منصة راصدة تحليلية لقضايا حقوق الإنسان

مطالب بالإفراج عن المحتجزين وإطلاق الحريات.. توصيات دولية لنيكاراغوا لتعزيز حقوق الإنسان

29 أغسطس 2026
توصيات دولية لنيكاراغوا لتعزيز حقوق الإنسان
توصيات دولية لنيكاراغوا لتعزيز حقوق الإنسان

تلقت نيكاراغوا مجموعة من التوصيات الدولية التي دعت إلى اتخاذ خطوات واسعة لتعزيز حقوق الإنسان، وفي مقدمتها الإفراج عن المحتجزين تعسفياً والسجناء السياسيين والمعارضين والمنتقدين، وضمان استقلال القضاء وسيادة القانون، وحماية حرية الرأي والتعبير والصحافة والتجمع السلمي وتكوين الجمعيات.

جاء ذلك ضمن فعاليات الدورة الـ63 من مجلس حقوق الإنسان التي تعقد في جنيف خلال الفترة من 7 سبتمبر إلى 7 أكتوبر 2026، حيث تبرز قضية حقوق الإنسان في نيكاراغوا في سياق أوسع من المتابعة الدولية لتنفيذ الالتزامات والتوصيات التي سبق أن قُدمت إلى الدولة، ولا سيما تلك المرتبطة بالحقوق المدنية والسياسية والحريات العامة.

وتضمنت التوصيات مطالب بإعادة الوضع القانوني للمنظمات المدنية ووسائل الإعلام التي أُغلقت، وإعادة الممتلكات المصادرة، وضمان قدرة الصحفيين والمدافعين عن حقوق الإنسان على أداء عملهم دون مضايقة أو تهديد أو ملاحقة قضائية.

وشملت التوصيات كذلك تعزيز التعاون مع المفوضية السامية لحقوق الإنسان وآليات الأمم المتحدة والإجراءات الخاصة، والسماح لها بالوصول إلى البلاد ومراقبة أوضاع حقوق الإنسان على أرض الواقع، إلى جانب التصديق على اتفاقيات دولية، من بينها الاتفاقية الدولية لحماية جميع الأشخاص من الاختفاء القسري، وتعزيز حماية الحق في الجنسية ومنع حالات انعدام الجنسية.

ويكتسب هذا الملف أهمية خاصة مع اتساع نطاق التوصيات التي تناولت أوضاع الصحفيين والمدافعين عن حقوق الإنسان ومنظمات المجتمع المدني والمعارضين السياسيين، بالتوازي مع توصيات أخرى ركزت على الحقوق الاقتصادية والاجتماعية، بما فيها الصحة والتعليم والحماية الاجتماعية وحقوق النساء والأطفال والفئات الأكثر ضعفاً.

الاستعراض الدوري لنيكاراغوا

تكشف الوثيقة الأممية أن الاستعراض الدوري الشامل لنيكاراغوا لم يقتصر على ملف واحد من ملفات حقوق الإنسان، وإنما تناول مجموعة متشابكة من القضايا، تراوحت بين الحقوق والحريات الأساسية من جهة، والحقوق الاقتصادية والاجتماعية والتنموية من جهة أخرى.

ففي الوقت الذي عرضت فيه الحكومة ما اعتبرته تقدماً في مجالات مكافحة الفقر والتنمية البشرية والصحة والتعليم والمساواة بين الجنسين، أعرب عدد كبير من الدول المشاركة في جلسة الحوار عن مخاوف بشأن حالة حقوق الإنسان، خاصة ما يتعلق بتقلص الحيز المدني، والقيود المفروضة على منظمات المجتمع المدني، ومضايقة الصحفيين والمعارضين، والاحتجازات التعسفية، وتدهور سيادة القانون.

وتضمنت التوصيات دعوات واضحة إلى إعادة بناء الثقة بين نيكاراغوا والآليات الدولية والإقليمية المعنية بحقوق الإنسان.

وطالبت عدة دول باستئناف التعاون الكامل مع المفوضية السامية لحقوق الإنسان، وآليات مجلس حقوق الإنسان، وهيئات المعاهدات والإجراءات الخاصة، والسماح للمكلفين بولايات حقوقية بإجراء زيارات رسمية والتحقيق في الانتهاكات بصورة مستقلة.

ودعت توصيات أخرى إلى تمكين آليات حقوق الإنسان من الوصول إلى البلاد، بما في ذلك أماكن سلب الحرية، حتى تتمكن من رصد أوضاع حقوق الإنسان بصورة مباشرة.

الحريات المدنية والسياسية

يظهر ملف الحريات المدنية والسياسية في صدارة التوصيات، إذ طالبت دول عدة بوقف اضطهاد المعارضين الفعليين أو المفترضين، والإفراج عن المحتجزين تعسفياً والسجناء السياسيين، وضمان احترام الحق في الحرية الشخصية والحماية من الاحتجاز التعسفي.

ودعت التوصيات إلى توفير ضمانات المحاكمة العادلة، والسماح للمحامين والأسر بالتواصل مع المحتجزين وزيارتهم، ووضع حد للتعذيب وسوء المعاملة والمعاملة القاسية أو اللاإنسانية أو المهينة داخل أماكن الاحتجاز.

ولم تتوقف المطالب عند الإفراج عن المحتجزين، بل امتدت إلى ضرورة إجراء تحقيقات مستقلة وشاملة في التقارير المتعلقة بالتعذيب وسوء المعاملة، بما في ذلك العنف الجنسي والعنف القائم على النوع الاجتماعي، ومحاسبة المسؤولين عن تلك الانتهاكات.

وتضمنت التوصيات دعوات لإجراء عمليات تفتيش مستقلة لأماكن الاحتجاز، وضمان حصول المحتجزين على الرعاية الصحية والعلاج، وتمكينهم من تلقي زيارات أسرهم، بما يتوافق مع المعايير الدولية لمعاملة السجناء.

ويأتي القضاء وسيادة القانون في محور آخر من محاور التوصيات، حيث دعت دول إلى اتخاذ تدابير فعالة لضمان استقلال ونزاهة نظام العدالة والشرطة والنيابة، واحترام ضمانات المحاكمة العادلة، واستعادة سيادة القانون والفصل بين السلطات.

وشملت التوصيات مطالب بإلغاء أو تعديل التشريعات التي تسمح بالإفلات من العقاب على انتهاكات حقوق الإنسان، وضمان وصول الضحايا إلى العدالة والحصول على جبر للأضرار التي لحقت بهم.

حرية الصحافة والإعلام

في ملف حرية الصحافة والإعلام، جاءت التوصيات أكثر تحديداً، إذ طالبت بوقف القيود المفروضة على حرية الصحافة، والعنف والمضايقات التي يتعرض لها الصحفيون والعاملون في مجال الإعلام، والتحقيق في الاعتداءات والتهديدات التي تطالهم، كما دعت إلى توفير بيئة آمنة يستطيع فيها الصحفيون ووسائل الإعلام المستقلة ممارسة عملهم بحرية، دون خوف من الانتقام أو الملاحقة القضائية، مع ضمان أمن مصادرهم واستثماراتهم وأصولهم.

وحظي المجتمع المدني باهتمام كبير في التوصيات، في ظل دعوات إلى إعادة الوضع القانوني للمنظمات غير الحكومية التي أُغلقت، وإعادة أصولها وممتلكاتها، والسماح لها بالعمل دون مضايقة أو أعمال انتقامية.

وتضمنت إحدى التوصيات المطالبة بإنهاء إغلاق آلاف منظمات المجتمع المدني ووسائل الإعلام المستقلة والمنظمات الدينية والجامعات التي أُغلقت منذ عام 2018، مع التأكيد على ضرورة حماية المدافعين عن حقوق الإنسان والصحفيين والمعارضين من التهديد والملاحقة.

وأكدت توصيات أخرى ضرورة إعادة إرساء الحيز المدني والديمقراطي، وإلغاء التشريعات التي تقيد حرية التعبير وتكوين الجمعيات والتجمع السلمي، وإعادة الشخصية القانونية للمنظمات التي حُلت أو أُغلقت.

وطالبت دول بتمكين الصحفيين والمعارضين السياسيين والمدافعين عن حقوق الإنسان ومنظمات المجتمع المدني من العمل بأمان، بعيداً عن أعمال الانتقام أو التهديد أو الاعتداء أو الملاحقة القضائية.

الحق في الجنسية

يبرز كذلك ملف الجنسية باعتباره أحد القضايا التي أثارت اهتماماً دولياً، إذ تضمنت التوصيات مطالب بإعادة الجنسية إلى الأشخاص الذين جُردوا منها تعسفياً، وضمان حقهم في العودة إلى البلاد، ومراجعة التشريعات المتعلقة بفقدان الجنسية بما يتوافق مع الالتزامات الدولية.

ودعت توصيات أخرى إلى تعديل أو إلغاء القوانين التي يمكن أن تؤدي إلى انعدام الجنسية، والالتزام بالاتفاقيات الدولية ذات الصلة، بما فيها الاتفاقية المتعلقة بوضع الأشخاص عديمي الجنسية واتفاقية عام 1961 بشأن خفض حالات انعدام الجنسية.

أما حقوق النساء والأطفال، فقد حضرت بقوة ضمن التوصيات، مع مطالب بمواصلة تعزيز حقوق المرأة والمساواة بين الجنسين، وضمان تكافؤ الفرص في المناصب القيادية وصنع القرار.

ودعت التوصيات إلى اتخاذ إجراءات فورية لمكافحة العنف القائم على النوع الاجتماعي، ومنع العنف ضد النساء والفتيات ومحاسبة مرتكبيه، إلى جانب اعتماد خطة شاملة لمكافحة جميع أشكال العنف ضد المرأة والفتاة، سواء في المجال الواقعي أو الرقمي.

وشملت التوصيات أيضاً حماية الأطفال والمراهقين من العنف والاستغلال، وتعزيز مؤسسات رعاية كبار السن والفئات الأكثر عرضة للضعف الاجتماعي، فضلاً عن حماية حقوق الشعوب الأصلية والمنحدرين من أصل إفريقي، وضمان مشاركتهم الكاملة في الشؤون العامة والسياسية، وحمايتهم من العنف والتمييز، كما دعت توصيات إلى تعزيز حماية المهاجرين غير النظاميين وتمكينهم من الحصول على الوثائق والمساعدة القانونية والرعاية الصحية والتعليم والحماية القانونية دون تمييز.

سياسات للحد من الفقر

في المقابل، تناول التقرير الحقوق الاقتصادية والاجتماعية التي عرضتها نيكاراغوا باعتبارها من المجالات التي شهدت تقدماً خلال السنوات السابقة.

وأشارت الدولة إلى سياسات للحد من الفقر والتنمية البشرية وزيادة الإنفاق الاجتماعي وتحسين الخدمات العامة، كما عرضت مؤشرات في الصحة والتعليم والحماية الاجتماعية والبنية التحتية.

ووفق ما ورد في التقرير، ارتفع الحد الأدنى القانوني للأجور في مختلف القطاعات الاقتصادية بنسبة 37.6% بين عامي 2019 و2024، كما ارتفع عدد العمال المسجلين في نظام الضمان الاجتماعي بنسبة 11% خلال الفترة نفسها.

وفي قطاع الصحة، عرضت نيكاراغوا ما قالت إنه توسع في الخدمات الصحية المجانية، مع وجود شبكة من المستشفيات والمراكز الصحية ومراكز الرعاية المتخصصة.

وأشار التقرير إلى تراجع معدل وفيات الأمهات من 31.1 إلى 28.1 لكل 100 ألف مولود حي بين عامي 2019 و2023، وانخفاض معدل وفيات الرضع من 12.7 إلى 12.1 لكل ألف مولود حي، وتراجع معدل وفيات الأطفال دون الخامسة من 8.6 إلى 7.1 لكل ألف مولود حي خلال الفترة نفسها.

وفي التعليم، ذكرت الدولة أن نسبة الالتحاق بالمدارس الابتدائية تجاوزت 90%، وأن عدد مراكز التعليم الفني والتكنولوجي ارتفع من 45 إلى 62 مركزاً، بما أتاح تقديم أكثر من 600 برنامج ودورة تدريبية.

وأشارت إلى برامج مخصصة للأطفال ذوي الإعاقة، وإلى توفير مواد تعليمية بصيغ برايل والصيغ الصوتية للطلاب المكفوفين، إلى جانب فصول دراسية داخل المستشفيات للأطفال والمراهقين الذين يحتاجون إلى إقامة طويلة بسبب أمراض مزمنة.

حقوق الإنسان في نيكاراغوا

وتظهر هذه المعطيات وجود مسارين متوازيين في التقييم الدولي لوضع حقوق الإنسان في نيكاراغوا؛ الأول يتعلق بما تعرضه الحكومة من إنجازات في التنمية الاجتماعية والاقتصادية وتوسيع الخدمات العامة، والثاني يتعلق بمخاوف واسعة عبّرت عنها دول مشاركة بشأن الحقوق المدنية والسياسية والحيز الديمقراطي.

وأشادت دول بالتقدم في مكافحة الفقر والصحة والتعليم وتمكين المرأة، بينما أعربت دول أخرى عن قلقها إزاء القيود المفروضة على المجتمع المدني والإعلام، والاحتجازات التعسفية، وقمع المعارضة والتضييق على الحريات.

وتكشف طبيعة التوصيات وكثافتها أن التحدي الأساسي أمام نيكاراغوا لا يرتبط فقط بإصدار تشريعات جديدة، وإنما بمدى تنفيذ الالتزامات القائمة وضمان وجود مؤسسات قادرة على حماية الحقوق ومساءلة المسؤولين عن الانتهاكات.

ولهذا ركز عدد كبير من التوصيات على التعاون مع آليات حقوق الإنسان الدولية، والسماح بالوصول إلى البلاد، وتنفيذ توصيات الاستعراض الدوري الشامل، إلى جانب مواءمة التشريعات الوطنية مع المعايير الدولية لحقوق الإنسان.

وفي السياق، تكتسب المتابعة داخل مجلس حقوق الإنسان أهمية خاصة، إذ إن الاستعراض الدوري الشامل لا يقتصر على عرض المواقف الدولية، وإنما يوفر إطاراً لمراجعة التقدم الذي تحرزه الدول في تنفيذ التوصيات التي قبلتها أو التزمت بالنظر فيها.

ويشير التقرير نفسه إلى أن الاستنتاجات والتوصيات الواردة فيه تعبّر عن مواقف الدول التي قدمتها أو الدولة موضوع الاستعراض، ولا ينبغي اعتبارها بالضرورة موقفاً موحداً للفريق العامل بأكمله.

حماية الحريات الأساسية

تضع التوصيات نيكاراغوا أمام مجموعة واسعة من الاستحقاقات، تبدأ بحماية الحريات الأساسية وضمان استقلال القضاء، وتمر بالإفراج عن المحتجزين تعسفياً والسجناء السياسيين، وحماية الصحفيين والمدافعين عن حقوق الإنسان، وإعادة المجال أمام منظمات المجتمع المدني، وصولاً إلى حماية الحق في الجنسية وتعزيز حقوق النساء والأطفال والشعوب الأصلية والمهاجرين، وتحسين الوصول إلى الصحة والتعليم والخدمات الاجتماعية.

ويبقى جوهر المتابعة الدولية خلال المرحلة المقبلة مرتبطاً بمدى قدرة سلطات نيكاراغوا على تحويل هذه التوصيات من التزامات ومطالب دولية إلى إجراءات ملموسة على أرض الواقع، بما يضمن حماية الحقوق والحريات لجميع المواطنين، ويعزز سيادة القانون واستقلال المؤسسات، ويفتح المجال أمام التعاون مع الآليات الدولية والإقليمية لحقوق الإنسان، فالفارق بين إعلان الالتزام بحقوق الإنسان وبين ضمان ممارستها فعلياً يظل هو الاختبار الأهم لأي عملية مراجعة دولية.