منصة راصدة تحليلية عميقة لقضايا حقوق الإنسان

منصة راصدة تحليلية عميقة لقضايا حقوق الإنسان

مقتل أطفال وتحويل مدرسة إلى مقبرة

13 مارس 2026

غوردون براون*

مقتل أطفال، وتحويل مدرسة إلى مقبرة: حتى في زمن الحرب لا يمكننا قبول هذا

هناك قواعد على قادة العالم الإصرار على احترامها تطبيقاً وروحاً.. بعد هذه الفظائع في إيران، بات من الضروري إنشاء محكمة أكثر فعالية لجرائم الأطفال.

أثار مقتل 168 شخصاً، معظمهم من طالبات المدارس، في تفجير مدرسة في ميناب بإيران، صدمةً عميقةً في ضمير العالم.

الهجوم الذي نُفِّذ قبل نحو أسبوعين أثناء سير الدراسة حوّل مبنى المدرسة إلى ركام، واكتشف أولياء الأمور الذين أرسلوا بناتهم إلى المدرسة بعد دقائق أن الفصول الدراسية قد تحولت إلى مقابر جماعية.

بكت إحدى الأمهات التي كانت ابنتها زينب تحفظ القرآن الكريم وكانت ستشارك في مسابقة وطنية للتلاوة، قائلةً: “مات حلمي معها”.

طالبت لجنة حقوق الإنسان التابعة للأمم المتحدة بإجراء تحقيق “عاجل ومستقل وفعال في عمليات القتل، مع محاسبة المسؤولين عن أي انتهاكات”.

لا يزال الجدل قائماً حول الدولة المسؤولة عن المجزرة، خلال عطلة نهاية الأسبوع، نفى دونالد ترامب أي مسؤولية للولايات المتحدة، قائلاً على متن طائرة الرئاسة: “نعتقد أن إيران هي من نفذتها؛ لأن ذخائرها غير دقيقة للغاية”.

لكن يوم الاثنين، كشف تحقيق أجرته هيئة الإذاعة البريطانية (بي بي سي) عن أدلة تُشير إلى إطلاق عدة صواريخ توماهوك أمريكية وسقوطها بالقرب من المدرسة، حيث يُعتقد أنها أصابت المدرسة نفسها، بالإضافة إلى عيادة طبية يُزعم أنها تابعة للحرس الثوري الإسلامي.

ولم تجد البي بي سي أي دليل على سقوط صاروخ إيراني منفصل في الموقع، ورغم ذلك، أصرّ ترامب على موقفه: “تمتلك دول أخرى عديدة صواريخ توماهوك، وهي تشتريها منا”، لكن وفقاً لتقارير أولية وغير رسمية صدرت يوم الأربعاء، يُحتمل أن تكون القيادة المركزية الأمريكية قد حددت إحداثيات الهدف للضربة بناءً على معلومات قديمة.

بغض النظر عمن يتحمل المسؤولية في النهاية، فإن مجزرة المدرسة ليست حادثة معزولة، وبحسب التقارير، أسفر قصف مدرسة أخرى، هي مدرسة هدايت الثانوية في حي نارمك بطهران، في اليوم نفسه، عن مقتل طالبين.

ينبغي ألا يصبح أي طفل ضحية جانبية في أي نزاع، ومع ذلك، نعلم أن أكثر من 200 طفل قُتلوا على يد قوات الأمن الإيرانية في حملتها الأخيرة، ولم يقتصر الأمر على حرمان 740 ألف طالب فلسطيني من حقهم في التعليم في غزة والضفة الغربية، وفقاً لدراسة أجرتها جامعة كامبريدج، بل إن 90% من مدارس غزة قد سُوّيت بالأرض أو تضررت، وفقد ما لا يقل عن 18069 طالباً و780 معلماً حياتهم، وأفادت اليونيسف بمقتل 83 طفلاً آخر على الأقل في لبنان منذ 2 مارس.

يكشف تفجير المدرسة مدى هشاشة الإطار القانوني الدولي الحامي عندما يُختبر بتنافس القوى العظمى والأعمال الإرهابية، فالمدارس التي من المفترض أن تكون ملاذاً آمناً تُجرّ بشكل متزايد إلى أتون الحرب، حيث يصبح التلاميذ والمعلمون أهدافاً سهلة لا حول لهم ولا قوة.

بحسب التحالف العالمي لحماية التعليم من الهجمات، أفادت التقارير بمقتل أو إصابة أكثر من 10 آلاف طالب ومعلم جراء هجمات استهدفت مؤسسات تعليمية خلال عامي 2022 و2023.

ومع تزايد ميل الحروب إلى خوضها في المناطق الحضرية، بات من شبه المستحيل على الطفل أن يكون في الشارع أو المدرسة، تماماً كما هو الحال بالنسبة للجندي على جبهة القتال.

وتحظر اتفاقيات جنيف والقانون الدولي الإنساني، واتفاقية حقوق الطفل لعام 1989، بشكل قاطع الاعتداءات على الأطفال والمدارس، وتُعدّ الهجمات على المباني التعليمية جرائم حرب منصوصاً عليها في المادة 8 من نظام روما الأساسي الذي أنشأ المحكمة الجنائية الدولية.

يجب محاسبة القادة الذين يأمرون أو يأذنون أو يسمحون عن علم بمثل هذه الهجمات ومحاكمتهم، ويُعدّ أمر المحكمة الجنائية الدولية الصادر بحق جوزيف كوني، زعيم جيش الرب للمقاومة، سابقةً في هذا الشأن، إذ استند إلى هجماته على مدارس في أوغندا.

وبينما تُعد المدارس، كالمستشفيات (حتى وقت قريب، حيث كانت تُنتهك)، أماكن محمية، لكنها تُعامل في الواقع العملي بوصفها جزءاً من البنية التحتية المدنية.

لقد قوّض هذا مبدأً بسيطاً ينبغي أن يكون كذلك: وهو أن المدارس وُجدت للتعليم، ويجب ألا تتحول أبداً إلى ساحات حرب أو قواعد انطلاق للعمليات العسكرية. ينبغي ألا يموت أي طفل لمجرد محاولته التعلّم، ويجب أن يخضع من يعتدون على الفتيات والفتيان الأبرياء لنفس القدر من المساءلة القضائية التي يخضع لها مرتكبو الجرائم الأخرى ضد الإنسانية.

وبالمثل، عندما تحتل الجيوش الفصول الدراسية، أو تخزن الذخيرة في الصالات الرياضية، أو تطلق الصواريخ من الملاعب، فإنها تمحو التمييز بين المقاتل والمدني الذي يُعدّ جوهر القانون الإنساني، ويجب محاكمتها.

لا يسعنا أن نقف مكتوفي الأيدي أمام انتهاك آخر لقانون دولي راسخ ينظم سير الحرب، ويبدو أن ذلك يتم دون عقاب، لقد آن الأوان لتحذير كل طرف من أطراف النزاع بوضوح لا لبس فيه بأن المدارس تستحق نفس المكانة الأخلاقية التي تتمتع بها المستشفيات -أي الأماكن الآمنة- ونفس الحماية بموجب القانون الدولي.

ومن الصواب أيضاً فضح الدول التي تستخدم ذريعتين للتملص من العقاب: أولاً، إنكار أن الهجوم كان “متعمداً” أو “مقصوداً”، وثانياً، الادعاء بأن المدرسة التي هاجموها كانت تُستخدم لأغراض عسكرية.

هذه التنازلات هي التي سمحت للعديد من مرتكبي الهجمات على الأطفال بالدفاع عن أنفسهم بدفاع لا يزال معترفاً به في القانون الدولي، ولكن وفقاً لأي تفسير معقول للقانون الإنساني، فإن من يهاجمون مدرسةً يتقاعسون بشكل واضح عن أداء مسؤوليتهم القانونية في تجنب جميع المخاطر المعروفة التي تهدد الأطفال، وفي إيوائهم وحمايتهم بصفتهم مدنيين أبرياء.

يبدأ تعزيز حماية أطفالنا بتنفيذ جميع الدول لقرار مجلس الأمن الدولي رقم 1612 الصادر عام 2005، والذي أنشأ آلية رصد وإبلاغ الأطفال العالقين في النزاعات المسلحة.

جاء ذلك في أعقاب العمل الرائد لغراسا ماشيل التي أسهمت في تحديد ستة “انتهاكات جسيمة” لحقوق الطفل، لا تقتصر على التجنيد القسري للأطفال واختطاف الفتيات، بل تشمل أيضاً الهجمات على المدارس.

وقد حذرت “مبادئ لوسينس التوجيهية” وإعلان المدارس الآمنة اللذان استندا إلى هذه المبادئ، من ضرورة إبعاد القوات العسكرية عن المنشآت التعليمية، لكن العالم اليوم بحاجة إلى آليات أقوى لضمان المساءلة.

ومن الخيارات التي من شأنها تأكيد خطورة هذه الجرائم إنشاء محكمة جنائية دولية متخصصة في الجرائم المرتكبة ضد الأطفال، ستُكمّل هذه المحكمة اختصاص المحكمة الجنائية الدولية، مُركزةً اهتمامها على قصف المدارس، واختطاف التلاميذ، والميليشيات التي تستعبد الفتيان والفتيات.

ويمكن اتباع مسار موازٍ من خلال المحكمة الأوروبية لحقوق الإنسان وغيرها من الأنظمة القضائية التي يُمكنها اعتماد بروتوكولات خاصة لمحاكمة مرتكبي الهجمات على المنشآت التعليمية، ومن المنطقي الآن صياغة بروتوكول خاص يُوحّد مختلف جوانب القانون الجنائي والإنساني التي تحمي الأطفال.

إن إبقاء المدارس مفتوحة وآمنة في خضم الحرب يعني أكثر من مجرد الساعات التي يقضيها الأطفال في الفصول الدراسية، إنه وعدٌ بحياة أفضل بعد الدمار.

بالنسبة للأطفال، تمثل الفصول الدراسية الاستقرار، وبالنسبة للآباء، فهي إشارة إلى أن الحياة مهما كانت هشة ستستمر. حتى في أحلك ساعات الصراع، يُعد استمرار تعليم الأطفال بمنزلة الحفاظ على الأمل وسط الخراب، وعندما تتمكن مدرسة من إعادة فتح أبوابها بعد هجوم، يصبح ذلك بمنزلة تحدٍّ واضح ضد أولئك الذين يسمحون للمجتمعات التي مزقتها الحرب بالانزلاق إلى يأس لا نهاية له.

ولكن مهما فعلنا، يجب أن نوجه رسالة لا لبس فيها: بغض النظر عن مكان عملهم أو الجهة التي يتصرفون تحت إمرتها، لن يكون هناك مكان للاختباء لأولئك القادة الذين يسمحون بالاعتداءات على الأطفال.

 

*هو المبعوث الخاص للأمم المتحدة للتعليم العالمي، وشغل منصب رئيس وزراء المملكة المتحدة منذ عام 2007 إلى عام 2010.

نقلا عن الغارديان