مع حلول موسم البرد في بعض مناطق القارة الإفريقية وحين تبدل الفصول في أجزاء من إفريقيا المدارية، تخرج في صمتٍ أوبئة لا تعرف إعلاما ولا عناوين رئيسية، لتُخلف وراءها أرواحًا لا تُحصى، وتطرح سؤالاً موجعًا عمن يحمي إفريقيا عندما ترتع فيها فيروسات الشتاء؟
وبين فيروسات الإنفلونزا الموسمية، والالتهابات الرئوية، والأوبئة التنفسية، يتجرع الأطفال دون الخامسة، والنساء الحوامل، وكبار السن، والمصابون بالأمراض المزمنة وضعف المناعة، مرارة الإصابات التي قد تصل بهم إلى الموت.
وتُعد فيروسات الإنفلونزا نواقل مهمة للأمراض التنفسية، وتمثل أشكال العدوى التنفسية الحادة مثل الالتهاب الرئوي سبباً رئيسياً للوفاة في إفريقيا، إذ تقدر منظمة الصحة العالمية أن الأنفلونزا الموسمية تودي بحياة 290 إلى 600 ألف حالة وفاة سنويًا في العالم.
وتعيش ملايين العائلات في العديد من الدول الإفريقية بأقل من دولارين في اليوم، حيث يعانون من سوء التغذية -خاصة بين الأطفال- ما يتسبب في ضعف المناعة ويجعل العدوى تنقلب إلى موت، وسجلت منظمة الصحة العالمية 26.3 مليون إصابة بفيروس نقص المناعة “الإيدز”، والذين يمثلون ثلثا المصابين عالمياً.
كما تم تسجيل 124 حالة مؤكدة بالحمى الصفراء في إفريقيا خلال 2024 واستمر الخطر في 2025، وذلك بالتوازي مع تدهور البنية الصحية ونقص الأطباء، وندرة الأدوية، غياب لقاحات الإنفلونزا الموسمية أو ضعف التلقيح، وبُعد المراكز الصحية عن المناطق الريفية.
كما أن تداعيات تغير المناخ والفصول غير المنتظمة، وهطول الأمطار الغزيرة ثم الجفاف، والبرودة المفاجئة تجعل الأجساد المنهكة أكثر عرضة للإصابة بالفيروسات، ووثقت منظمة الصحة العالمية 2.8 – 16.5 وفاة لكل 100 ألف شخص بسبب الإنفلونزا في إفريقيا.
ولمواجهة خطر انتشار الفيروسات، تحتاج القارة الإفريقية إلى أنظمة صحية قوية، وتوافر اللقاحات الموسمية لإنقاذ الأطفال والأمهات والمرضى المزمنين، إضافة إلى التوعية المجتمعية بأهمية التهوية والتدفئة والوقاية والنظافة، إلى جانب توافر دعم دولي وتمويل إنساني لتقديم المساعدات العاجلة والشاملة لمواجهة تداعيات الفقر وتغير المناخ والهشاشة الصحية.
وتنهش فيروسات الشتاء، القارة الإفريقية التي أرهقها الفقر والجوع والنزاعات في صمت قاتل، لتكشف أرقام الوفيات عن بيوت منهارة وأحلام ضائعة ووجع إنساني يواجهه العالم بصمت مدقع.
هشاشة صحية ودعم انتقائي
من أديس أبابا، المدينة التي أنهكها الشتاء الأخير وسحبت عليها الفيروسات أثقالها، تحدث الخبير الإثيوبي في الشؤون الإفريقية، أنور إبراهيم مستدعيًا المشهد البائس للواقع الصحي الهش الذي يترك القارة السمراء مكشوفة أمام موجات المرض، ويصنع كل عام ضحايا جدداً في إفريقيا.
ويقول إبراهيم لـ“صفر”، إن إفريقيا، رغم فقرها وقلة إمكانياتها، تجد نفسها دائمًا في الواجهة حين تتفشى الأمراض القادمة من خارج حدودها، إذ تدخل الأوبئة إليها بسهولة، ثم تتحمل وحدها عبء الخسائر، بينما يقف الدعم الدولي بعيدًا وخافتًا، لا يقترب إلا بعد فوات الأوان.
ويستحضر تجربة جائحة كورونا باعتبارها مثالًا صارخًا بقوله: “حين ظهر الفيروس في دول أخرى، تحرك العالم سريعًا بحملات الوقاية واللقاحات، بينما بقيت إفريقيا آخر قارة تمتد إليها يد المساعدة، وأشدها انتظارًا للقاح والمضادات، وهذا بحد ذاته مأساة لقارة إمكانياتها ضعيفة مقارنة بالغرب”.
أما عن الأمراض التي تنشأ داخل القارة مثل “إيبولا” واليوم “ماربورغ”، فيشير إبراهيم بأسف شديد إلى النظرة الغربية التي تختزل الأفارقة باعتبارهم “مصدر الأوبئة”، رغم أن التاريخ يُظهر أن كثيرًا من الأمراض التي ضربت القارة جرى تصديرها إليها من أماكن أخرى في العالم.
وينتقد الخبير الإثيوبي تقاعس المجتمع الدولي عن التحرك في الوقت المناسب، مضيفاً: “الجهود لا تظهر إلا بعد أن يفتك المرض بنصف السكان في المناطق المنكوبة. إفريقيا تحتاج لحراك حقيقي، لا لبيانات تعاطف أو تقارير رصد”.
ورغم أن الإنسان الإفريقي يعيش في بيئة أكثر طبيعية ويتغذى على طعام أقل جودة في التصنيع، فإن التحديات الصحية، كما يقول، تكبر وتتراكم، فالقارة بحاجة إلى دعم مستمر وتحركات واسعة، خصوصاً في مواسم البرد حين يصبح الفقراء أكثر هشاشة أمام الأمراض.
ويضيف إبراهيم بأسى، أن “إفريقيا تقدم للعالم شبابها ومعادنها وغذاءها ومواردها، وتغذي قارات أخرى بثرواتها، لكنها حين تحتاج إلى العون الصحي تُترك وحيدة، آخر من يتلقى الدعم، وأول من يدفع ثمن التأخير، حيث يموت من يموت، ويبقى من يبقى”.
ويختتم حديثه، قائلاً: “إفريقيا تحتاج إلى دعم حقيقي ووقفات دولية جادة، فالإنسان الإفريقي حين يواجه هذه الأمراض يكون معرضاً لفقدان حياته بسهولة”.
الأكثر عرضة للخطر
فيما وجه أستاذ علم الفيروسات في فرنسا والخبير السابق بمنظمة الصحة العالمية، يحيي عبد المكي، نداءً ملحًا إلى منظمة الصحة العالمية واليونيسف والتحالف العالمي للقاحات، والدول الغنية في أوروبا وآسيا والخليج، داعياً إياهم إلى تقديم دعم مالي عاجل لتوفير اللقاحات وتوزيعها بعدالة على سكان إفريقيا، قبل أن تتفاقم الكارثة في قارة لا تملك ترف الانتظار.
وفي حديثه لـ“صفر”، شدد عبد المكي على أن إفريقيا اليوم هي المنطقة الأكثر عرضة للخطر، موضحًا أن ملايين البشر يدفعون حياتهم ثمنًا للفيروسات، خصوصًا في الشتاء القارس الذي يزيد من هشاشة الفقراء ويضاعف انتشار الأمراض التنفسية.
ويحذر الخبير من أن الأسابيع الأخيرة كشفت عن بداية موسم مقلق، حيث تتسارع العدوى وتتشابك الفيروسات في موجة جديدة من الأمراض، تختلف شدتها من عام لآخر، لكنها هذا العام تبدو أسرع انتشارًا وأكثر ضراوة.
وأشار عبد المكي إلى أن الفيروس المخلوي التنفسي (RSV) عاد ليصيب الأطفال وكبار السن بقوة، في وقت يتزامن فيه مع موجة جديدة من فيروس كوفيد-19، لكن الخطر الأكبر، كما يوضح، يكمن في فيروس الإنفلونزا، وخصوصاً السلالة (A – H3N2)، التي وصفها بأنها “طفرة عنيفة وصعبة جداً”، قادرة على التسبب في التهابات حادة لدى الأطفال وكبار السن وحتى الفئات العمرية المتوسطة، وقد تؤدي إلى دخول العناية المركزة أو تتسبب في الوفاة.
ولم يقتصر القلق على الفيروسات البشرية، إذ لفت عبد المكي إلى انتشار إنفلونزا الطيور (H5N5) في أوروبا، تزامنًا مع موسم هجرة الطيور القادمة من روسيا وسيبيريا نحو إفريقيا وأوروبا، إذ نفقت ملايين الطيور في غابات وجبال دول مثل فرنسا وألمانيا وبريطانيا وشمال أوروبا، إضافة إلى الولايات المتحدة التي سجلت وفاة حديثة بسبب هذا النوع من الإنفلونزا.
وفي ظل هذا الشتاء القاسي، دعا عبد المكي إلى ضرورة التلقيح العاجل، موجهًا نداءً إلى السلطات الصحية والمستشفيات والمراكز الطبية في إفريقيا لتطعيم الفئات الأكثر عرضة للخطر مثل كبار السن والأطفال وأصحاب الأمراض المزمنة مثل سرطان الدم وأمراض القلب والسكري وارتفاع الضغط وأمراض المناعة الذاتية، إضافة إلى مرضى زراعة الأعضاء الذين يعانون ضعفًا شديدًا في المناعة.
وطالب بضرورة تطعيم الكوادر الطبية من أطباء وممرضين، مستشهدًا بتجارب دول مثل ألمانيا التي تلزم طواقمها الصحية بلقاح الإنفلونزا، وفرنسا التي تفرض التطعيم لحماية العاملين في المستشفيات.
وفي ختام حديثه، أعرب عبد المكي عن أمله بأن تمر هذه العاصفة بأقل الخسائر الممكنة، وأن يخفف الله وطأة هذا الوباء عن سكان العالم، قائلاً: “نتمنى الصحة والعافية للجميع، وأن ينال كل إنسان حقه في الحماية والتلقيح أينما كان”.
ومع حلول فصل الشتاء، تبدو إفريقيا كأنها تقف وحدها في مواجهة برد قارس لا يرحم، إذ تقف ملايين الأمهات ينتظرن بصمت أن ينجو أطفالهن من عدوى مفاجئة، ومسنون يلتقطون أنفاسهم في بيوت بلا تدفئة ولا دواء، ومستشفيات متهالكة وقرى نائية لا يصلها إلا القليل، تتراكم الأسئلة الكبيرة التي لم تجد لها إجابة بعد: كيف ستنجو القارة الأفقر من مواجهة أكثر الفيروسات ضراوة بموارد معدمة؟
وتُظهر المؤشرات الصحية أن القارة الإفريقية تدخل كل عام موسمًا شتويًا عالي الخطورة، إذ تتزايد خلاله معدلات الإصابة بالفيروسات التنفسية، وعلى رأسها الإنفلونزا الموسمية، والفيروس المخلوي التنفسي (RSV)، وسلالات متجددة من فيروس كورونا، حيث تشير تقارير منظمة الصحة العالمية إلى أن وفيات الأمراض التنفسية في إفريقيا لا تزال أعلى من المتوسط العالمي بسبب ضعف البنية الصحية، ونقص اللقاحات، وغياب الأنظمة الوقائية في كثير من الدول المنخفضة الدخل.
ويتفق الخبراء على أن الاستجابة الفعالة تتطلب تعزيز برامج التلقيح، وتوسيع قدرات الرصد المبكر، ورفع جاهزية المنشآت الصحية، إضافة إلى دعم دولي مستدام لتوفير اللقاحات والأدوية والخدمات الوقائية، ووفق التقديرات، فإن تحسين معدلات التلقيح وحده يمكن أن يخفّض الوفيات الناجمة عن الفيروسات الموسمية بنسبة كبيرة، ما يجعل الاستثمار في الوقاية أحد أهم العناصر لضمان مرور شتاء أكثر أمناً في القارة السمراء.
وفي المحصلة، لا تختبر فيروسات الشتاء قدرة الأجساد الضعيفة فقط، بل تختبر متانة الأنظمة الصحية، وعدالة توزيع اللقاحات، وجاهزية العالم للتعامل مع الأزمات قبل انفجارها. فالقارة الإفريقية لا تواجه الفيروسات وحدها، بل تواجهها بموارد محدودة في بيئة مناخية واقتصادية ضاغطة، وبين الوقاية المتاحة والتمويل الغائب، يبقى الاستثمار في البنية الصحية،وتعزيز برامج التلقيح الخيار الأكثر كلفة اليوم، لكنه الأقل كلفة غدا.

