اعتمد مجلس حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة، دون تصويت، مشروع القرار L.10، بصيغته المنقحة، المعنون «دور الحوكمة الرشيدة في تعزيز حقوق الإنسان وحمايتها»، خلال الاجتماع الحادي والأربعين من الدورة الثالثة والستين للمجلس، في خطوة ركزت على العلاقة المتزايدة بين الحوكمة الرشيدة واستخدام التكنولوجيات الحديثة، ولا سيما أنظمة الذكاء الاصطناعي في الإدارة العامة وصنع القرار وتقديم الخدمات.
وجاء اعتماد القرار ضمن فعاليات الدورة الثالثة والستين لمجلس حقوق الإنسان في جنيف، حيث تناولت المناقشات أهمية بناء مؤسسات عامة تتسم بالشفافية والمساءلة والمشاركة، إلى جانب ضمان أن يكون استخدام الذكاء الاصطناعي في القطاع العام متوافقاً مع حقوق الإنسان، ولا يؤدي إلى تعميق أوجه عدم المساواة أو التمييز، مع تأكيد ضرورة إتاحة الفرصة أمام البلدان النامية للمشاركة في وضع القواعد والمعايير المرتبطة بهذه التكنولوجيا والاستفادة من قدراتها.
وقدمت بولندا مشروع القرار باسم المجموعة الأساسية العابرة للأقاليم التي تضم أستراليا وتشيلي وجمهورية كوريا وجنوب إفريقيا وبولندا بصفتها حاملة القلم، موضحة أن القرار يأتي امتداداً لمسار مستمر داخل مجلس حقوق الإنسان؛ إذ جرى اعتماد القرارات السابقة المتعلقة بدور الحوكمة الرشيدة في تعزيز حقوق الإنسان بتوافق الآراء منذ عام 2008، وكان آخرها القرار 57/5 الصادر في 9 أكتوبر 2024.
وأوضحت بولندا أن القرار السابق شكّل نقطة تحول بإدراج الذكاء الاصطناعي للمرة الأولى ضمن أجندة الحوكمة الرشيدة، حيث طلب القرار 57/5 من اللجنة الاستشارية لمجلس حقوق الإنسان إعداد دراسة حول أثر أنظمة الذكاء الاصطناعي في الحوكمة.
وقدمت اللجنة الاستشارية دراستها خلال الدورة الستين للمجلس، وتناولت فيها الإمكانات التي يمكن أن يوفرها الذكاء الاصطناعي لتعزيز تقديم الخدمات العامة وتحسين الشفافية وتوسيع المشاركة، إلى جانب المخاطر التي قد تنشأ عن استخدام السلطات العامة لهذه الأنظمة، وما يمكن أن يترتب عليها من تحديات تتعلق بالحقوق والحريات.
وأكدت بولندا أن مشروع القرار الجديد يستكمل المبادرات والنهج القائمة، لكنه يتناول الذكاء الاصطناعي حصرياً من منظور الحوكمة، ما يركز على كيفية ضمان استخدام هذه التكنولوجيا بصورة تدعم الإدارة العامة وتحافظ في الوقت نفسه على مبادئ حقوق الإنسان.
وشددت على أهمية المشاركة الشاملة والمنصفة لجميع الدول، ولا سيما البلدان النامية، في صياغة القواعد والمعايير المتعلقة بالذكاء الاصطناعي، إلى جانب مشاركتها في بناء القدرات في هذا المجال، في ظل التفاوت الكبير في الإمكانات التقنية والمؤسسية بين الدول.
من جانبها، أكدت تشيلي، خلال تقديم المشروع، أن الفريق الأساسي أجرى مشاورات شفافة وشاملة مع مختلف أصحاب المصلحة والوفود المعنية، بهدف حشد أكبر قدر ممكن من الدعم للقرار، والاستماع إلى الآراء المختلفة وتعزيز روح التعاون داخل المجلس.
وأوضحت أن المشاورات التي أجريت مع عدد كبير من الدول الأعضاء أسفرت عن تقديم نسخة منقحة من مشروع القرار، اعتبر الفريق الأساسي أنها تعكس بصورة فضلى التحديات العالمية المرتبطة بالذكاء الاصطناعي والحوكمة.
كما وجهت تشيلي الشكر إلى الوفود التي شاركت في النقاشات وأسهمت في تطوير النص، وكذلك الدول التي أعلنت مشاركتها في رعاية مشروع القرار، مؤكدة أهمية أن يتحدث مجلس حقوق الإنسان بصوت واحد بشأن هذه القضية.
ودعت جميع الدول الأعضاء إلى دعم مشروع القرار واعتماده بتوافق الآراء، باعتبار أن التوافق يعكس روح التعاون المطلوبة في التعامل مع القضايا المرتبطة بالذكاء الاصطناعي والحوكمة وحقوق الإنسان.
وخلال المناقشة العامة، اعتبرت البرازيل أن مشروع القرار يأتي في توقيت مناسب، خصوصاً مع التوسع في استخدام تكنولوجيا الذكاء الاصطناعي التي يمكن أن تسهم في تطوير الإدارة العامة وتحسين الكفاءة وتعزيز الشفافية ودعم عملية صنع السياسات القائمة على الأدلة.
وفي الوقت نفسه، حذرت من ضرورة الانتباه إلى المخاطر المرتبطة باقتناء أنظمة الذكاء الاصطناعي ونشرها واستخدامها، مؤكدة ضرورة ضمان ألا تؤدي هذه الأنظمة إلى تعزيز التمييز أو تعميق أوجه عدم المساواة القائمة أو التأثير بصورة سلبية في حقوق الأفراد والمجتمعات وحرياتهم.
وأشارت البرازيل بصورة خاصة إلى الحق في الخصوصية، باعتباره أحد الحقوق التي يمكن أن تتأثر باستخدام أنظمة الذكاء الاصطناعي في الإدارة العامة، داعية إلى وجود ضمانات مناسبة تحمي الأفراد من الاستخدامات غير المنضبطة لهذه التكنولوجيا.
ورأت أن طلب إعداد تقرير من مفوض الأمم المتحدة السامي لحقوق الإنسان بشأن اقتناء الذكاء الاصطناعي ونشره واستخدامه في الإدارة العامة يمكن أن يمثل خطوة مهمة في هذا الاتجاه، من خلال توفير فهم أكثر شمولاً للفرص والمخاطر المرتبطة بهذه الأنظمة، والمساعدة في تحديد الضمانات اللازمة، خاصة لحماية الفئات الضعيفة والمهمشة.
كما شددت البرازيل على أهمية التعاون الدولي وبناء القدرات والتعاون التقني ونقل التكنولوجيا، ما يتيح لجميع الدول، ومنها البلدان النامية، الاستفادة من إمكانات الذكاء الاصطناعي بصورة آمنة وشاملة وقائمة على حقوق الإنسان.
وفي السياق نفسه، رحبت كولومبيا بمشروع القرار، معتبرة أن الشفافية والمساءلة والمشاركة ومكافحة الفساد تمثل شروطاً أساسية للإعمال الكامل لحقوق الإنسان، خصوصاً في ظل تزايد اعتماد السلطات العامة على أنظمة الذكاء الاصطناعي في تقديم الخدمات واتخاذ القرارات الإدارية وفي بعض المجالات المرتبطة بإقامة العدل.
وقالت كولومبيا إن الذكاء الاصطناعي يمكن أن يساعد في بناء إدارة عامة أكثر مرونة وتركيزاً على احتياجات المواطنين، ما يضمن وصول البرامج والخدمات إلى الأشخاص الذين يحتاجون إليها، كما يمكن أن يتيح للشباب فرصاً جديدة في الاقتصاد الرقمي.
لكنها أكدت أن الاستفادة من هذه الفرص تتطلب بناء الثقة، وأن الثقة في أنظمة الذكاء الاصطناعي لا يمكن أن تتحقق إلا عندما يجري تطويرها بصورة شفافة، وتحت إشراف بشري، وتخضع للمساءلة، وتستند إلى نهج قائم على حقوق الإنسان.
ورحبت كولومبيا بتركيز القرار على استخدام الذكاء الاصطناعي في القطاع العام، وعلى مبادئ الشفافية والنهج القائم على حقوق الإنسان، معتبرة أن النص يعترف في الوقت نفسه بالفجوات المستمرة بين البلدان وداخلها.
وأكدت أن معالجة هذه الفجوات تتطلب مشاركة شاملة ومنصفة لجميع الدول، ولا سيما الدول النامية، في وضع القواعد والمعايير المتعلقة باستخدام الذكاء الاصطناعي، فضلاً عن دعم بناء القدرات ونقل التكنولوجيا والتدريب.
وأشادت كولومبيا بالمشاورات غير الرسمية التي أجراها الفريق الأساسي، ووصفتها بأنها كانت بناءة ومفتوحة، وأسهمت في استيعاب شواغل الوفود المختلفة والوصول إلى نص متوازن، معلنة دعمها الكامل لمشروع القرار ودعوتها إلى اعتماده بتوافق الآراء.
أما كوبا، فربطت مفهوم الحوكمة الرشيدة بصورة مباشرة بالقدرة على ضمان الوصول إلى الحقوق الأساسية وتعزيز المشاركة العامة في صنع القرارات.
وقالت إن الحوكمة الرشيدة في مجال حقوق الإنسان ينبغي أن تقوم على حوار حقيقي، واحترام السيادة وعدم التدخل، داعية إلى حوكمة عالمية لا تُستخدم فيها حقوق الإنسان ذريعة لفرض الهيمنة، ولا تسمح للدول الأقوى بالتأثير في حقوق الدول الأصغر أو الأضعف.
وأكدت كوبا أنه لا توجد دولة بمنأى عن تحديات الحوكمة الرشيدة، ومنها التحديات المرتبطة بحقوق الإنسان، وينبغي لأي دولة ألا تقدم نفسها باعتبارها نموذجاً متفوقاً على غيرها.
وركزت في الوقت ذاته على ضرورة تعزيز التعاون الدولي لسد الفجوات الرقمية، ولا سيما الفجوات التي تواجه البلدان النامية، معتبرة أن التكنولوجيات الجديدة، وفي مقدمتها الذكاء الاصطناعي، يجب أن تُستخدم استخداماً يحقق منفعة جميع الناس وألا تصبح وسيلة لتوسيع أوجه عدم المساواة.
ورحبت كوبا بالقرار، خصوصاً ما يتضمنه من دعوات إلى دعم بناء القدرات ونشر التكنولوجيا وتعزيز المشاركة الأكثر شمولاً وإنصافاً للبلدان النامية في صياغة القواعد والمعايير المتعلقة بأنظمة الذكاء الاصطناعي.
وفي ختام المناقشات، أبلغت رئاسة مجلس حقوق الإنسان الدول الأعضاء بوجود 17 دولة إضافية مقدمة للرعاية، كما أشارت إلى وجود آثار مالية مترتبة في مشروع القرار، مع إتاحة البيان الشفوي المتعلق بهذه الآثار في بوابة المجلس.
ولم تتقدم أي دولة بطلب لتقديم تفسير للتصويت، كما لم يطلب أي عضو إجراء تصويت على مشروع القرار، وعليه أعلن رئيس الجلسة اعتماد مشروع القرار L.10، بصيغته المنقحة، دون تصويت.
ويعكس اعتماد القرار توافقاً داخل مجلس حقوق الإنسان على أن الحوكمة الرشيدة لم تعد قضية منفصلة عن التحولات التكنولوجية المتسارعة، وأن انتشار الذكاء الاصطناعي في مؤسسات الدولة يفرض الحاجة إلى قواعد واضحة تضمن الشفافية والمساءلة والإشراف البشري وحماية الحقوق والحريات.
كما يبرز القرار أهمية عدم تحول الفجوة التكنولوجية إلى فجوة جديدة في التمتع بحقوق الإنسان، من خلال ضمان حصول البلدان النامية على فرص متكافئة للمشاركة في صياغة القواعد الدولية، وبناء القدرات ونقل التكنولوجيا، ما يسمح لها بالاستفادة من إمكانات الذكاء الاصطناعي دون تحمل مخاطره بصورة غير متكافئة.
وبذلك يضع مجلس حقوق الإنسان الحوكمة الرشيدة أمام اختبار جديد يرتبط بقدرة الدول على تحقيق التوازن بين الاستفادة من الإمكانات الكبيرة للذكاء الاصطناعي وبين ضمان ألا تأتي هذه الاستفادة على حساب حقوق الإنسان أو الشفافية أو المساواة أو المساءلة.
