لم تعد المخدرات في عدد من مدن شمال كردستان قضية صحية فردية مرتبطة بسلوك شخصي فقط، بل تحوّلت إلى أزمة اجتماعية تمس فئات واسعة من الشباب، وتكشف عن فجوات في الوقاية والعلاج والدعم النفسي والاجتماعي، في مناطق تعاني أصلاً من ضغوط اقتصادية واجتماعية متراكمة.
فخلف انتشار التعاطي، خصوصاً بين المراهقين والشباب، توجد عوامل متعددة تتداخل فيها البطالة، وضعف الفرص، والمشكلات الأسرية، والتوترات السياسية والاجتماعية، إضافة إلى محدودية خدمات العلاج وإعادة التأهيل، ما يجعل كثيراً من المدمنين عالقين بين دائرة التعاطي وغياب الدعم.
وتتركز المخاوف بشكل خاص حول الفئات الأصغر سناً، إذ تشير المبادرات المحلية في مدن مثل وان وتوشبا وإدرميت وريّا أرموش إلى زيادة الحاجة إلى برامج توعية وعلاج طويلة الأمد، بعدما أصبحت المخدرات حاضرة في بعض الأحياء والبيئات القريبة من المدارس، وفق ما تؤكده جهات مدنية تعمل في المجال.
أزمة تتجاوز التعاطي
تؤكد منظمات حقوقية دولية أن التعامل مع مشكلة المخدرات لا يجب أن يقتصر على العقوبة، بل ينبغي أن ينظر إليها باعتبارها قضية مرتبطة بالصحة العامة والحقوق الاجتماعية.
ويدعو مكتب الأمم المتحدة المعني بالمخدرات والجريمة إلى اعتماد نهج يوازن بين إنفاذ القانون وتوفير العلاج والرعاية وإعادة دمج الأشخاص الذين يعانون من اضطرابات تعاطي المخدرات، مؤكداً أن الاعتماد على العقوبات وحدها لا يعالج جذور المشكلة.
وتؤكد منظمة الصحة العالمية أن اضطرابات تعاطي المخدرات تعد حالة صحية تحتاج إلى تدخلات علاجية ودعم نفسي واجتماعي، وأن الحصول على خدمات العلاج جزء من الحق في الصحة.
وفي شمال كردستان، تبرز هذه القضية بصورة أكثر تعقيداً بسبب محدودية مراكز العلاج المتخصصة، حيث تشير جهات مدنية محلية إلى أن كثيراً من الشباب الذين يقررون التوقف عن التعاطي لا يجدون مساراً مستداماً للعلاج والمتابعة بعد الخروج من المؤسسات الصحية.
الإدمان وغياب العلاج
تكشف شهادات العاملين في المجال الاجتماعي أن المشكلة الأكبر لا تبدأ فقط عند انتشار المخدرات، بل عند غياب مراحل العلاج اللاحقة.
فالعلاج الطبي القصير الأمد قد يساعد على تجاوز مرحلة الانسحاب الجسدي، لكنه لا يكفي وحده لمنع العودة إلى التعاطي، إذ يحتاج المتعافي إلى متابعة نفسية، ودعم اجتماعي، وبرامج تدريب وتعليم تساعده على إعادة بناء حياته.
وتشير مكتب الأمم المتحدة المعني بالمخدرات والجريمة في تقاريره حول علاج اضطرابات تعاطي المخدرات إلى أهمية توفير خدمات متكاملة تشمل الوقاية والعلاج وإعادة التأهيل، بدلاً من الاكتفاء بالتدخلات الأمنية.
وفي مدن شمال كردستان، تقول منظمات المجتمع المدني إن نقص مراكز إعادة التأهيل المتخصصة يمثل إحدى أكبر الفجوات، إذ لا توجد قدرة كافية لاستيعاب الحالات أو متابعة المتعافين بعد انتهاء العلاج الأولي.
النساء والفتيات.. الفئة الأكثر هشاشة
لا يقتصر أثر انتشار المخدرات على المتعاطين أنفسهم، بل يمتد إلى الأسر والمجتمعات المحيطة، وتواجه النساء والفتيات مخاطر خاصة في البيئات التي ينتشر فيها التعاطي.
وتشير منظمات حقوقية إلى أن النساء قد يتعرضن للعنف الأسري أو الابتزاز أو الاستغلال نتيجة ارتباط بعض الحالات بالإدمان داخل الأسرة أو المجتمع.
وتؤكد هيئة الأمم المتحدة للمرأة أن العنف ضد النساء يرتبط في كثير من السياقات بعوامل اجتماعية واقتصادية معقدة، وأن معالجة جذوره تتطلب حماية اجتماعية وخدمات دعم متخصصة للنساء المعرضات للخطر.
وفي المناطق التي تعاني من ضعف الخدمات، تصبح النساء اللاتي يعشن مع أفراد مدمنين أكثر عرضة لتحمل تبعات الأزمة، سواء عبر العنف أو الفقر أو الضغوط النفسية.
ضعف المساحات الآمنة للشباب
ترى منظمات مدنية محلية تعمل في شمال كردستان أن جزءاً من انتشار التعاطي يرتبط بضعف المساحات الآمنة للشباب، وغياب الأنشطة الثقافية والرياضية والاجتماعية التي تمنحهم فرصاً للاندماج والتعبير.
وتشدد منظمة الأمم المتحدة للطفولة على أهمية توفير بيئات داعمة للأطفال والمراهقين، تشمل التعليم والصحة النفسية والحماية الاجتماعية، باعتبارها أدوات أساسية للوقاية من السلوكيات الخطرة.
ويصبح هذا الأمر أكثر أهمية في المناطق التي تواجه تحديات اقتصادية أو اجتماعية، حيث يمكن أن يؤدي غياب الفرص إلى زيادة قابلية بعض الشباب للانخراط في أنماط سلوكية ضارة.
الحق في العلاج
تحتاج مكافحة المخدرات إلى توازن بين مواجهة شبكات الاتجار وحماية الأشخاص الذين يعانون من الإدمان.
وتمثل ملاحقة تجار المخدرات جزءاً أساسياً من حماية المجتمع، لكن التعامل مع المدمن باعتباره مجرماً فقط قد يدفع كثيراً من الحالات إلى الاختباء وعدم طلب المساعدة.
وتوصي مفوضية الأمم المتحدة السامية لحقوق الإنسان بأن تراعي سياسات مكافحة المخدرات حقوق الإنسان، بما يشمل الحق في الصحة، وعدم استخدام العقوبات بطريقة تؤدي إلى حرمان الأشخاص من الرعاية الضرورية.
الحل يبدأ من الوقاية
تحتاج مواجهة أزمة المخدرات في شمال كردستان إلى منظومة متكاملة تبدأ بالتوعية المبكرة داخل المدارس والمجتمعات، وتمتد إلى توفير مراكز علاج وتأهيل فعالة، ودعم الأسر، وخلق فرص تعليمية واقتصادية للشباب.
ولا تنتشر المخدرات فقط بسبب وجود المادة المخدرة، بل أيضاً بسبب وجود بيئات تسمح بتوسعها عندما تغيب الحماية الاجتماعية والفرص البديلة.
وبينما تستمر المبادرات المحلية في محاولة احتواء الظاهرة، يبقى التحدي الأكبر هو الانتقال من تشخيص الأزمة إلى بناء استجابة طويلة الأمد، تجعل الشاب الذي خرج من دائرة الإدمان قادراً على العودة إلى المجتمع، لا العودة إلى نقطة البداية.
