كشفت تطورات ميدانية حديثة عن ثغرات واضحة في اتفاق الإعادة بين المملكة المتحدة وفرنسا المعروف بصيغة “واحد مقابل واحد”، بعدما تمكن أربعة مهاجرين تم ترحيلهم إلى فرنسا خلال الأسبوعين الماضيين من العودة مجددا إلى الأراضي البريطانية عبر شاحنات نقل، في مؤشر يعكس محدودية فاعلية الإجراءات الحالية في ضبط الهجرة غير النظامية.
بحسب معلومات نشرتها صحيفة الغارديان البريطانية مؤخراً، وصل اثنان من المهاجرين إلى بريطانيا على متن شاحنتين منفصلتين في الخامس والسابع من مارس الجاري، فيما دخل الآخران عبر شاحنة كبيرة يعتقد أنها مرتبطة بشبكة تهريب منظمة، وأشارت المصادر إلى أن اثنين منهم أوقفوا لاحقا من قبل السلطات البريطانية، بينما لا يزال الآخران داخل البلاد دون وضع قانوني واضح.
تصاعد دور شبكات التهريب
تعكس هذه الحوادث عودة تدريجية لاستخدام الشاحنات كوسيلة لعبور القنال الإنجليزي، بعد سنوات من تراجعها لصالح القوارب الصغيرة، وتشير إفادات طالبي لجوء إلى أن شبكات تهريب البشر بدأت مجددا الترويج لهذه الوسيلة رغم ارتفاع تكلفتها التي تصل إلى ثلاثة أو أربعة أضعاف تكلفة العبور عبر القوارب، ما يدل على مرونة هذه الشبكات وقدرتها على التكيف مع الإجراءات الأمنية.
وتسلط شهادات المهاجرين الضوء على أبعاد إنسانية مقلقة، حيث أفاد أحد المحتجزين بأنه تعرض للإجبار من قبل مهربين على العودة إلى بريطانيا عبر شاحنة بعد العثور عليه قرب ملجأ في باريس، مشيرا إلى أن هذه الشبكات تسيطر بشكل كامل على مسارات الهجرة وتستخدم وسائل تهديد وعنف، كما تحدث مهاجر آخر عن تعرضه للاختطاف وإجباره على العبور مجددا رغم رغبته في تسوية وضعه القانوني، مؤكدا أن غياب الأمان يدفعه للمخاطرة.
أرقام تعكس حجم الأزمة
تعكس البيانات الرسمية لعام 2025 اتساع أزمة الهجرة عبر القنال الإنجليزي “المانش” بشكل لافت، حيث سجلت المملكة المتحدة وصول 41472 مهاجراً عبر القوارب الصغيرة خلال العام، وهو ثاني أعلى رقم منذ بدء توثيق هذه الظاهرة، بزيادة بلغت 13 بالمئة مقارنة بعام 2024 الذي سجل 36816 حالة عبور، كما أظهرت إحصاءات البرلمان البريطاني أن وتيرة العبور تسارعت بشكل كبير خلال النصف الأول من العام بنسبة وصلت إلى 48 بالمئة مقارنة بالفترة نفسها من العام السابق، في حين تجاوز إجمالي طلبات اللجوء 110 آلاف طلب خلال الفترة ذاتها، ما يعكس ضغطاً غير مسبوق على منظومة اللجوء.
وتشير بيانات وزارة الداخلية البريطانية إلى أن 86 بالمئة من إجمالي الدخول غير النظامي إلى البلاد تم عبر القوارب الصغيرة، بمتوسط بلغ 54 شخصاً في القارب الواحد، وهو ارتفاع واضح مقارنة بالسنوات السابقة، بما يعكس لجوء شبكات التهريب إلى تكثيف الأعداد داخل الرحلات لزيادة الأرباح وتقليل المخاطر التشغيلية، كما تؤكد تقارير رسمية أن أكثر من 95 بالمئة من الوافدين عبر هذا المسار تقدموا بطلبات لجوء فور وصولهم، في حين تظل نسبة كبيرة منهم بانتظار البت في ملفاتهم، ما يفاقم التحديات الإدارية والإنسانية على حد سواء.
تداعيات إنسانية وانتقادات حقوقية
تؤكد منظمات حقوقية دولية، من بينها منظمة العفو الدولية، أن السياسات القائمة على الردع تؤدي إلى نتائج عكسية، إذ تدفع المهاجرين إلى الاعتماد بشكل أكبر على شبكات التهريب، ما يزيد من تعرضهم للاستغلال والعنف، وتعد عمليات الإعادة السريعة، دون توفير بدائل قانونية آمنة، عاملا رئيسيا في استمرار هذه الدائرة، حيث يجد المهاجرون أنفسهم عالقين بين محاولات العبور والفشل والإعادة.
في هذا السياق، دعا ستيف فالدز سيموندز، مدير برنامج حقوق اللاجئين والمهاجرين في منظمة العفو الدولية في بريطانيا، إلى التخلي عن اتفاق واحد مقابل واحد، معتبرا أنه يعزز نفوذ المهربين بدلا من الحد منه، وأكد أن غياب تقاسم فعلي للمسؤولية بين الدول الأوروبية يؤدي إلى استمرار ما وصفه بالوضع البائس الذي يعيشه اللاجئون.
موقف رسمي بريطاني
في المقابل، تؤكد الحكومة البريطانية أن التعاون مع فرنسا يمثل ركيزة أساسية للحد من الهجرة غير النظامية، مشيرة إلى أن الاتفاق الحالي يهدف إلى تقليص أعداد الوافدين عبر القوارب الصغيرة، وأوضح متحدث باسم وزارة الداخلية أن السلطات تعتمد على بيانات المهاجرين لتحديد هوياتهم بسرعة وإعادتهم، مؤكدا أن من يحاول العودة سيتم احتجازه وترحيله مجددا.
تحولات في طرق الهجرة
قبل عام 2018، كانت الشاحنات الوسيلة الرئيسية لعبور طالبي اللجوء إلى المملكة المتحدة، إلا أن تشديد الرقابة في شمال فرنسا دفع المهربين إلى استخدام القوارب الصغيرة، واليوم، تشير التطورات الأخيرة إلى عودة تدريجية للوسائل التقليدية، ما يعكس ديناميكية مستمرة في طرق الهجرة غير النظامية تبعا للإجراءات الأمنية المفروضة.
وتشدد منظمات دولية، بينها مفوضية الأمم المتحدة لشؤون اللاجئين، على ضرورة توفير مسارات قانونية وآمنة لطالبي اللجوء، معتبرة أن غياب هذه المسارات يدفع الأفراد إلى المخاطرة بحياتهم. كما تؤكد أن السياسات التي تركز فقط على الردع دون معالجة الأسباب الجذرية للهجرة لن تحقق نتائج مستدامة.
تعود جذور أزمة عبور القنال الإنجليزي (المانش) إلى تصاعد تدفقات الهجرة نحو أوروبا منذ عام 2015، حيث أصبحت بريطانيا وجهة مفضلة للعديد من طالبي اللجوء بسبب الروابط العائلية وفرص العمل، ومع خروج المملكة المتحدة من الاتحاد الأوروبي، تزايدت التحديات المرتبطة بإدارة هذا الملف، خاصة في ظل غياب اتفاقيات أوروبية ملزمة لإعادة توزيع طالبي اللجوء. وعلى مدى السنوات الماضية، تطورت سياسات الردع بشكل متسارع، إلا أن الأرقام تشير إلى استمرار تدفق المهاجرين، ما يبرز الحاجة إلى مقاربة شاملة تجمع بين الأمن والحماية الإنسانية.
إجراءات ردع متصاعدة
شهدت سياسات الهجرة في كل من بريطانيا وفرنسا خلال عام 2025 تشدداً متزايداً في محاولة للحد من تدفقات الهجرة غير النظامية عبر القنال الإنجليزي “المانش”، حيث اعتمدت الحكومتان نهجاً يقوم على الردع وتعزيز الرقابة الحدودية وتسريع إجراءات الإعادة، ففي المملكة المتحدة، ركزت الحكومة على توسيع صلاحيات الاحتجاز والترحيل، وتفعيل اتفاقات ثنائية لإعادة المهاجرين، إلى جانب تكثيف استخدام المراقبة البيومترية لتتبع الوافدين ومنع تكرار محاولات الدخول، كما عززت من إجراءات التعامل مع القوارب الصغيرة، بالتوازي مع زيادة عدد الدوريات البحرية، وفي المقابل، شددت فرنسا من وجودها الأمني على السواحل الشمالية، خاصة في مناطق مثل كاليه ودنكيرك، حيث تم نشر مزيد من القوات وتوسيع استخدام تقنيات المراقبة، بما في ذلك الطائرات المسيرة وأنظمة الرصد الحراري، لمنع عمليات الانطلاق، وتشير بيانات رسمية بريطانية إلى أن هذا التعاون أسهم في إحباط نحو أربعين ألف محاولة عبور منذ 2023، إلا أن منظمات حقوقية ترى أن هذه السياسات، رغم فعاليتها الجزئية، تدفع المهاجرين إلى البحث عن طرق أكثر خطورة وتعقيداً، ما يعزز دور شبكات التهريب ويزيد من المخاطر الإنسانية المرتبطة بهذه الرحلات.

