منصة راصدة تحليلية لقضايا حقوق الإنسان

إضراب موظفي الأمن في البرلمان.. أزمة أجور وظروف أم اختبار لسياسة العمل في بريطانيا؟

05 سبتمبر 2025

أعلنت نقابة الخدمات العامة والتجارية (PCS) في بريطانيا أن مئاتٍ من موظفي الأمن في قصر وستمنستر سيشرعون في إضراب ليومين في سبتمبر الجاري، إضافة إلى خطوات تصعيدية أخرى تشمل حظر العمل الإضافي، وتقول النقابة تقول إن الإجراء جاء احتجاجاً على الأجور وظروف العمل والإجازات السنوية، وإن أكثر من 300 من أعضائها سيشاركون في الإضراب كجزء من تصعيد واضح في سلسلة نزاعات عمالية مستمرة في البلاد.

السبب المباشر للإضراب يتلاقى مع أزمات اقتصادية أوسع في بريطانيا تشمل التضخم الذي عاد للصعود ووصل إلى 3.8% في يوليو، وضغط تكاليف المعيشة الذي يتزايد على موظفين ذوي أجور متواضعة، يجعل المطالبات بالزيادات وبتحسين شروط العمل ذات طابع ضاغط. في الوقت نفسه، يرى العديد من العاملين أن موظفي الأمن يتحمّلون مسؤوليات حساسة داخل المؤسسة البرلمانية دون حصولهم على مقابل يتناسب مع عبء العمل والمخاطر. 

ردّ البرلمان والحكومة والإجراءات الطارئة

أفادت إدارة البرلمان في بريطانيا بأنها اتخذت ترتيبات طوارئ بالتنسيق مع شرطة العاصمة لضمان استمرار الأمن وسير الأعمال داخل المبنى خلال أيام الإضراب، مع تأكيد مسؤولين على رغبتهم في التفاوض مع النقابة لإيجاد حل، وجاء الإعلان بعد تحذيرات متكررة من احتمال تأثير الإضراب على عمل اللجان والجلسات المقررة، وبدا واضحاً أن الإدارة تسعى لتقليل أي خلل عملي أو أمني خلال فترة النزاع وفق موقع البرلمان البريطاني. 

خلفية موجة الإضرابات والتعهدات السياسية

تندرج هذه الخطوة ضمن موجة احتجاجات عمالية مستمرة شهدتها بريطانيا في الأعوام الماضية، رغم تعهّد حكومة حزب العمّال تحت قيادة كير ستارمر بالحؤول دون استمراريتها، ويأتي الإضراب الأخير بعد نزاعات كبيرة في قطاعات أخرى -من بينها إضراب أطباء مقيمين استمر خمسة أيام مؤخراً- ما يضع الحكومة في مواجهة مطالب عمالية متجددة ومطالب ساحبة حول تحسين الرواتب وشروط العمل.

مطالب النقابة وتأثيرها العملي

تطالب نقابة PCS بتحسينات ملموسة في الأجور وشروط العمل والإجازات، وترى أن الحلول التقنية أو الاعتماد على ترتيبات احترازية مؤقتة لن يعالج مشكلات الأجور المزمنة التي تعصف بقدرة العامل على تغطية نفقات المعيشة، وعملياً، يمكن أن يؤثر إضراب موظفي الأمن على استقبال الجمهور والجلسات البرلمانية المجدولة، كما يرفع العبء على قوات الشرطة ومقدمي خدمات الطوارئ، ويثير تساؤلات عن قدرة المؤسسات على مواجهة إضرابات متكررة في بنى حيوية للديمقراطية. 

الإطار القانوني وحقوق العمل

قانونياً، يخضع الإضراب في بريطانيا لضوابط انتخابية وإجرائية، بما في ذلك متطلبات التصويت والإخطار، بينما اتخذت الحكومة خطوات تشريعية في الأعوام الأخيرة تتعلق بموازنة الحق في الإضراب مع اعتبارات الخدمات الأساسية، مع ذلك، أعلنت الحكومة عن نوايا تشريعية تهدف إلى إعادة رسم علاقات العمل واتخاذ إجراءات لتعزيز الحقوق العمالية، من بينها إلغاء قواعد مستويات الخدمة الدنيا التي فرضتها الحكومة السابقة، في إطار مشروع قانون أوسع لإصلاح حقوق العمال، هذه التغيرات التشريعية تُدخل بعداً سياسياً على أي نزاع عمالي في القطاع العام وتؤثر على تكتيكات كل طرف. 

المواقف النقابية والمدافِعة عن حقوق العمال

الاتحاد العام للنقابات (TUC) يكرر دعمه لحق العمال في الإضراب ويطالب بحماية هذا الحق باعتباره أداة تفاوضية أساسية، فيما تنشط نقابات مثل PCS في حشد الأعضاء وتوسيع نطاق التحركات المساندة، وترى النقابات أن القضايا ليست مجرد مطالب مادية، بل تتعلق بكرامة العمل والإنصاف في معالجة الضغوط المهنية التي يواجهها موظفو الأمن الذين يعملون في بيئة حساسة للغاية. 

ردود حقوقية ودولية وإطار العمل الدولي

على مستوى أوسع، تُشير مبادئ العمل الدولية إلى أن الحق في التنظيم والتفاوض ولجوء العمال إلى الإضراب يُعد جزءاً من الحريات النقابية المحمية بموجب معايير منظمة العمل الدولية، بينما تستمر مناقشات قانونية دولية حول مدى حماية الحق في الإضراب بموجب اتفاقية الحرية النقابية رقم 87، وترى منظمات دولية أن أي تشريع يقضي بتقييد غير مبرر للإضراب قد يخالف التزامات بريطانيا الدولية ويضر بسُبُل الحوار الاجتماعي. 

التداعيات السياسية والعملية

سياسياً، يضع الإضراب الحكومة العمالية تحت اختبار مزدوج الأول الحفاظ على الاستقرار المؤسسي وضمان استمرارية عمل البرلمان من جهة، وتحقيق وعودها بتحسين الظروف العمالية والانخراط الجاد مع النقابات من جهةٍ أخرى، وربما تُقوّض أي معالجة قسرية للملف ثقة النقابات وتدفع إلى مزيد من التحركات التصعيدية في قطاعات أخرى، في حين أن التوصل إلى تسوية تفاهمية قد يساعد على تفادي تعطيل متكرر، كما أن أي تعليق على مواعيد جلسات برلمانية أو تأثير أمني ملموس قد يتحول إلى ملف سياسي يستغله الطرف المعارض. 

سيناريوهات محتملة وخيارات الحل

السيناريو الأول يتمثل في تفاهم سريع يقوده التفاوض المباشر بين البرلمان والاتحاد ووساطة طرف ثالث، ما قد يؤدي إلى اتفاق مرحلي حول الأجور وشروط العمل، السيناريو الثاني يحوي تعقيدات أكثر: استمرار التصعيد، واحتمال تكرار إضرابات أو انتشار الدعم في قطاعات أخرى، ما يؤدي إلى مزيد من الضغوط على الخدمات العامة والاقتصاد المحلي، وتشمل الخيارات الواقعية التي يوصي بها خبراء العلاقات العمالية فتح قنوات تفاوض فعلية، وتقديم مقترحات مالية مضبوطة زمنياً، وتعزيز برنامج للحوار الاجتماعي يربط تحسين ظروف العمل بتحسينات مؤسسية في شروط التوظيف والرواتب والراحة المهنية. 

إضراب موظفي الأمن في البرلمان ليس مجرد نزاع وظيفي محدود، إنه مرآة لصدامات أوسع في سوق العمل البريطاني بعد سنوات من الضغوط الاقتصادية والتغيرات التشريعية، وقدرة الحكومة الحالية على إقناع النقابات بأنها شريك جاد في تحسين ظروف العمل ستكون مفتاح احتواء الأزمة، وفي المقابل، فإن أي رد قاس أو إداري بحت قد يطيل أمد الصراع ويزيد من المخاطر العملية على عمل مؤسسات الجمهورية، والضمانات القانونية، والحوار الاجتماعي الحقيقي، والالتزام بتدابير تحمي كلّاً من السلامة العامة وحقوق العمال، كلها ضرورية لاحتواء أزمة يمكن أن تتسع سريعاً إلى ملف وطني حساس وفق نقابة الخدمات العامة والتجارية.