فقد محمد البالغ من العمر 18 عاماً، والذي يعيش مع إعاقة ذهنية نمائية، أكثر من منزله حين اضطرت أسرته إلى النزوح من برج البراجنة في الضاحية الجنوبية لبيروت مع تصاعد النزاع. فقد مدرسته وأصدقاءه وروتينه اليومي، ووجد نفسه في مركز إيواء ببرج حمود، حيث واجه صعوبة في التأقلم مع محيط جديد لم يألفه.
في قصة نشرتها منظمة الأمم المتحدة للطفولة «يونيسف» في يونيو/ حزيران 2026، روت والدته كيف ساعدتها رسالة من وزارة الشؤون الاجتماعية بشأن المساعدة النقدية الطارئة على تأمين الغذاء والملابس للأسرة. وجاء الدعم عبر برنامج البدل الوطني للأشخاص ذوي الإعاقة، إلى جانب مساعدة طارئة لمرة واحدة بقيمة 100 دولار.
خففت المساعدة بعض الأعباء، لكنها لم تُعد لمحمد حياته المعتادة. وتكشف تجربته الفارق بين دعم يواجه حاجة عاجلة ومنظومة حماية اجتماعية تضمن استمرار الرعاية حين تطول الأزمات.

احتياجات تتجاوز قدرة الأسر
تواجه الأسر اللبنانية ضغوطاً متراكمة بفعل الأزمة الاقتصادية وتداعيات النزاع والنزوح. وأظهر تقييم نشرته يونيسف في 30 سبتمبر/ أيلول 2026 أن أربعة من كل خمسة أسر شملها التقييم تواجه صعوبة في تحمل تكاليف احتياجاتها الأساسية.
وأفادت 22% من الأسر بأن أطفالها ناموا جائعين خلال الأسبوعين السابقين للتقييم، في حين قالت 31% إنها لم تتمكن من توفير الرعاية الصحية المطلوبة بسبب تكاليفها. وتكشف هذه المؤشرات أن الحاجة لا تقتصر على المساعدة الغذائية، بل تمتد إلى العلاج والتعليم والرعاية اليومية، خصوصاً لدى الأسر التي تواجه أعباءً إضافية مرتبطة بالنزوح أو الإعاقة.

برامج حكومية وتمويل يواجه تحدي الاستمرار
تؤكد سناء عواضة، من ملف المساعدة الاجتماعية في وزارة الشؤون الاجتماعية اللبنانية، لـ«صفر»، إن الوزارة تركز على حماية الأطفال والفئات الأكثر فقراً وهشاشة، من خلال مراكز الخدمات الإنمائية والتعاون مع مؤسسات الرعاية والجمعيات المتخصصة.
وتوضح أن الخدمات تشمل رعاية الأطفال المعرضين للخطر، ودعم النساء والفتيات اللواتي يواجهن العنف، إلى جانب الخدمات الصحية والاجتماعية والتعليمية، والمساعدات النقدية للأسر الفقيرة والأشخاص ذوي الإعاقة.
ووفق بيانات تحويلات سبتمبر/ أيلول 2026، شمل برنامج «أمان» 106,554 أسرة لبنانية تضم 580,200 فرد، بقيمة تحويلات بلغت نحو 13.76 مليون دولار خلال الشهر. ويهدف البرنامج إلى مساعدة الأسر الفقيرة على تلبية احتياجاتها الأساسية، في حين يوفر برنامج البدل الوطني دعماً نقدياً للأشخاص ذوي الإعاقة.
لكن اتساع الاحتياجات يطرح مسألتين تتجاوزان أعداد المستفيدين إلى مدى كفاية الدعم للأسر المشمولة، وإمكانية وصول الأسر المحتاجة غير المستفيدة إليه، ومنها عبر تحديث قوائم الاستحقاق وإتاحة إجراءات واضحة للمراجعة والتظلم.
وتبقى استدامة التمويل تحدياً آخر؛ فقد خصصت الحكومة 50 مليون دولار لبرنامج «أمان» ضمن موازنة 2026، في حين أشارت وزارة الشؤون الاجتماعية في سبتمبر/ أيلول إلى أن تمويلاً إضافياً بقيمة 200 مليون دولار من البنك الدولي لم يدخل حيز التنفيذ بعد. وهذه المبالغ تمثل مخصصات وتمويلاً منتظراً، ولا ينبغي الخلط بينها وبين التحويلات المنفذة فعلياً للأسر.

المساعدة بين قيمتها وكفايتها
من جانبه، يقول المواطن اللبناني حيدر زلغوط لـ«صفر» إن ارتفاع تكاليف المعيشة يضع الأسر أمام صعوبات متزايدة في تأمين الغذاء والرعاية الصحية والتعليم، مؤكداً أن المساعدات الاجتماعية، رغم أهميتها في تخفيف الأعباء، فإنها تحتاج إلى أن تكون كافية ومنتظمة، وأن تصل إلى الأسر الأكثر احتياجاً، ما يساعدها على مواجهة متطلبات الحياة اليومية.
وتضع شهادته مسألة كفاية الدعم في قلب النقاش؛ فالحصول على مساعدة لا يعني بالضرورة قدرة الأسرة على تلبية احتياجاتها طوال الشهر، ولا يلغي حاجتها إلى خدمات اجتماعية وصحية مستمرة.
من برامج الدعم إلى حقوق قابلة للمطالبة
يرى أحمد حمدي، المحامي المختص في القانون وحقوق الإنسان، أن منظومة الحماية الاجتماعية في لبنان تحتاج إلى إصلاح قانوني وتمويل مستدام، محذراً من أن الاعتماد على المانحين قد يجعل استمرار البرامج مرهوناً بتوافر الموارد، بدلاً من ضمانها بوصفها حقاً.
ويدعو حمدي، في حديثه لـ«صفر»، إلى إقرار قانون إطار موحد للحماية الاجتماعية، ومراجعة شروط الاستحقاق بما يعزز عدم التمييز، مقترحاً اعتماد معيار الإقامة الإنسانية بدلاً من التمييز القائم على الجنسية.
كما يشدد على ضرورة تحويل المساعدات إلى حقوق قانونية تتيح للمستفيدين الاعتراض والتظلم عند رفض الطلبات أو وقف الدعم، وإدراج تمويل الحماية الاجتماعية ضمن الموازنة العامة لضمان استمراريتها.
ومن منظور حقوق الإنسان، لا يُقاس نجاح الحماية الاجتماعية بقيمة التحويلات وعدد المستفيدين وحدهما، بل بكفاية المساعدة وانتظامها وعدالة شروط الوصول إليها، ووجود آليات يستطيع الأفراد من خلالها معرفة أسباب القرارات المتعلقة باستحقاقهم والطعن فيها.
وبالنسبة إلى محمد وأسرته، كانت المساعدة الطارئة سنداً في لحظة نزوح قاسية، لكنها لا تجيب وحدها عن احتياجاته الممتدة إلى الرعاية والاستقرار واستعادة مساره التعليمي والاجتماعي، وهنا يظهر الاختبار الأهم أمام لبنان: أن يجد الإنسان طريقاً واضحاً إلى الحماية حين تستمر حاجته بعد انتهاء المساعدة، وأن تكون له وسيلة للمطالبة بحقه إذا انقطع الدعم أو رُفض طلبه، بدلاً من أن يبقى مصير أسرته معلقاً بدفعة نقدية أو تمويل منتظر.
