منصة راصدة تحليلية لقضايا حقوق الإنسان

منصة راصدة تحليلية لقضايا حقوق الإنسان

قادة الشركات يفرّون من نتائج الأجندات اليسارية التي دعموها

22 مارس 2026

توم كارتر

لسنوات طويلة، ظلّ سياسيون يساريون راديكاليون يؤكدون أن الشركات الأمريكية الكبرى بحاجة إلى مزيد من التنظيم، وضرائب عليا، ودور أوسع في دعم القضايا السياسية. ولم يتردد كبار التنفيذيين في تبنّي تلك التوجهات الرائجة، من التعهدات المناخية إلى سياسات التنوع والإنصاف والشمول، بل وذهب بعضهم إلى حدّ إلقاء المحاضرات على العملاء والمستثمرين الذين شكّلوا أساس نجاح شركاتهم.

لكن اليوم، يلوح تحول لافت في الأفق. ففي مختلف أنحاء البلاد، تغادر الشركات وقادتها ولايات ذات توجه ديمقراطي قوي مثل كاليفورنيا، متجهة إلى ولايات مثل فلوريدا وتكساس. الأسباب ليست معقدة: ضرائب مرتفعة، تنظيمات صارمة، ارتفاع معدلات الجريمة، وإدارة مسيّسة تدفع الأعمال إلى الرحيل عن بيئات كانوا يوماً ما يدّعون دعمها.

حتى الشركات والمديرون التنفيذيون الذين تبنّوا سابقاً خطاباً تقدمياً، بدؤوا يكتشفون أن الأيديولوجيا ليست استراتيجية ناجحة للأعمال.

لنأخذ مثال هوارد شولتز، القائد السابق لشركة ستاربكس. فقد أعلن مؤخراً أنه، بعد أكثر من أربعة عقود في ولاية واشنطن، قرر الانتقال مع زوجته إلى فلوريدا، مع دخولهما ما وصفه بـمرحلة التقاعد. وجاء هذا القرار في توقيت لافت، إذ يناقش مشرّعو الولاية فرض ما يُعرف بـضريبة أصحاب الملايين التي تستهدف أصحاب الدخل المرتفع. ورغم أن شولتز لم يربط صراحة بين انتقاله وهذه الضريبة، فإن التزامن يعكس اتجاهاً أوسع: عندما تتجه الولايات إلى سياسات ضريبية عقابية، فإن رأس المال والكفاءات يبحثان عن بدائل.

وفي المقابل، لا تفرض فلوريدا ضريبة دخل على مستوى الولاية، وهو فارق بات يصعب تجاهله.

وليس شولتز حالة استثنائية. فعدد متزايد من الشركات الكبرى وكبار التنفيذيين يتركون بيئات السياسات الزرقاء، متجهين نحو اقتصادات حمراء تركز على النمو والاستقرار والوضوح التنظيمي.

شركة بالانتير تكنولوجيز مثال بارز، إذ نقلت مقرها الرئيسي من دنفر إلى ميامي في وقت سابق من هذا العام، لتنضم إلى قائمة متنامية من الشركات التي تغادر مدناً أصبحت، في نظرها، أقل ترحيباً بالأعمال.

كما قامت شركات أخرى بخطوات مماثلة في السنوات الأخيرة. فقد نقلت شيفرون مقرها من كاليفورنيا إلى تكساس، وانتقلت تسلا من وادي السيليكون إلى أوستن، في حين نقلت سبيس إكس جزءاً كبيراً من عملياتها إلى تكساس أيضاً.

هذه ليست مجرد تحركات هامشية، بل تعكس استثمارات بمليارات الدولارات، وآلاف الوظائف ذات الأجور المرتفعة التي غادرت ولايات مثل كاليفورنيا.

الدرس الكامن خلف هذه التحولات يبدو بسيطاً: للسياسات التقدمية تبعات.

لفترة طويلة، افترضت الولايات التقدمية أن الشركات ستتحمل أي مستوى من الضرائب أو القيود التنظيمية، خاصة أن كثيراً من قادتها كانوا يعلنون دعمهم العلني لهذه السياسات. لكن عندما تبدأ تلك السياسات بالتأثير الفعلي في الأرباح، وقرارات الاستثمار، وأنماط حياة التنفيذيين، تتغير الحسابات سريعاً.

فالأسواق تفرض انضباطها. ويتجلى ذلك بوضوح عند مقارنة ولايات مثل كاليفورنيا وواشنطن بولايات أخرى مثل فلوريدا وتكساس التي تبنّت سياسات داعمة للنمو.

في ظل قيادة حاكم فلوريدا رون ديسانتيس، نجحت الولاية في بناء واحدة من أكثر البيئات جذباً للأعمال في الولايات المتحدة، من خلال ضرائب منخفضة، وتنظيمات واضحة، ومواقف حازمة تجاه تسييس إدارة الشركات. ونتيجة لذلك، أصبحت فلوريدا من أبرز المستفيدين من موجة انتقال الشركات.

ولا يقتصر الأمر على نقل المقرات فقط، بل يمتد إلى انتقال العائلات، ورؤوس الأموال، وخطط الاستثمار طويلة الأجل.

المفارقة هنا يصعب تجاهلها، فالعديد من الشركات التي تغادر اليوم، كانت في السابق من أبرز الداعمين للأجندات السياسية التي أسهمت في تشكيل هذه البيئات التنظيمية. وقد أمضى قادة الشركات العقد الماضي في تبنّي النشاط السياسي، والاصطفاف إلى جانب قضايا ومشرّعين تقدميين.

لكن حين بدأت تلك السياسات نفسها في رفع الضرائب، وتوسيع القيود، وخلق بيئات أقل ملاءمة للأعمال، أعاد هؤلاء القادة اكتشاف قيمة الحرية الاقتصادية.

طالما حذرنا من أن انخراط الشركات في النشاط السياسي ينطوي على مخاطر حقيقية. فعندما تعطي الشركات الأولوية للرسائل السياسية على حساب مهمتها الأساسية -تقديم القيمة للمُسهمين- فإنها تقوّض أسس اقتصاد السوق السليم.

الأسواق تكافئ الانضباط، وتعاقب التجارب الأيديولوجية. والشركات التي تنشغل بإدارة الخطاب السياسي أكثر من خدمة عملائها، تخسر في النهاية ثقة المستثمرين وميزتها التنافسية.

إن موجة انتقال الشركات من الولايات الزرقاء إلى الحمراء تذكير واضح بحقيقة اقتصادية بسيطة: الأعمال تذهب إلى حيث تجد الترحيب.

وإذا أراد صانعو السياسات في كاليفورنيا وغيرها من الولايات عكس هذا الاتجاه، فعليهم إعادة النظر في السياسات التي تدفع الشركات إلى المغادرة.

وحتى يحدث ذلك، سيستمر النزوح. ومع كل مدير تنفيذي ينتقل، وكل مقر شركة يُنقل جنوباً، تصبح الرسالة أكثر وضوحاً: في نهاية المطاف، لا تزال الحقائق الاقتصادية هي الحَكَم.

 

نقلاً عن نيويورك بوست