دعت لجنة التحقيق الدولية المستقلة المعنية بالجمهورية العربية السورية المجتمع الدولي إلى تكثيف الدعم السياسي والمالي والإنساني لعملية الانتقال في سوريا، مؤكدة أن بناء دولة تقوم على سيادة القانون يتطلب تسريع خطوات العدالة الانتقالية، وتعزيز استقلال القضاء، وضمان المساءلة عن الانتهاكات الجسيمة التي ارتُكبت خلال سنوات النزاع، كما شددت اللجنة على ضرورة توسيع مشاركة السوريين في عملية إعادة بناء المؤسسات، وضمان حماية المدنيين، ومعالجة قضايا المفقودين والمعتقلين، إضافة إلى زيادة التمويل الدولي لجهود الإغاثة وإعادة الإعمار، بما يتيح معالجة الأزمات الاقتصادية والاجتماعية التي يعاني منها ملايين السوريين.
وجاءت هذه التوصيات خلال الحوار التفاعلي مع لجنة التحقيق الدولية المستقلة المعنية بسوريا، الذي عُقد ضمن أعمال الدورة الحادية والستين لمجلس حقوق الإنسان في جنيف، حيث ناقشت الدول الأعضاء وممثلو المنظمات الدولية وضع الحقوق والحريات في البلاد، في ظل المرحلة الانتقالية التي أعقبت سنوات طويلة من النزاع، وترأس الجلسة نائب رئيس المجلس، فيما شاركت في النقاش عضوتا اللجنة منية عمار وفيونوالا ني أولين، بينما قدّم رئيس اللجنة باولو سيرجيو بينهيرو مداخلته الختامية عبر رسالة مصوّرة.
توثيق الانتهاكات
وفي كلمتها أمام مجلس حقوق الإنسان، أوضحت عضوة اللجنة منية عمار أن التقرير الأخير يغطي الفترة الممتدة من ديسمبر 2024 حتى يناير 2026، ويرصد التحولات التي تشهدها سوريا بعد عقود من الحكم الاستبدادي، وأكدت أن اللجنة واصلت، منذ تأسيسها عام 2011، توثيق الانتهاكات الواسعة النطاق التي ارتكبتها أطراف النزاع المختلفة، مشددة على التزامها بالعمل باستقلالية وحياد، والوقوف إلى جانب ضحايا هذه الانتهاكات.
تحديات وأزمات
وأشارت عمار إلى أن الحكومة السورية الحالية تبذل جهودًا لإطلاق عملية انتقال سياسي وبناء مؤسسات تستند إلى سيادة القانون واحترام الحقوق، غير أن البلاد لا تزال تواجه تحديات كبيرة، أبرزها موجات العنف التي شهدتها بعض المناطق خلال العام الماضي، والتي تسببت في سقوط أعداد كبيرة من الضحايا وأعاقت مسار التعافي.
وأوضحت اللجنة أن الزيارات الميدانية التي قامت بها إلى سوريا كشفت عن عمق الأزمة الإنسانية، حيث يعيش نحو 90 في المئة من السكان تحت خط الفقر، فيما لا يزال قرابة مليون ونصف المليون شخص يقيمون في مخيمات النزوح، في ظل تدهور الأوضاع الاقتصادية ونقص الخدمات الأساسية.
تطورات إيجابية
ورغم هذه التحديات، رصد التقرير عددًا من التطورات الإيجابية داخل سوريا، من بينها إنشاء هيئات وطنية للمساءلة ولجان تحقيق محلية، إلى جانب فتح مساحة أوسع أمام المجتمع المدني ووسائل الإعلام للعمل داخل البلاد، كما رحبت اللجنة بالسماح لها بالوصول إلى مناطق شهدت أعمال عنف، بما في ذلك الساحل السوري ومناطق غرب البلاد، حيث أجرت تحقيقات ميدانية أفضت إلى إصدار تقارير خاصة بشأن الأحداث التي وقعت هناك.
انتهاكات جسيمة للقانون الدولي
غير أن اللجنة وثقت في المقابل ارتكاب انتهاكات جسيمة للقانون الدولي خلال تلك الأحداث، قد ترقى إلى جرائم حرب وربما جرائم ضد الإنسانية إذا ثبتت مسؤوليتها بشكل قاطع. وتشمل هذه الانتهاكات عمليات إعدام خارج نطاق القضاء، والتعذيب، وسوء المعاملة، والاحتجاز التعسفي، إضافة إلى حالات الاختفاء القسري.
كما رصد التقرير انتهاكات تتعلق بالحقوق المرتبطة بالإسكان والأراضي والممتلكات، فضلاً عن تجاوزات طالت النساء والفتيات والأطفال، بما في ذلك حالات اختطاف، في سياق النزاعات المحلية التي شهدتها بعض المناطق.
وأشار التقرير كذلك إلى أن المدنيين في الجنوب السوري تضرروا من مئات الغارات الجوية والتوغلات البرية التي نفذتها إسرائيل في عدد من المحافظات، وهو ما أسفر عن سقوط ضحايا واعتقالات تعسفية وتدمير للممتلكات، إلى جانب موجات نزوح جديدة.
وفي شمال شرق البلاد، أعربت اللجنة عن قلقها إزاء نقل أكثر من 5700 شخص يشتبه بانتمائهم إلى تنظيم داعش، بينهم شبان دخلوا سوريا وهم أطفال، معتبرة أن هذه الخطوة تثير مخاوف قانونية تتعلق بالترحيل القسري وضمانات المحاكمة العادلة.
ملف المفقودين
ولفتت اللجنة إلى أن ملف المفقودين لا يزال أحد أكثر القضايا إلحاحًا في سوريا، إذ التقت خلال عملها بعائلات عديدة تبحث منذ سنوات عن أبنائها وبناتها الذين اختفوا خلال النزاع، مؤكدة أن معالجة هذه القضية تمثل عنصرًا أساسيًا لتحقيق المصالحة الوطنية وبناء الثقة في مؤسسات الدولة.
كما دعت السلطات السورية إلى توضيح الأساس القانوني لجميع حالات الاحتجاز وضمان مراجعة دورية لشرعيتها، في إطار تعزيز الشفافية واحترام الإجراءات القضائية.
رد الحكومة السورية
من جانبها، أكدت الحكومة السورية في مداخلتها أمام المجلس أن البلاد تشهد تحولات جوهرية بعد سنوات من الانتهاكات التي ارتكبها النظام السابق، مشيرة إلى أن السلطات الجديدة تسعى إلى بناء دولة تقوم على سيادة القانون والمساواة بين المواطنين دون تمييز.
وأوضحت دمشق أن مشروع الدستور الجديد يتضمن ضمانات لحماية الحقوق الأساسية، كما أصدرت السلطات تعليمات جديدة للأجهزة الأمنية والعسكرية تتعلق بحظر التعذيب وتعزيز الالتزام بالقوانين الدولية، إضافة إلى خطوات تهدف إلى توسيع هامش حرية التعبير.
كما أكدت الحكومة أنها بدأت التعاون مع آليات حقوق الإنسان الدولية، بما في ذلك السماح لمفوضية الأمم المتحدة لحقوق الإنسان بالعمل داخل البلاد بعد سنوات من الغياب، والتعاون مع لجنة التحقيق الدولية.
غير أن الحكومة أقرت في الوقت ذاته بأن البلاد تواجه تحديات كبيرة، أبرزها تدهور الأوضاع الاقتصادية ونقص الموارد، فضلاً عن تهديدات أمنية مرتبطة بتنظيم داعش والهجمات الإسرائيلية المتكررة، إضافة إلى محاولات زعزعة الاستقرار الداخلي.
تفاعل دولي
وخلال النقاش، شددت عدة دول ومنظمات دولية على أهمية دور لجنة التحقيق في توثيق الانتهاكات وضمان المساءلة، معتبرة أن عملها يمثل ركيزة أساسية في المرحلة الانتقالية.
وأكد الاتحاد الأوروبي أن استمرار ولاية اللجنة أمر ضروري لمتابعة الوضع في سوريا، داعيًا السلطات إلى مواصلة التعاون مع آليات الأمم المتحدة واحترام القانون الدولي، مع إيلاء اهتمام خاص بحماية النساء والأطفال وضمان مشاركتهم في الحياة السياسية.
بدورها، اعتبرت دول الشمال ودول البلطيق أن سوريا تقف اليوم عند لحظة مفصلية، وأن القرارات التي ستُتخذ خلال المرحلة المقبلة ستحدد مستقبل الحقوق والاستقرار في البلاد لأجيال قادمة، مشددة على أن العدالة الانتقالية تمثل أساسًا لتحقيق السلام المستدام.
وفي المقابل، شددت دول مجلس التعاون الخليجي على أهمية احترام سيادة سوريا ووحدة أراضيها، ورفض التدخلات الخارجية في شؤونها، داعية إلى رفع العقوبات المفروضة على البلاد بما يسهم في دعم جهود إعادة الإعمار وتحسين الأوضاع الاقتصادية.
كما أكدت عدة دول، بينها الكويت ومصر والأردن، دعمها لوحدة سوريا واستقرارها، مشددة على ضرورة تهيئة الظروف لعودة اللاجئين والنازحين بصورة آمنة وكريمة.
وفي ختام الحوار، شدد رئيس لجنة التحقيق باولو سيرجيو بينهيرو على أن سوريا شهدت خلال السنوات الخمس عشرة الماضية واحدة من أكثر الأزمات الإنسانية تعقيدًا في العالم، مؤكدًا أن ملايين السوريين ما زالوا يبحثون عن أقاربهم المفقودين ويواجهون آثار الحرب.
وأكد أن تحقيق العدالة والمساءلة يمثل شرطًا أساسيًا لبناء مستقبل مستقر، محذرًا من أن تجاهل الانتهاكات قد يقوض فرص السلام على المدى الطويل.
كما دعا المجتمع الدولي إلى تعزيز الدعم الإنساني لسوريا، مشيرًا إلى أن خطة الاستجابة الإنسانية للأمم المتحدة ما زالت تعاني نقصًا كبيرًا في التمويل، حيث لم يتجاوز ما تم توفيره العام الماضي 30 في المئة من المبلغ المطلوب.
واختتم بينهيرو بالتأكيد على أن تفكيك إرث الاستبداد في سوريا يمثل تحديًا معقدًا وطويل الأمد، لكنه شدد على أن نجاح هذه العملية يتطلب التزامًا حقيقيًا من السلطات السورية والمجتمع الدولي على حد سواء لضمان احترام الحقوق لجميع السوريين دون استثناء.
