة بتداعيات تلك المرحلة.. انقسامات داخل الاتحاد، صعود أحزاب اليمين المتشدد، وتحوّل ملف اللجوء إلى أحد أكثر ملفات السياسة الداخلية حساسية.
لذلك، فإن الخوف الأوروبي الحالي لا يتعلق فقط بعدد الوافدين المحتملين، بل أيضًا بسرعة التحول من نزوح داخلي إلى عبور خارجي، وبمدى جاهزية دول الجوار والاتحاد معًا للاستجابة قبل أن تتدحرج الأزمة.
هذا استنتاج تدعمه تحذيرات UNHCR من الضغط الإقليمي، وتحذيرات قادة أوروبيين من أن انهيار إيران سيحمل تبعات تتجاوز الشرق الأوسط نفسه.
اختبار إنساني وسياسي ثقيل
في المحصلة، لا تبدو أوروبا حتى الآن أمام موجة لجوء إيرانية كبرى على حدودها، لكنها تتابع الحرب باعتبارها أزمة قد تتحول سريعًا إلى اختبار إنساني وسياسي ثقيل.
فوجود 3.2 مليون نازح داخليًا في إيران، إلى جانب استضافة البلاد مئات آلاف اللاجئين المسجلين وملايين الأفغان غير الموثقين، يجعل أي تدهور إضافي عاملًا قابلًا لإنتاج تحركات بشرية أوسع.
ومع اقتراب دخول ميثاق اللجوء الأوروبي الجديد حيّز التنفيذ في 12 يونيو 2026، قد تصبح الحرب في إيران أول امتحان حقيقي لقدرة أوروبا على التوفيق بين الردع الحدودي والالتزامات الإنسانية.
