منصة راصدة تحليلية لقضايا حقوق الإنسان

منصة راصدة تحليلية لقضايا
حقوق الإنسان

طفل بلا أب.. وأم في قفص الاتهام

الأمهات العازبات في المغرب.. حياة في الظل وحقوق معلّقة

17 مارس 2026
أمهات عازبات - أرشيف
أمهات عازبات - أرشيف

في زوايا المدن والأسواق والأزقّة الضيقة تتسلل قصص نساء مغربيات حملن في صمت، وحملن أيضًا وصم المجتمع المثقل بالأعراف والتقاليد، هنّ الأمهات العازبات اللائي لم يخترن الواقع الاجتماعي القاسي، بل فُرض عليهن، وتحول حملهن خارج إطار الزواج إلى عبء اجتماعي وقانوني وثقافي لا يقل ثقلًا ووجعًا عن آلام المخاض.

ولا تتوفر إحصاءات رسمية دقيقة حول هذه الظاهرة في المغرب، غير أن تقارير حقوقية تقدر عدد الأمهات غير المتزوجات بنحو 220 ألف سيدة، يتركز نحو 75% منهن في المدن، مقابل 24% في المناطق القروية، في حين يُقدر عدد الأطفال الذين يولدون خارج مؤسسة الزواج بما يتراوح بين 100 و153 طفلًا يوميًا، أي ما يزيد على 50 ألف طفل سنويًا.

وأمام غياب الاعتراف القانوني، فإن عدد الأمهات العازبات في تزايد مستمر، في حين تتعمق مآسي ومشكلات مئات وآلاف الأطفال المتخلى عنهم، مع ما يمثله كل ذلك من آثار جسدية ونفسية في المرأة والطفل، وأيضاً ما يخلفه من مشكلات اجتماعية اقتصادية يتحملها المجتمع المغربي بأكمله.

وفي مجتمع تُعد فيه العلاقات خارج إطار الزواج ممنوعة قانونًا، تعيش الأمهات العازبات في حالة من التهميش المزدوج بين مطرقة الوصمة الاجتماعية وسندان قانون جنائي قد يجرمهن، إذ لا تزال المادة 490 من القانون الجنائي تعاقب ممارسات جنسية خارج الزواج بالسجن، ما يجعل هؤلاء النساء، منذ إعلان حملهن، في موقع المتهمات لا الضحايا.

ولا تقتصر المعاناة عليهن فقط، بل تمتد إلى أطفالهن الذين يُعاملون في كثير من الأحيان بوصفهم أطفالاً غير شرعيين، محرومين من الاعتراف الكامل بالهوية والنسب، ما يؤثر في حقوقهم في التعليم والرعاية الصحية، وحتى في حصولهم على بطاقة هوية رسمية.

وبين أنات وصرخات صامتة تختبئ الأمهات العازبات في المدن البعيدة عن أسرهن، لكي يهربن من الحكم الأسري قبل حكم المجتمع، في حين تلجأ أخريات إلى التخلي عن أطفالهن لإنقاذ حياتهن من الحصار الاجتماعي، كما يتعرض الكثير منهن إلى أزمات نفسية وجسدية، نتيجة شعور دائم بالعار والوصم والنبذ المجتمعي.

ورغم النداءات الحقوقية المتكررة التي تطالب بتعديل مدونة الأسرة وسائر التشريعات لضمان حماية الأمهات العازبات وأطفالهن، يظل التقدم بطيئاً، وغالبًا ما يُواجَه بتحفّظات أو خروج النقاش من دائرة الإصلاح إلى صراع حول القيم والتقاليد الأسرية وأعراف المجتمع.

وبجانب حالة الضعف القانوني يضاف القصور في برامج الدعم الاجتماعي والاقتصادي، ما يجعل تلك الأمهات أكثر عرضة للفقر والبطالة واستغلال العمل غير الرسمي أو غير الآمن في سوق العمل، دون حماية اجتماعية أو شبكة أمان تكفل لهن أجور عادلة وحياة كريمة.

ولم تعد قضية الأمهات العازبات مجرد ملف اجتماعي هامشي يمكن تجاهله تحت غطاء التقاليد، بل تحولت إلى اختبار حقيقي لمدى التزام الدولة والمجتمع بضمان الكرامة الإنسانية والحقوق الأساسية، وفي مقدمتها الحق في الحماية والمساواة والعدالة الاجتماعية، للأمهات وأطفالهن دون تمييز.

أنماط معقدة من التمييز

قدمت الفاعلة المدنية المغربية، آمال الراغ، قراءة للظاهرة بمشرط جراح، كاشفة ازدواجية صارخة بين النص القانوني ونظرة المجتمع، حيث تعيش الأمهات العازبات واقعًا بالغ الصعوبة والتعقيد تحكمه ازدواجية واضحة بين القانون والمجتمع، فعلى المستوى القانوني يتم الاعتراف بالأم وطفلها في حده الأدنى، في حين لا يزال المجتمع ينظر إلى الأم العازبة باعتبارها مذنبة لا ضحية، وهو ما يكرس أشكالًا متعددة من الوصم والإقصاء الاجتماعي.

وأوضحت الراغ، في تصريح لـ“صفر” أن الأمهات العازبات يتعرضن لأنماط متداخلة من التمييز، في مقدمتها الإقصاء الأسري، إلى جانب معاملة تمييزية داخل بعض المستشفيات والإدارات العمومية، فضلًا عن النظرة الأخلاقية القاسية والدونية وما يصاحبها من عنف لفظي ونفسي في كثير من الحالات.

وأضافت أن الأطفال بدورهم يدفعون ثمن هذا الواقع، رغم أنهم يعيشون وضعًا لا ذنب لهم فيه، إذ يواجهون أشكالًا من الإقصاء الاجتماعي وصعوبات في الاندماج، إضافة إلى غياب المساواة في المعاملة داخل الفضاءات التعليمية والمجتمعية.

وفيما يتعلق بالحماية القانونية، أشارت الراغ إلى أن التشريعات المغربية توفر حماية جزئية للأمهات العازبات، حيث تُحملهن المسؤولية الكاملة تجاه أطفالهن، دون أن تضمن لهن في المقابل منظومة متكاملة من الحقوق القانونية والاجتماعية التي تكفل الكرامة والإنصاف، خاصة فيما يتعلق بالاستقلال الاقتصادي.

وبينت أن الاستقلال الاقتصادي يُعد أحد أبرز التحديات اليومية التي تواجه الأمهات العازبات، في ظل هشاشة اقتصادية حادة ناتجة عن صعوبات الوصول إلى عمل مستقر، وتدني الأجور، وغياب الحماية الاجتماعية، فضلًا عن مشكلات مرتبطة بالحصول على السكن بسبب الوضعية الاجتماعية، وما يرافق ذلك أحيانًا من تحرش واستغلال.

وعن دور الإعلام، اعتبرت الراغ أن الإعلام المغربي يلعب دورًا متناقضًا في تناول قضية الأمهات العازبات، فمن جهة يسهم في تسليط الضوء على القضية وفتح النقاش العام حولها، لكنه من جهة أخرى يعيد إنتاج الصور النمطية ويُكرس الوصم الاجتماعي، عبر مقاربات أخلاقية ضيقة، بدل معالجتها من منظور إنساني وحقوقي.

وأكدت الفاعلة المدنية أن جمعيات المجتمع الأهلي والمنظمات الحقوقية تضطلع بدور محوري في هذا الملف، من خلال توفير المواكبة الاجتماعية والنفسية، والدعم القانوني، والإسهام في تمكين النساء اقتصاديًا، إضافة إلى الترافع من أجل حقوق الأمهات العازبات، معتبرة أن هذه القضية كانت ستبقى غير مرئية لولا جهود الجمعيات وما تبذله من عمل ميداني متواصل.

وفيما يخص الإصلاحات العاجلة، شددت آمال الراغ على أن أي معالجة جادة يجب أن تبدأ بالاعتراف بالأم العازبة بصفتها مواطنة كاملة الحقوق، لا حالة اجتماعية هامشية، إلى جانب إصلاحات قانونية تنصف الطفل وتحميه من جميع أشكال التمييز.

كما دعت إلى توفير فرص اقتصادية حقيقية للنساء للخروج من دوائر الهشاشة، وتدريب العاملين في الإدارات والمستشفيات على التعامل مع الأمهات العازبات دون وصم أو تمييز، فضلًا عن تعزيز دور الإعلام في التعريف بالقضية من مقاربة حقوقية وإنسانية.

معركة حقوقية لا أخلاقية

وبقولها: “تعيش الأمهات العازبات في المغرب واقعًا مركبًا تتداخل فيه الهشاشة القانونية مع الضغط الاجتماعي والاقتصادي”، توضح هند شكري، مديرة جمعية 100% أمهات طنجة، السياق العام لهذه القضية التي تُحمل فيها المرأة وحدها تبعات علاقة كان لها طرفان اثنان؛ إذ لا يزال المجتمع ينظر إليها من زاوية أخلاقية، ما يجعل المعاناة تبدأ غالبًا من داخل الأسرة، بالرفض أو الإقصاء، وتستمر في الفضاء العام عبر الوصم والتمييز.

وتضيف هند في تصريح لـ“صفر” أن الأم العازبة تواجه بعد الولادة عراقيل إدارية مرهقة، خاصة في تسجيل الطفل والحصول على الوثائق، حيث يتحول كل إجراء إلى لحظة مساءلة غير مباشرة عن حياتها الخاصة، رغم أن القانون يضمن حق الطفل في التسجيل بالحالة المدنية، إلا أن الصيغة المعتمدة تكرس تمييزًا مؤسسيًا، عبر فرض أسماء وهمية للأب والجد، وهو ما يمنح الطفل هوية قانونية ناقصة ترافقه طيلة حياته، في تعارض واضح مع مبدأ عدم التمييز ومصلحة الطفل الفضلى.

وينعكس الوصم الاجتماعي بشكل مباشر على تفاصيل الحياة اليومية، بحسب هند شكري، ففي السكن يُجبر كثير من الأمهات على إخفاء وضعيتهن أو القبول بظروف غير مستقرة، وفي العمل يُدفعن نحو القطاع غير المهيكل، حيث الاستغلال وغياب الحماية، ما يجعل الاستقلال الاقتصادي معركة يومية، ويضع الأمومة في قلب دائرة الفقر والعمل الهش، أما على المستوى الاجتماعي فتقود النظرة المجتمعية إلى عزلة قاسية وانسحاب من العلاقات؛ خوفًا من الأحكام الجارحة، في حين تعيش الأم ضغطًا نفسيًا دائمًا في علاقتها بطفلها، قلقًا على حاضره ومستقبله داخل مجتمع قد يعاقبه على وضع لم يختره.

وقانونيًا، تظل الحماية مجزأة ومتناقضة، فبينما تعترف النصوص ببعض حقوق الطفل، يجرم القانون الجنائي وضعية الأم نفسها، خاصة عبر الفصل 490، ما يضعها في هشاشة دائمة ويحول دون لجوئها إلى المؤسسات الصحية أو القضائية، ويفتح الباب أمام الابتزاز والعنف، كما أن سبل إثبات النسب محدودة ولا تُحمل الأب مسؤوليته، فيُلقى العبء القانوني والاقتصادي بالكامل على الأم، وفقاً لرأيها.

وفي ظل غياب سياسات عمومية شاملة، يُدار ملف الأمهات العازبات بمنطق الإحسان لا الحقوق، وتعتمد النساء بشكل كبير على الجمعيات المدنية التي تؤدي دورًا حيويًا في المرافقة القانونية، والدعم النفسي، والتكوين والتمكين الاقتصادي، إذ تقول هند إن هذا الدور، رغم أهميته، لا يمكن أن يعوض غياب الاعتراف القانوني والسياسات المستدامة.

وانطلاقًا من هذا الواقع، تشدد هند شكري على أن حماية الأمهات العازبات وأطفالهن تتطلب إصلاحًا عميقًا وشاملًا، يبدأ بإلغاء تجريم العلاقات الرضائية، وضمان المساواة الكاملة بين جميع الأطفال، والاعتراف بالأسر أحادية الوالد، وتبسيط مساطر الحماية الاجتماعية، إلى جانب مواءمة القوانين الوطنية مع الالتزامات الدولية، كما تؤكد أن المعركة ليست أخلاقية، بل حقوقية بامتياز، عنوانها الكرامة، ومصلحتها الأولى هي الطفل.

معوقات قانونية واجتماعية

وأكدت خديجة إدريسي المحامية والفاعلة الحقوقية المغربية أنه رغم الترسانة القانونية التي استطاعت الفعاليات الحقوقية والمدنية تحقيقها خلال السنوات الأخيرة، لا تزال الأم العازبة في المغرب تعيش واقعًا صعبًا يتسم بالهشاشة والتمييز، فعلى المستوى القانوني جرى التطرق إلى الظاهرة على استحياء، دون أن يواكب ذلك تغيير حقيقي في العقليات أو في الممارسات اليومية، حيث لا تزال الأمهات العازبات عرضة للوصم الاجتماعي وتحميلهن وحدهن مسؤولية وضعية كان لها طرفان اثنان.

وتقول خديجة، في تصريح لـ”صفر”، إن التمييز الاجتماعي يعد أحد أبرز التحديات التي تواجه الأم العازبة، إذ تجد نفسها محاصرة بنظرة مجتمعية قاسية تنعكس مباشرة على قدرتها على الوصول إلى سوق الشغل، فصعوبة إيجاد عمل، خاصة في ظل وجود طفل وغياب شبكات الدعم، تزيد من هشاشتها الاقتصادية وتدفع بها نحو أوضاع غير مستقرة، ما يضعها أمام مستقبل غامض ومفتوح على كل أشكال الهشاشة.

وعلى مستوى القوانين المغربية، سواء المتعلقة بالأسرة أو بنظام سجلات الحالة المدنية، أصبح الطفل مجهول الأب يُمنح اسمًا عائليًا واسم أب، ما يضمن له التسجيل في المدرسة والاستفادة من الخدمات الصحية باعتباره طفلًا له حقوق، غير أن هذا التقدم القانوني يصطدم في الواقع العملي بإكراهات حادة، خاصة داخل المؤسسات الصحية، حيث يشكل غياب عقد الزواج أثناء الولادة مصدر مساءلة للأم العازبة، وقد يُجبرها على تحرير محضر لدى الشرطة، وهو ما يزيد من حدة الوصم الاجتماعي ويكرّس صورتها السلبية داخل المجتمع، بحسب خديجة إدريسي.

وعلى الصعيد الاقتصادي، تظل المسألة المعيشية التحدي الأكبر للأم العازبة، إذ يصعب عليها التوفيق بين رعاية الطفل والبحث عن عمل في ظل نظرة اجتماعية غير منصفة، ما يجعل التمكين الاقتصادي مدخلًا أساسيًا لأي إصلاح حقيقي يهدف إلى ضمان كرامتها واستقلالها، وفق رأيها.

أما على مستوى الإعلام المغربي، وبخاصة في الآونة الأخيرة، فقد أسهم تنوع المنابر واستقلاليتها في تسليط الضوء على ظاهرة الأمومة العازبة، إذ أبدت بعض التغطيات تعاطفًا مع الحالات الإنسانية، في حين استمرت أخرى في تكريس الوصم من خلال معالجات انتقائية أو أحكام مسبقة.

في هذا السياق تبقى جمعيات المجتمع المدني والهيئات الحقوقية الملاذ الأساسي للأمهات العازبات، إذ عملت على إحداث مراكز إيواء تهتم بالأم والطفل معًا، وتوفر المرافقة الاجتماعية والنفسية، إلى جانب برامج الإدماج الاقتصادي، في محاولة لتمكين الأمهات من فرص عمل شريفة تحفظ كرامتهن.

وانطلاقًا من تجربة الإشراف على مركز لإيواء الأمهات العازبات، تؤكد خديجة إدريسي أن التمكين الاقتصادي يشكل أولوية قصوى لأي مقاربة إصلاحية، كما تشدد على ضرورة تطوير الإطار القانوني المتعلق بالهوية، عبر اعتماد صيغة متكاملة لاسم الطفل تشمل اسم الأب واسم الجد، ما يضمن له وضعًا قانونيًا سويًا ويحميه من التمييز داخل المجتمع وأمام أقرانه.

ويظل النهوض بوضعية الأمهات العازبات وأطفالهن رهينًا بإرادة حقيقية لإصلاح القوانين، وتغيير العقليات، واعتماد مقاربة حقوقية شاملة تضع كرامة الأم ومصلحة الطفل في صلب السياسات العمومية.

Picture of فيولا فهمي
فيولا فهمي
صحفية متخصصة في قضايا الحريات وحقوق الإنسان