أمل العمر
لم تعد أزمات الطاقة في العالم مسألة اقتصادية فحسب، بل أصبحت قضية مرتبطة مباشرة بالحقوق الاقتصادية والاجتماعية التي تكفلها القوانين والمعاهدات الدولية لحقوق الإنسان، وعلى رأسها الحق في مستوى معيشي لائق، والحق في الغذاء والسكن والطاقة والخدمات الأساسية.
فوفق الإعلان العالمي لحقوق الإنسان (المادة 25) والعهد الدولي الخاص بالحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية (المادة 11)، يحق لكل إنسان التمتع بمستوى معيشي كافٍ يضمن له ولأسرته الصحة والرفاه، ومنذلك الغذاء والطاقة والخدمات الأساسية. إلا أن الأزمات العالمية في أسواق الطاقة كثيراً ما تهدد هذه الحقوق، خصوصاً في الدول المستوردة للطاقة أو ذات الاقتصادات الهشة.
وفي هذا السياق، تواجه أسواق الطاقة العالمية واحدة من أكثر الأزمات تقلباً منذ عقود مع استمرار التوترات العسكرية في الشرق الأوسط وتعطل الملاحة في مضيق هرمز، أحد أهم الممرات البحرية لنقل النفط في العالم.
ويمر عبر المضيق نحو 20 مليون برميل من النفط يومياً، أي ما يقارب خُمس الإمدادات النفطية العالمية، ما يجعل أي اضطراب في حركة الشحن قادراً على إحداث صدمة واسعة في الاقتصاد العالمي، تنعكس آثارها مباشرة على تكاليف المعيشة والخدمات الأساسية التي يعتمد عليها ملايين البشر.
ومع دخول المواجهة العسكرية بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة وإيران من جهة أخرى أسبوعها الثالث، تتزايد المخاوف من أن يتحول هذا الممر الحيوي إلى نقطة اختناق دائمة في سوق الطاقة العالمي، وهو ما قد يؤدي إلى موجة تضخم عالمية تضغط على الحقوق الاقتصادية والاجتماعية للفئات الأكثر هشاشة.
تداعيات ارتفاع أسعار النفط على الحق في المعيشة
شهدت أسعار النفط قفزة حادة منذ بداية التصعيد العسكري في الخليج، حيث تجاوز سعر خام برنت مستوى 106 دولارات للبرميل،في حين بلغ خام غرب تكساس الوسيط نحو 100 دولار للبرميل، مسجلين أعلى مستوياتهما منذ عام 2022.
وتشير بيانات الأسواق إلى أن أسعار النفط ارتفعت بأكثر من 40% منذ بداية شهر مارس مدفوعة بالمخاوف من تعطل الإمدادات القادمة من الخليج.
وتشير تقديرات أسواق الطاقة إلى أن استمرار الأزمة قد يدفع الأسعار إلى نطاق يتراوح بين 120 و150 دولاراً للبرميل في حال استمر تعطّل الملاحة في المضيق لعدة أسابيع.
هذه الزيادات لا تبقى محصورة في الأسواق المالية، بل تنتقل بسرعة إلى أسعار النقل والغذاء والكهرباء والسلع الأساسية، ما قد يقوّض قدرة ملايين الأسر على تأمين احتياجاتها الأساسية، وهو ما تعده تقارير الأمم المتحدة تهديداً مباشراً للحقوق الاقتصادية والاجتماعية، خصوصاً في الدول النامية.
وتظهر تحليلات السوق أن كل انخفاض بنسبة 5% في الإمدادات العالمية للنفط قد يؤدي إلى ارتفاع الأسعار بما يتراوح بين 15 و20% خلال فترة قصيرة، ما يعكس هشاشة استقرار الطاقة العالمي وتأثيره المباشر في حياة البشر.
اضطراب الإمدادات يهدد استقرار الحقوق
تعتمد تجارة النفط العالمية بشكل كبير على صادرات الخليج التي تمر عبر مضيق هرمز، إذ تمر عبره صادرات رئيسية من السعودية والعراق والإمارات العربية المتحدة والكويت وقطر.
وتقدّر مؤسسات الطاقة الدولية أن اضطرابات الشحن في المنطقة قد تؤدي إلى انخفاض المعروض العالمي بما يصل إلى 8 ملايين برميل يومياً خلال الأسابيع الحالية، في حين تشير تقديرات أخرى إلى احتمال تراجع الإنتاج في الشرق الأوسط بما يقارب 10 ملايين برميل يومياً نتيجة المخاطر الأمنية التي تواجه منشآت الطاقة.
ويؤدي أي نقص في الإمدادات بهذا الحجم إلى ارتفاع الأسعار العالمية، ما قد يدفع الحكومات إلى تقليص الدعم الاجتماعي أو زيادة الضرائب لتعويض كلفة الطاقة، وهو ما قد ينعكس مباشرة على الفئات الفقيرة ومحدودة الدخل.
محاولة لحماية الاستقرار الاقتصادي والاجتماعي
وفي محاولة لتخفيف الضغط على الأسواق، أعلنت وكالة الطاقة الدولية عن إطلاق سحب طارئ من الاحتياطيات النفطية بلغ 400 مليون برميل في واحدة من كبرى العمليات منذ إنشاء آلية الاحتياطيات الاستراتيجية.
وتقود الولايات المتحدة هذه العملية بإسهامات تصل إلى 172 مليون برميل من احتياطياتها، في حين ستوفر دول في آسيا وأوروبا كميات إضافية لدعم استقرار السوق.
غير أن استمرار الاضطرابات في حركة الشحن أو توسع الضربات العسكرية لتشمل منشآت نفطية إضافية قد يقلل من فعالية هذه الإجراءات في تهدئة الأسواق.
وتشير تقديرات أسواق الطاقة إلى أن المخزونات التجارية العالمية من النفط لا تكفي لتعويض أي تعطّل طويل الأمد في إمدادات الخليج لأكثر من بضعة أشهر.
موجة تضخم عالمية
لا تقتصر تداعيات الأزمة على أسواق النفط فقط، بل تمتد إلى الاقتصاد العالمي كله، إذ يؤدي ارتفاع أسعار الطاقة إلى زيادة تكاليف النقل والشحن والصناعة، ما ينعكس بدوره على أسعار السلع الغذائية والمواد الأساسية.
وتشير تقديرات اقتصادية إلى أن كل ارتفاع بمقدار 10 دولارات في سعر النفط قد يضيف ما بين 0.2 و0.3 نقطة مئوية إلى معدل التضخم العالمي.
كما أن نحو 84% من صادرات النفط التي تمر عبر مضيق هرمز تتجه إلى آسيا، ما يجعل اقتصادات مثل الصين والهند واليابان وكوريا الجنوبية من بين الأكثر تعرضاً لتقلبات الأسعار في حال استمرار الأزمة.
وتحذر تقارير اقتصادية من أن موجات التضخم الناتجة عن ارتفاع الطاقة غالباً ما تؤثر بشكل أكبر في الفئات ذات الدخل المحدود، ما يطرح تحديات كبيرة أمام الحكومات لضمان احترام التزاماتها الدولية في حماية الحقوق الاقتصادية والاجتماعية.
حماية الحقوق الاقتصادية
في المغرب، تثير الأزمة مخاوف متزايدة بشأن تأثير ارتفاع أسعار النفط في الاقتصاد الوطني ومستوى معيشة المواطنين.
ويؤكد الخبير الاقتصادي محمد جدري أن الفرضيات التي اعتمدتها الحكومة المغربية في قانون المالية بُنيت على أساس سعر نفط يقارب 70 دولاراً للبرميل، في حين أن وصول الأسعار إلى حدود 100 دولار قد يشكل ضغطاً إضافياً على المالية العامة.
ويشير جدري إلى أن صندوق المقاصة المخصص لدعم بعض المواد الأساسية يتوفر على اعتمادات تقدر بنحو 13 مليار درهم، ما قد يفرض على الحكومة تعبئة موارد إضافية للحفاظ على استقرار الأسعار.
كما قد تضطر السلطات إلى تقديم دعم إضافي إلى المكتب الوطني للكهرباء والماء الصالح للشرب للحفاظ على استقرار أسعار الكهرباء، إضافة إلى احتمال إعادة تفعيل دعم الغاز لتخفيف الضغط عن قطاع النقل.
التحدي الأكبر
ويرى المحلل الاقتصادي عمر الكتاني أن التحدي الأكبر يتمثل في حماية القدرة الشرائية للفئات الاجتماعية الأكثر هشاشة التي تمثل ما بين 40 و60% من السكان، خصوصاً إذا استمرت الأزمة وارتفعت تكاليف المعيشة.
هشاشة اقتصادية أمام صدمات الطاقة
في لبنان، قد تكون تداعيات ارتفاع أسعار النفط أكثر حدة؛ نظراً لهشاشة الاقتصاد واعتماده الكبير على استيراد الطاقة.
فلبنان يستورد أكثر من 95% من احتياجاته من الوقود والطاقة، ما يجعله شديد الحساسية لأي ارتفاع في الأسعار العالمية.
ومع تجاوز أسعار النفط 100 دولار للبرميل، يتوقع ارتفاع إضافي في أسعار المحروقات والكهرباء، ما قد يؤدي إلى زيادة الضغوط على المالية العامة وارتفاع تكاليف النقل والسلع الأساسية.
كما تواجه دول عربية أخرى تحديات مماثلة، إذ يستورد الأردن أكثر من 90% من احتياجاته من الطاقة، في حين قد يؤدي ارتفاع الأسعار العالمية في مصر إلى زيادة كلفة دعم الطاقة والوقود.
مضيق هرمز.. شريان طاقة عالمي
ويمثل مضيق هرمز أحد أهم نقاط الاختناق في سوق الطاقة العالمي، وتشير تقديرات مؤسسات الطاقة الدولية إلى أن نحو 20 مليون برميل نفط يومياً تمر عبر المضيق، وأن ما يقارب 20% من الاستهلاك العالمي للنفطيعتمد عليه، في حينيمر أكثر من 30% من تجارة النفط المنقولة بحراً عبر هذا الممر.
ويتجه نحو 17 مليون برميل يومياً عبره نحو الأسواق الآسيوية التي تستحوذ على نحو 84% من النفط العابر للمضيق.
ويمر عبره أيضاً نحو 20% من تجارة الغاز الطبيعي المسال عالمياً، معظمها من قطر.
واجبات الدول في حماية الحقوق
في ضوء المعاهدات الدولية لحقوق الإنسان، تتحمل الدول التزاماً قانونياً باتخاذ السياسات الاقتصادية والاجتماعية التي تحمي حقوق المواطنين في مواجهة الأزمات العالمية.
وتشمل هذه الالتزامات حماية الفئات الأكثر ضعفاً من آثار التضخم وارتفاع تكاليف الطاقة، وضمان استمرار الوصول إلى الخدمات الأساسية مثل الكهرباء والنقل والغذاء بأسعار يمكن تحملها.
وفي ظل استمرار التوترات العسكرية في الشرق الأوسط، يبقى استقرار مضيق هرمز عاملاً حاسماً ليس فقط للاقتصاد العالمي، بل أيضاً لحماية الحقوق الاقتصادية والاجتماعية لملايين البشر حول العالم.

