دخلت تونس صيفاً جديداً مثقلاً بأزمة معيشية تتقاطع فيها كلفة الغذاء مع البطالة ونقص المياه والضغوط على الخدمات العامة، في حين تعود الاحتجاجات السياسية إلى قلب العاصمة للمطالبة برحيل الرئيس قيس سعيّد واستعادة المسار الديمقراطي.
وخرج مئات المحتجين في تونس أخيراً، مطالبين بالإفراج عن معارضين وصحفيين ونشطاء، ورافعين أيضاً مطالب تتصل بتدهور الظروف المعيشية بحسب ما أوردته وكالة رويترز، وتعكس الاحتجاجات الأخيرة اتساع الغضب من الملفات الاقتصادية والاجتماعية إلى جانب الاعتراض على تركيز السلطة منذ إجراءات 25 يوليو 2021.
الأسعار تضغط على الأسر
وتبين أحدث بيانات المعهد الوطني للإحصاء في تونس أن معدل التضخم بلغ 5.1 بالمئة في يوليو 2026، بعدما سجل 5.3 بالمئة في يونيو و5.5 بالمئة في مايو، وقال المعهد الوطني للإحصاء إن التضخم السنوي بلغ 5.3 بالمئة خلال 2025، مقابل 7 بالمئة في 2024، لكن انخفاض المعدل العام لم يمنع استمرار ارتفاع أسعار بعض السلع الأساسية بوتيرة أعلى من متوسط التضخم.
وأظهرت بيانات يونيو أن أسعار الغذاء ارتفعت 7.1 بالمئة على أساس سنوي، مع ارتفاع اللحوم الضأن 18.3 بالمئة واللحوم الحمراء 13.6 بالمئة والدواجن 13.5 بالمئة والأسماك الطازجة 11.7 بالمئة والفواكه الطازجة 11 بالمئة.
النمو لا يصل إلى الجميع
سجل الاقتصاد التونسي نمواً حقيقياً بنسبة 2.5 بالمئة خلال 2025، ثم نما بنسبة 2.6 بالمئة في الربع الأول من 2026 و2.3 بالمئة في الربع الثاني، وفقاً للمعهد الوطني للإحصاء.
وقال البنك الدولي إن الاقتصاد التونسي أظهر تحسناً خلال 2025، مدفوعاً بتعافي الزراعة ونشاط الصناعات الميكانيكية والكهربائية والاستهلاك الخاص والسياحة، لكنه أكد استمرار قيود هيكلية تشمل ضعف الاستثمار والإنتاجية ومحدودية التمويل الخارجي.
وتكشف هذه الأرقام مفارقة اجتماعية واضحة؛ إذ يتحسن النشاط الاقتصادي تدريجياً، في حين لا تزال سوق العمل عاجزة عن توفير فرص كافية لملايين التونسيين.
البطالة تضرب الشباب
أعلن المعهد الوطني للإحصاء أن عدد العاطلين عن العمل في تونس بلغ 622.4 ألف شخص خلال الربع الثاني من 2026، بمعدل بطالة بلغ 14.9 بالمئة، وسجلت البطالة بين الشباب الذين تراوح أعمارهم بين 15 و24 عاماً 35.4 بالمئة، في حين ارتفعت بين خريجي التعليم العالي إلى 26.6 بالمئة، وبلغت 35.6 بالمئة بين خريجات الجامعات.
وقال المعهد الوطني للإحصاء إن معدل البطالة لدى النساء وصل إلى 21.6 بالمئة، مقابل 11.8 بالمئة لدى الرجال، وهو فارق يكشف صعوبة دخول قطاعات واسعة من النساء إلى سوق العمل رغم ارتفاع مستويات التعليم.
الفقر لم ينتهِ
تظهر أحدث البيانات المتاحة للبنك الدولي أن معدل الفقر الوطني في تونس بلغ 16.6 بالمئة في 2021، بعدما كان 15.2 بالمئة في 2015 و20.5 بالمئة في 2010.
وقال البنك الدولي إن جائحة كورونا والحرب الروسية الأوكرانية والجفاف الحاد خلال السنوات الأخيرة فاقمت الضغوط على الفقر وعدم المساواة. وأضاف البنك الدولي أن برنامج أمان للتحويلات النقدية أصبح أحد أهم أدوات الحماية الاجتماعية، مع استفادة أكثر من 333 ألف أسرة فقيرة من تحويلات شهرية، إلى جانب خدمات صحية مجانية لهذه الأسر وخدمات مدعومة لمئات الآلاف من الأسر منخفضة الدخل.
الماء يتحول إلى أزمة يومية
تجاوزت أزمة المياه حدود الجفاف الزراعي لتصل إلى الحياة اليومية للأسر، خصوصاً مع تكرار اضطرابات التزويد خلال فترات ارتفاع الطلب، وكشف البنك الدولي أن تونس تستنزف نحو 133 بالمئة من موارد المياه الجوفية المتاحة، في حين تفقد شبكات مياه الشرب نحو 23 بالمئة من المياه بسبب التسربات قبل وصولها إلى المستهلكين.
وأكد البنك الدولي في أبريل 2026 إطلاق برنامج بقيمة 332.5 مليون دولار لتعزيز الأمن المائي وتحسين خدمات مياه الشرب ودعم الزراعة وخلق فرص العمل، وتقر الشركة الوطنية لاستغلال وتوزيع المياه بأن الجفاف يمثل تهديداً مباشراً، في حين تواصل الدولة تنفيذ مشاريع لتحلية مياه البحر ونقل المياه وتجديد الشبكات.
وتزداد حساسية ملف المياه لأن الدستور التونسي الصادر عام 2022 ينص في الفصل 48 على التزام الدولة بتوفير مياه الشرب للجميع على قدم المساواة والحفاظ على الموارد المائية للأجيال المقبلة. وقالت الحكومة التونسية في يونيو 2026 إنها اتخذت إجراءات لتأمين مياه الشرب، شملت تعزيز مشروعات البنية الأساسية وتحسين شبكات التوزيع وتجديد التجهيزات ومراقبة التسربات وتوسيع استخدام الموارد غير التقليدية.
وأظهرت هذه الإجراءات أن أزمة المياه أصبحت ملفاً اقتصادياً واجتماعياً وسياسياً متداخلاً مع قدرة الدولة على توفير خدمة أساسية نص عليها الدستور.
الخدمات تحت الاختبار
لم تعد الاحتجاجات مرتبطة فقط بالأسعار أو البطالة؛ إذ نقلت وكالة أسوشيتد برس عن التطورات الأخيرة أن موجة الحر الشديدة وانقطاعات الكهرباء والمياه دفعت مزيداً من التونسيين إلى الاحتجاج، مع شكاوى من نقص بعض الأدوية وتراجع الخدمات الأساسية.
وربطت الوكالة بين ارتفاع درجات الحرارة والضغط على شبكة الكهرباء، وبين تأثير انقطاع الكهرباء في منظومة توزيع المياه وبعض الأنشطة الصناعية، ويكشف هذا الترابط كيف يمكن لأزمة في قطاع واحد أن تنتقل بسرعة إلى قطاعات أخرى، فتضاعف الضغط على الأسر والعمال وأصحاب الأعمال.
الدين والتمويل يقيدان الحركة
واجهت تونس خلال السنوات الأخيرة صعوبة متزايدة في الحصول على التمويل الخارجي، ما دفع الدولة إلى الاعتماد بصورة كبرى على مصادر تمويل محلية، وبحسب بيانات البنك الدولي فقد تراجع الدين العام من نحو 84.9 بالمئة من الناتج المحلي الإجمالي في 2024 إلى نحو 82.2 بالمئة في 2025، لكنه ظل أعلى بكثير من مستوى 67.8 بالمئة المسجل في 2019.
وأوضح البنك الدولي أن العجز المالي بلغ نحو 5.2 بالمئة من الناتج في 2025، مقابل 6.1 بالمئة في 2024، في حين توسع عجز الحساب الجاري إلى 2.4 بالمئة من الناتج.
الاحتجاج يتجاوز الاقتصاد
جاءت احتجاجات أغسطس 2026 في سياق سياسي بدأ في 25 يوليو 2021، عندما أعلن الرئيس قيس سعيّد إجراءات استثنائية شملت إقالة الحكومة وتعليق أعمال البرلمان ثم حله، قبل أن يعيد تشكيل النظام السياسي ويصدر دستوراً جديداً عام 2022.
وقالت وكالة رويترز إن المحتجين في مظاهرة 20 أغسطس طالبوا بإنهاء حكم سعيّد وإعادة الديمقراطية والإفراج عن شخصيات سياسية وصحفيين ونشطاء، في حين يرى الرئيس أن إجراءاته كانت ضرورية لمواجهة الفساد والفوضى السياسية، وينفي أن يكون قد اتجه إلى الديكتاتورية.
القمع يوسع فجوة الثقة
وثقت منظمة العفو الدولية تصاعد الملاحقات ضد المعارضة والنشطاء والمدافعين عن حقوق الإنسان والصحفيين، وقالت إن السلطات استخدمت قوانين مكافحة الإرهاب والجرائم الإلكترونية في قضايا سياسية ومحاكمات جماعية.
وأشارت المنظمة إلى أن محكمة الاستئناف في تونس ثبتت في نوفمبر 2025 أحكاماً تراوحت بين خمس و45 سنة بحق 34 متهماً في قضية عرفت باسم قضية التآمر، في حين تحدثت منظمة هيومن رايتس ووتش عن تضييق متزايد على المجتمع المدني وحرية التجمع والصحافة واستقلال القضاء.
الأمم المتحدة تحذر
أكدت لجنة حقوق الإنسان التابعة للأمم المتحدة في مارس 2024 ضرورة استكمال إنشاء المحكمة الدستورية وضمان استقلالها، وأبدت مخاوف بشأن ضمانات المحتجزين ومراجعة قرارات الاحتجاز، كما دعت إلى آليات مستقلة وفعالة لتقديم الشكاوى.
وقالت اللجنة إن دستور 2022 أضعف استقلال المحكمة الدستورية من خلال منح الرئيس دوراً مباشراً في تعيين أعضائها. وتستند هذه الملاحظات إلى التزامات تونس بموجب العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية الذي صدقت عليه تونس عام 1969.
حقوق الإنسان والاقتصاد وجهان للأزمة
تضع هذه التطورات الأزمة التونسية أمام معادلة أكثر تعقيداً من مجرد تراجع القدرة الشرائية، فالعهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية يحمي حرية التعبير والتجمع والمشاركة السياسية، في حين يفرض العهد الدولي الخاص بالحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية التزامات تتعلق بالعمل ومستوى المعيشة والخدمات الأساسية.
وقالت منظمة هيومن رايتس ووتش في تقريرها لعام 2026 إن السلطات التونسية كثفت التضييق على المعارضين والمحامين والصحفيين ومنظمات المجتمع المدني، في حين قالت منظمة العفو الدولية إن تضييق المجال المدني وتوسيع الملاحقات السياسية عمّقا أزمة سيادة القانون.
وتكشف الأرقام الرسمية والدولية أن تونس لا تواجه أزمة واحدة يمكن اختزالها في مؤشر اقتصادي أو خلاف سياسي، بل تواجه تراكماً من الضغوط التي تمس الحياة اليومية وفرص العمل والخدمات والمياه والقدرة الشرائية، بالتوازي مع أزمة ثقة في المؤسسات والحريات.
ومع عودة المحتجين إلى شارع الحبيب بورقيبة، يتحول الغضب المعيشي إلى جزء من خطاب سياسي أوسع، في حين تظل قدرة المعارضة على توحيد صفوفها وتحويل الاحتجاجات المتفرقة إلى ضغط سياسي مستدام موضع اختبار.
وتقول المعطيات الحالية إن الاقتصاد بدأ يستعيد بعض النمو، لكن استمرار البطالة وارتفاع أسعار الغذاء وأزمة المياه والقيود على المجال العام تجعل التعافي الاقتصادي وحده غير كافٍ لتهدئة الاحتقان الاجتماعي والسياسي.
يذكر ان الأزمة السياسية الحالية بدأت مع إجراءات 25 يوليو 2021 التي أنهت عملياً الترتيبات السياسية التي قامت بعد ثورة 2011، ثم جاءت انتخابات 2024 التي أعادت انتخاب قيس سعيّد لولاية جديدة وسط انتقادات حقوقية بشأن شروط المنافسة السياسية، وفي المقابل، تحمل الأزمة الاقتصادية جذوراً أقدم من وصول سعيّد إلى السلطة؛ إذ تعاني تونس منذ سنوات ضعف النمو والاستثمار وارتفاع الدين العام واختلالات المؤسسات العمومية وتفاوتات إقليمية واضحة.
ويؤكد البنك الدولي أن الاقتصاد نما بنسبة 0.2 بالمئة فقط في 2023، ثم تحسن إلى 1.6 بالمئة في 2024 و2.5 بالمئة في 2025، في حين سجل المعهد الوطني للإحصاء 14.9 بالمئة للبطالة في الربع الثاني من 2026.
وتوضح هذه المسارات أن الأزمة الحالية تجمع بين إرث اقتصادي طويل وتوتر سياسي متصاعد وتحديات اجتماعية وبيئية تضغط معاً على حياة التونسيين.

