منصة راصدة تحليلية لقضايا حقوق الإنسان

مأساة تتقاسمها الجدران.. لاجئون يستضيفون نازحين في لبنان

28 أبريل 2026
نازحون ولاجئون في لبنان
نازحون ولاجئون في لبنان

في غرف لا تتجاوز بضعة أمتار داخل مخيم مار الياس، ينام العديد من الأشخاص على فرش متلاصقة، يتقاسمون الطعام والقلق والمستقبل الغامض، لم يعد السؤال: من اللاجئ ومن النازح؟ بل كيف يمكن للجميع البقاء؟ فمنذ تصاعد موجات النزوح الداخلي في لبنان خلال عامي 2025 و2026، تحولت المخيمات الفلسطينية التي كانت أصلاً تعاني من الهشاشة، إلى ملاذ لعائلات لبنانية فقدت منازلها أو مصادر دخلها، وتؤكد مفوضية الأمم المتحدة لشؤون اللاجئين أن مئات آلاف اللبنانيين تعرضوا للنزوح الداخلي خلال فترات التصعيد، ما أدى إلى ضغط غير مسبوق على المجتمعات المضيفة.

حين يصبح اللاجئ مضيفاً

يمثل المشهد في مخيم مار الياس مفارقة إنسانية معقدة، حيث يستضيف لاجئون فلسطينيون يعيشون منذ عقود في ظروف صعبة، عائلات لبنانية نازحة، وتشير بيانات وكالة الأمم المتحدة لإغاثة وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين إلى أن المخيم يضم بضعة آلاف من السكان ضمن مساحة محدودة، مع بنية تحتية ضعيفة، ومع وصول نازحين جدد، أصبحت بعض المنازل تؤوي أكثر من عائلتين، في ظل غياب بدائل سكنية رسمية، ويؤكد المجلس النرويجي للاجئين أن أكثر من 60 في المئة من النازحين في لبنان يعتمدون على الاستضافة المجتمعية، ما يزيد الضغط على البيئات الهشة.

تعود جذور هذه الظاهرة إلى تداخل أزمات متعددة في لبنان، فمع استمرار الانهيار الاقتصادي منذ عام 2019، وتراجع قدرة الدولة على توفير خدمات أساسية، أصبح النزوح الداخلي أكثر تعقيداً، ويشير البنك الدولي إلى أن أكثر من 80 في المئة من السكان في لبنان يعيشون تحت خط الفقر بحلول عام 2025، مقارنة بأقل من 30 في المئة قبل الأزمة، وفي ظل هذا التدهور، لم تعد العائلات النازحة قادرة على تحمل تكاليف الإيجار، ما دفعها للبحث عن ملاذ داخل المخيمات الأقل كلفة، رغم هشاشة ظروفها.

النازحون جراء الحرب

منذ تصاعد التوترات الإقليمية والاشتباكات الداخلية في عامي 2025 و2026 يشهد لبنان واحدة من كبريات موجات النزوح الداخلي في تاريخه الحديث، حيث تشير بيانات مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية إلى أن عدد النازحين داخلياً تجاوز 1.2 مليون شخص خلال فترات التصعيد الأخيرة فقط، أي ما يقارب أكثر من خمس سكان البلاد، وتوضح تقارير مفوضية الأمم المتحدة لشؤون اللاجئين أن هذا الرقم يتغير بشكل سريع تبعاً لتطورات الميدان، إذ سُجل خلال موجة واحدة في مارس 2026 نزوح أكثر من 667 ألف شخص خلال أيام قليلة فقط، مع استمرار ارتفاع الأعداد نتيجة تكرار عمليات القصف وأوامر الإخلاء.  

كما تشير تقارير المنظمة الدولية للهجرة إلى أن لبنان شهد خلال ذروة الأزمة السابقة بين 2023 و2025 ما يقارب مليون نازح داخلي، عاد منهم جزء كبير لاحقاً إلى مناطقهم، لكن موجات النزوح الجديدة أعادت رفع الأرقام بشكل حاد، ويعكس هذا التذبذب الحاد في أعداد النازحين هشاشة الوضع الأمني والمعيشي، حيث تتقاطع النزاعات المسلحة مع الانهيار الاقتصادي، ما يجعل النزوح الداخلي حالة متكررة وليست طارئة، ويضع البلاد أمام تحديات إنسانية معقدة تتجاوز قدرة البنية التحتية والخدمات الأساسية على الاستيعاب.

تواجه الخدمات الأساسية في المخيم ضغطاً متزايداً، ووفق وكالة الأمم المتحدة لإغاثة وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين، تعمل شبكات المياه والكهرباء والصرف الصحي فوق طاقتها، ما يزيد من مخاطر التلوث والأمراض، كما تشير منظمة الصحة العالمية إلى أن النظام الصحي في لبنان يعاني من نقص حاد في التمويل والكوادر منذ عام 2025، ما يحد من قدرته على الاستجابة للاحتياجات المتزايدة داخل المخيمات.

الفقر يضغط على الجميع

لم تعد الأزمة في لبنان تميز بين لاجئ ونازح أو حتى بين مضيف وضيف، إذ تحوّل الفقر إلى العامل المشترك الأكثر حضوراً في تفاصيل الحياة اليومية داخل المخيمات والمجتمعات المضيفة، وتشير بيانات برنامج الأغذية العالمي لعام 2025 إلى أن نحو 1.3 مليون شخص في لبنان يعانون من انعدام الأمن الغذائي الحاد، في حين تعتمد نسبة كبيرة من الأسر على تقليص عدد الوجبات اليومية أو الاستغناء عن وجبات كاملة لتأمين الحد الأدنى من الغذاء، كما توضح التقديرات ذاتها أن أكثر من 40 في المئة من الأسر خفّضت استهلاكها الغذائي بشكل مباشر خلال عام واحد فقط، في مؤشر على تدهور القدرة الشرائية بشكل متسارع.

وفي السياق نفسه، تشير بيانات منظمة أوكسفام إلى أن أكثر من 70 في المئة من الأسر في لبنان تلجأ إلى الاقتراض أو المساعدات غير الرسمية لتغطية احتياجاتها الأساسية، ومنها الغذاء والإيجار والدواء، كما تؤكد المنظمة أن الفجوة بين الدخل وتكلفة المعيشة اتسعت بشكل غير مسبوق منذ 2025، حيث ارتفعت أسعار المواد الغذائية الأساسية بأكثر من 400 في المئة مقارنة بما قبل الأزمة، وهذا الواقع جعل اللاجئين الفلسطينيين والنازحين اللبنانيين يعيشون ضمن دائرة ضغط اقتصادي واحدة، حيث تتشابه آليات البقاء اليومية رغم اختلاف الخلفيات القانونية.

وتشير المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين إلى أن الأزمات الاقتصادية الممتدة في لبنان أدت إلى إعادة تعريف مفهوم الهشاشة، بحيث لم يعد مرتبطاً بوضع اللجوء فقط، بل بالقدرة الفعلية على الوصول إلى الغذاء والخدمات، ووفقاً لتقاريرها في 2026، فإن أكثر من 90 في المئة من اللاجئين الفلسطينيين والسوريين في لبنان يعيشون تحت خط الفقر متعدد الأبعاد، وهو ما يعكس تقاطعاً خطيراً بين الفقر والنزوح في بيئة واحدة محدودة الموارد.

مساعدات أقل من حجم الكارثة

في ظل هذا الواقع المتدهور، تحاول الجمعيات المحلية والمنظمات الإنسانية سد جزء من الفجوة، إلا أن حجم الاحتياجات يفوق بكثير قدراتها المحدودة، وتشير اللجنة الدولية للصليب الأحمر في تقريرها لعام 2026 إلى أن المجتمعات المضيفة في لبنان أصبحت خط الدفاع الأول في الاستجابة للأزمات، رغم أنها هي نفسها تعاني من انهيار اقتصادي وخدماتي، ويؤكد التقرير أن هذه المجتمعات تقدم الدعم عبر تقاسم الموارد والسكن والمساعدات غير الرسمية، لكنها غير قادرة على الاستمرار دون دعم خارجي مستدام.

وتوضح البيانات الإنسانية الصادرة عن منظمة أوكسفام أن التمويل المخصص للاستجابة للأزمة في لبنان خلال عام 2025 لم يتجاوز 40 في المئة من الاحتياجات المقدرة من قبل الأمم المتحدة، ما أدى إلى تقليص برامج الغذاء والصحة والدعم النقدي، كما تشير المنظمة إلى أن عدد المستفيدين من المساعدات الإنسانية انخفض في بعض القطاعات بنسبة تتراوح بين 20 و30 في المئة مقارنة بالسنوات السابقة، بسبب نقص التمويل لا بسبب تراجع الحاجة.

من جهته، يؤكد برنامج الأغذية العالمي أن استمرارية الدعم الغذائي تواجه تحديات كبيرة، حيث يتم تقليل الحصص أو استهداف الفئات الأكثر ضعفاً فقط، بدلاً من تغطية شاملة، وفي بعض الحالات يتم تقديم مساعدات شهرية لا تكفي لتغطية الاحتياجات الغذائية لأكثر من أيام معدودة، وتضيف المنظمة أن استمرار هذا النقص في التمويل يهدد بزيادة معدلات انعدام الأمن الغذائي، خصوصاً في المناطق الأكثر اكتظاظاً مثل المخيمات الفلسطينية.

كما تشير مفوضية الأمم المتحدة لشؤون اللاجئين إلى أن فجوة التمويل الإنساني في لبنان أصبحت الكبرى منذ عام 2020، ما يحد من قدرة الوكالات الدولية على تنفيذ برامج الحماية والدعم النفسي والاجتماعي، وتؤكد أن استمرار الاعتماد على الاستجابات الطارئة بدل الحلول المستدامة يؤدي إلى إعادة إنتاج الأزمة بشكل دوري، دون أي تقدم حقيقي نحو الاستقرار.

وفي هذا السياق، تحذر تقارير اللجنة الدولية للصليب الأحمر من أن استمرار الضغط على المجتمعات المضيفة دون دعم كافٍ قد يؤدي إلى تآكل تدريجي في آليات التضامن الاجتماعي، حيث تصبح قدرة الأسر على مساعدة بعضها البعض محدودة للغاية، وتضيف أن هذا الوضع قد ينعكس سلباً على التماسك الاجتماعي داخل المخيمات والمناطق الأكثر فقراً، في حال استمرار الأزمة دون تدخل دولي واسع النطاق.

الأطفال والنساء الأكثر هشاشة

تتحمل الفئات الأكثر ضعفاً العبء الأكبر من الأزمة، وتشير منظمة الأمم المتحدة للطفولة إلى أن ما بين 30 و40 في المئة من الأطفال في بيئات النزوح يعانون من اضطرابات نفسية، إضافة إلى ارتفاع معدلات التسرب المدرسي، كما توضح هيئة الأمم المتحدة للمرأة أن الاكتظاظ وغياب الخصوصية يزيدان من مخاطر العنف القائم على النوع الاجتماعي، خاصة في البيئات غير المنظمة.

قيود قانونية وتعقيدات متراكمة

يعيش اللاجئون الفلسطينيون في لبنان ضمن إطار قانوني يحد من حقوقهم، ومنها العمل في العديد من المهن، وتشير تقارير هيومن رايتس ووتش إلى أن هذه القيود تجعلهم أكثر هشاشة اقتصادياً، ومع استضافة نازحين لبنانيين، تتضاعف الأعباء دون وجود دعم قانوني أو مالي إضافي، ما يفاقم التوترات المحتملة داخل المخيمات.

تعود جذور وجود الفلسطينيين في لبنان إلى عام 1948، حين لجأ عشرات الآلاف هرباً من الحرب. ومنذ ذلك الحين، يعيشون في مخيمات تعاني من التهميش، وتشير وكالة الأمم المتحدة لإغاثة وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين إلى أن عدد المسجلين يتجاوز 470 ألفاً، رغم أن العدد المقيم فعلياً أقل واليوم، يعيد التاريخ نفسه في صورة مختلفة، حيث يتحول اللاجئ إلى مضيف، في ظل غياب حلول مستدامة.

القانون الدولي ومسؤولية الحماية

يؤكد القانون الدولي ضرورة حماية النازحين وضمان حقوقهم الأساسية، وتشدد مفوضية الأمم المتحدة لشؤون اللاجئين على أن الدولة تتحمل المسؤولية الأولى في حماية النازحين داخلياً، مع الحاجة إلى دعم دولي في حالات الأزمات المركبة، كما تدعو اللجنة الدولية للصليب الأحمر إلى تعزيز دعم المجتمعات المضيفة التي تتحمل عبئاً يفوق قدراتها.

مع استمرار النزوح وتراجع التمويل، تبدو المخيمات الفلسطينية في لبنان أمام تحدٍ غير مسبوق، وتشير تقديرات البنك الدولي إلى أن التعافي الاقتصادي في لبنان قد يستغرق سنوات طويلة، ما يعني استمرار الضغوط على هذه المجتمعات، وفي ظل هذا الواقع، يبقى التضامن الإنساني عنصراً أساسياً، لكنه غير كافٍ دون تدخل أوسع.

في مخيم مار الياس، لا تعني استضافة عائلة لأخرى مجرد تقاسم مساحة، بل تقاسم مصير، وبين جدران ضيقة، تتداخل قصص اللجوء والنزوح، وتختفي الفوارق أمام قسوة الواقع، ومع أن هذا التضامن يعكس قدرة إنسانية لافتة على الصمود، لكنه يسلط الضوء في الوقت نفسه على فجوة عميقة بين حجم الأزمة والاستجابة لها، في انتظار حلول تتجاوز حدود المخيمات وتلامس جذور المشكلة.

Picture of عاطف عبد المولى
عاطف عبد المولى
صحفي متخصص في الشئون العربية والدولية