منصة راصدة تحليلية لقضايا حقوق الإنسان

لا منازل ولا مصادر دخل.. نساء جنوب لبنان يعانين من تداعيات الحرب

23 أغسطس 2026
لبنان.. النساء يدفعن الكلفة الأكبر للحرب
لبنان.. النساء يدفعن الكلفة الأكبر للحرب

لم تنتهِ الحرب بالنسبة إلى كثير من نساء جنوب لبنان بخروج القصف من سماء القرى الحدودية، فآثار المواجهات بقيت حاضرة في منازل مدمرة، ومصادر رزق فُقدت، وأسر تغيرت أدوارها بعد فقدان المعيل أو اضطرار الرجال إلى مغادرة مناطقهم بحثاً عن الأمان أو العمل.

في الجنوب اللبناني، تجد نساء كثيرات أنفسهن أمام معركة جديدة عنوانها إعادة بناء الحياة، وسط أزمة اقتصادية خانقة جعلت توفير الاحتياجات الأساسية أكثر صعوبة، وألقت أعباءً إضافية على الأسر التي تقودها النساء.

فبين أم تحاول تأمين احتياجات أطفالها بعد فقدان مصدر الدخل، وامرأة عادت إلى منزل لم يعد صالحاً للسكن، وأخرى تبحث عن عمل في منطقة تضررت بنيتها الاقتصادية، تكشف تداعيات الحرب وجهاً إنسانياً آخر للأزمة، حيث لا تنتهي الخسائر بمجرد توقف المعارك.

عودة إلى واقع مدمر

شهد جنوب لبنان تصعيداً عسكرياً واسعاً منذ أكتوبر 2023، أدى إلى نزوح أعداد كبيرة من السكان من القرى الحدودية، وتضرر آلاف المنازل والبنى التحتية.

ووفق المنظمة الدولية للهجرة، أدى التصعيد إلى نزوح مئات الآلاف داخل لبنان، قبل أن يبدأ جزء من السكان بالعودة تدريجياً بعد اتفاق وقف إطلاق النار في نوفمبر 2024.

لكن العودة لم تكن نهاية الأزمة بالنسبة لكثير من العائلات؛ إذ عاد البعض إلى مناطق تعاني من أضرار واسعة في المنازل، أو نقص في الخدمات الأساسية، أو غياب فرص العمل.

وتواجه النساء تحديات إضافية خلال مرحلة ما بعد النزاع؛ لأن مسؤوليات الرعاية داخل الأسرة غالباً ما تقع عليهن، في وقت تقل فيه الموارد المتاحة لإعادة بناء الحياة اليومية.

عندما تصبح المرأة المعيل الوحيد

تعد النساء اللواتي فقدن أزواجهن أو مصادر الدخل الأساسية من أكثر الفئات تأثراً بتداعيات الحرب، فالأسرة التي كانت تعتمد على دخل شخص واحد قد تجد نفسها فجأة أمام مسؤوليات جديدة، تشمل تأمين الغذاء والدواء وتوفير تكاليف التعليم وإصلاح المنزل أو البحث عن مسكن بديل ورعاية الأطفال وسط ظروف نفسية صعبة.

وتشير هيئة الأمم المتحدة للمرأة إلى أن النساء في مناطق النزاعات يتحملن أعباءً مضاعفة؛ إذ يجمعن بين مسؤوليات الرعاية ومحاولات تأمين الدخل، في حين تكون فرص العمل والحماية الاجتماعية محدودة.

وفي لبنان، جاءت هذه الضغوط فوق أزمة اقتصادية مستمرة منذ عام 2019، أدت إلى تراجع كبير في القدرة الشرائية وارتفاع تكاليف المعيشة.

أزمة اقتصادية تزيد المعاناة

تواجه الأسر في جنوب لبنان تداعيات الحرب في ظل وضع اقتصادي صعب أصلاً، ووفق البنك الدولي، شهد لبنان واحدة من أشد الأزمات الاقتصادية في العالم خلال العصر الحديث، مع انهيار كبير في قيمة العملة وارتفاع مستويات الفقر وتراجع قدرة الدولة على تقديم الخدمات الأساسية.

هذا الواقع جعل الأسر التي فقدت مصادر دخلها أكثر هشاشة، خصوصاً النساء اللواتي لا يمتلكن دخلاً مستقلاً أو فرصاً كافية للاندماج في سوق العمل.

وتصبح إعادة الإعمار بالنسبة لكثير من النساء تحديا يتجاوز إصلاح الجدران والأسقف؛ إذ ترتبط أيضاً بإعادة بناء مصدر رزق واستعادة الشعور بالأمان والاستقرار.

المنزل المفقود ليس مجرد جدران

بالنسبة للعديد من النساء في الجنوب، لا يمثل المنزل مكاناً للسكن فقط، بل مساحة مرتبطة بالأمان والخصوصية واستقرار الأسرة، لكن تضرر المنازل أو فقدانها يفرض أعباءً إضافية، خصوصاً على الأسر التي لا تمتلك الموارد المالية اللازمة لإعادة البناء.

وتشير تقارير أممية إلى أن الأضرار التي لحقت بالمناطق الحدودية اللبنانية طالت منازل ومرافق حيوية ومنشآت اقتصادية، ما جعل عودة السكان مرتبطة بقدرة المجتمعات المحلية على التعافي وإعادة الخدمات.

وتصبح النساء أكثر تأثراً عندما يؤدي فقدان المنزل إلى فقدان شبكات الدعم العائلية والاجتماعية التي كانت تساعدهن في إدارة الحياة اليومية.

العنف ضد النساء

تحذر المنظمات الحقوقية والإنسانية من أن النزاعات والأزمات الاقتصادية قد تزيد مخاطر العنف القائم على النوع الاجتماعي، بسبب النزوح وفقدان الخصوصية والضغوط النفسية والاجتماعية.

وتؤكد هيئة الأمم المتحدة للمرأة وصندوق الأمم المتحدة للسكان أن حماية النساء خلال الأزمات لا تقتصر على توفير المساعدات، بل تشمل أيضاً الوصول إلى الدعم النفسي والحماية القانونية وخدمات الرعاية الصحية وآليات الإبلاغ عن العنف والاستجابة له.

وفي لبنان، تعمل منظمات محلية ودولية على تقديم خدمات دعم للنساء المتضررات من النزاع، تشمل المساعدة الاجتماعية والقانونية وبرامج التمكين الاقتصادي.

مطالبات بحماية طويلة الأمد

ترى منظمات حقوقية وإنسانية أن الاستجابة لمعاناة النساء في جنوب لبنان يجب ألا تقتصر على المساعدات الطارئة، بل ينبغي أن تمتد إلى ضمان حقوقهن خلال مرحلة التعافي وإعادة الإعمار.

وتؤكد اللجنة الدولية للصليب الأحمر ضرورة حماية المدنيين وتأمين احتياجاتهم الأساسية خلال النزاعات وبعدها، خاصة الفئات الأكثر هشاشة.

وتشدد الأمم المتحدة على أهمية إشراك النساء في خطط التعافي وإعادة البناء، باعتبارهن طرفاً أساسياً في صمود المجتمعات المتضررة.

أما هيومن رايتس ووتش فتشير في تقاريرها المتعلقة بالأزمة اللبنانية إلى أن الفئات الأكثر ضعفاً تتحمل العبء الأكبر من تداعيات الانهيار الاقتصادي وتراجع الخدمات.

آثار الحرب ومحاولة الصمود

تحاول نساء جنوب لبنان اليوم إعادة ترتيب حياتهن وسط واقع معقد يجمع بين آثار الحرب والأزمة الاقتصادية، فالمرأة التي فقدت منزلاً تحتاج إلى أكثر من مأوى مؤقت، والمرأة التي فقدت المعيل تحتاج إلى أكثر من مساعدة غذائية، والأسرة التي عاشت النزوح تحتاج إلى أكثر من العودة الجغرافية إلى القرية.

وتكشف قصص النساء في جنوب لبنان أن آثار الحروب لا تقاس فقط بعدد الضحايا أو حجم الدمار، بل أيضاً بعدد العائلات التي تغيرت حياتها، وبالنساء اللواتي وجدن أنفسهن أمام مسؤوليات جديدة لم يخترنها.

وفي مرحلة ما بعد الحرب، يبقى الاختبار الحقيقي هو قدرة المجتمع والدولة والجهات الدولية على تحويل صمود هؤلاء النساء من معركة فردية للبقاء إلى مسار يضمن لهن حق السكن الآمن، والعمل، والرعاية، والحياة الكريمة.