لا يظهر التطرف العنيف فجأة عند لحظة استخدام السلاح، وإنما يمكن أن يتغذى على ظروف اجتماعية واقتصادية وسياسية تسمح بتراكم التهميش والتمييز والشعور بالظلم، قبل أن تستغل الجماعات المتطرفة هذه البيئة لاستقطاب الأفراد وتحويل المظالم إلى مشروع للعنف.
وأكدت الأمم المتحدة في خطة العمل لمنع التطرف العنيف أن الإجراءات الأمنية تظل ضرورية، لكنها لا تكفي وحدها، داعية إلى معالجة الأسباب التي تدفع الأفراد إلى التطرف، وتعزيز حقوق الإنسان وسيادة القانون والتنمية والمشاركة المجتمعية.
وأوضح أحدث تقرير للأمين العام للأمم المتحدة عن تنظيم “داعش” الصادر في فبراير 2026 أن التهديد لا يزال قائماً وقادراً على التكيف مع الضغوط الأمنية، وأن التنظيم يستفيد من التكنولوجيا الناشئة والذكاء الاصطناعي والأصول الافتراضية والطائرات المسيرة لتوسيع قدرته على الوصول والتأثير في المنطقة العربية، لافتاً أن التنظيم ما زال يحتفظ بنشاط في العراق وسوريا، ما يؤكد أن تراجع الهجمات لا يعني انتهاء البيئة التي يمكن أن تعيد إنتاج التطرف.
التمييز بين الدين والتطرف
أوضحت مفوضية الأمم المتحدة السامية لحقوق الإنسان أن القانون الدولي لا يساوي بين الدين والتطرف، ولا يعد المعتقد الديني في حد ذاته مصدراً للعنف، بل يحمي حرية الفكر والوجدان والدين والمعتقد، وفي المقابل، تحظر المادة 20 من العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية الدعوة إلى الكراهية الدينية عندما تشكل تحريضاً على التمييز أو العداء أو العنف.
وأكدت المفوضية أن هذا التمييز ضروري حتى لا تتحول مكافحة خطاب الكراهية إلى ذريعة لتقييد حرية الدين أو التعبير بصورة جماعية.
وقال مكتب مفوض الأمم المتحدة السامي لحقوق الإنسان إن خطة عمل الرباط وضعت اختباراً من ستة عناصر للتمييز بين التعبير المحمي قانوناً والتحريض الذي يمكن أن يستوجب المنع أو العقوبة، وتشمل هذه العناصر السياق، ومكانة المتحدث، والقصد، ومضمون الخطاب وشكله، ومدى انتشاره، واحتمال وقوع الضرر.
ويعني ذلك أن مجرد التعبير الصادم أو المسيء لا يساوي تلقائياً تحريضاً جنائياً، في حين يصبح التدخل القانوني أكثر إلحاحاً عندما يتحول الخطاب إلى دعوة فعلية للتمييز أو العداء أو العنف.
من الاختلاف إلى الإقصاء
أظهرت الأمم المتحدة أن الخطر يتضاعف عندما ينتقل الخطاب من التعبير عن اعتقاد إلى تصنيف الآخرين ونزع شرعيتهم؛ لأن تصوير جماعة دينية أو مذهبية أو اجتماعية باعتبارها أقل قيمة أو غير جديرة بالحقوق يمكن أن يمهد لتبرير التمييز والعنف ضد أفرادها.
وشددت المفوضية الأممية على أن الاعتداء على الأقليات الدينية، أو التحريض ضدها، أو حرمانها من الحقوق بسبب معتقدها، يمثل انتهاكاً لمبادئ حقوق الإنسان ويهدد التعايش داخل المجتمع.
وأكدت المفوضية أن العنف باسم الدين لا يهدد الضحية المباشرة وحدها، بل يضرب البنية الاجتماعية بأكملها؛ لأن استهداف جماعة على أساس هويتها يزرع الخوف ويدفع الأفراد إلى الانغلاق داخل هوياتهم، ويعمق الانقسام ويضعف الثقة المتبادلة، مشددة على أن تتحمل الدول مسؤولية منع العنف ضد الأقليات والتحقيق فيه ومحاسبة مرتكبيه، بغض النظر عن هوية الضحايا أو الجناة.
من الإقصاء إلى التجنيد
كشف برنامج الأمم المتحدة الإنمائي أن تفسير التطرف العنيف باعتباره نتاجاً مباشراً للعقيدة الدينية وحدها لا يعكس تعقيد مسارات التجنيد، وقد استند تقرير “الرحلة إلى التطرف في إفريقيا” لعام 2023 إلى شهادات نحو 2200 شخص في ثماني دول إفريقية، بينهم أعضاء سابقون في جماعات متطرفة، ودرس المراحل التي سبقت الانضمام إلى التنظيمات والعوامل التي دفعت بعض المشاركين إلى الانفصال عنها.
وأظهر برنامج الأمم المتحدة الإنمائي أن فرص العمل وسبل العيش والظلم والانتهاكات شكلت عوامل مؤثرة في مسارات التجنيد، في حين أشار التقرير إلى أن 71% من المشاركين الذين حددوا نقطة تحول قبل الانضمام ربطوها بأفعال قامت بها أجهزة الدولة، مثل قتل أو اعتقال قريب أو صديق.
وذكر التقرير أن الدين جاء ضمن دوافع متعددة، وليس باعتباره تفسيراً وحيداً لمسار التطرف، وتخص هذه البيانات دول العينة الإفريقية ولا تمثل إحصاءً للعالم العربي، لكنها تقدم دليلاً مهماً على تعدد أسباب التطرف العنيف.
التنظيم السري
أوضح برنامج الأمم المتحدة الإنمائي أن الجماعات المتطرفة تستطيع استغلال المظالم المحلية وشبكات العلاقات الاجتماعية والفراغات الأمنية لتوسيع نفوذها، وأن ضعف الخدمات وفرص العمل والحكم الرشيد يمكن أن يمنح التنظيمات مساحة لتقديم نفسها باعتبارها بديلاً للدولة أو وسيلة للانتقام.
ويكشف هذا المسار أن انتقال الفرد من خطاب متشدد إلى تنظيم منظم لا يحدث في فراغ، وإنما يستفيد من بيئة تسمح للتنظيم ببناء شبكات التجنيد والتمويل والتأثير.
وأشار أحدث تقرير للأمين العام للأمم المتحدة في فبراير 2026 إلى أن تنظيم داعش أظهر قدرة على التكيف وإعادة بناء بعض قدراته، رغم الضغوط التي تعرض لها خلال السنوات السابقة، كما استغل التكنولوجيا الجديدة والذكاء الاصطناعي والعملات الرقمية والطائرات المسيرة.
وأكد التقرير أن التنظيمات المتطرفة تتكيف مع الإجراءات الأمنية بدلاً من اختفائها بالضرورة، وهو ما يجعل الوقاية المبكرة من التطرف أكثر أهمية من انتظار تشكل التنظيم المسلح.
الشباب في مرمى الاستهداف
كشف مؤشر الإرهاب العالمي 2026 أن التطرف المرتبط بالشباب أصبح من أبرز المخاطر المتصاعدة في بعض البيئات؛ إذ مثل القاصرون والشباب 42% من التحقيقات المرتبطة بالإرهاب في أوروبا وأمريكا الشمالية خلال 2025، بزيادة ثلاثة أضعاف مقارنة بعام 2021.
وأوضح المؤشر أن التطرف الرقمي أصبح أسرع، وأن المحتوى القصير والخوارزميات ومنصات التواصل يمكن أن تختصر المدة اللازمة للانتقال من التعرض للدعاية إلى تبني أفكار متطرفة. وهذه الأرقام تخص أوروبا وأمريكا الشمالية، لكنها تكشف اتجاهاً عالمياً متزايداً في استغلال البيئة الرقمية لاستهداف صغار السن.
وأضاف مؤشر الإرهاب العالمي 2026 أن تنظيم داعش ظل أكثر التنظيمات الإرهابية فتكاً خلال 2025، رغم تراجع نطاق انتشاره من 22 دولة إلى 15 دولة، في حين ارتفع عدد هجماته في إفريقيا جنوب الصحراء من 111 إلى 221 هجوماً، في حين تراجعت هجماته في الشرق الأوسط وشمال إفريقيا بنسبة 39%.
وأظهرت البيانات أن سوريا شهدت 238 هجوماً منسوباً إلى التنظيم خلال 2025، ما يعكس استمرار القدرة على إعادة النشاط رغم الانحسار الكبير مقارنة بسنوات الذروة.
سوريا والعراق
أظهر مؤشر الإرهاب العالمي 2026 تراجعاً كبيراً في مستوى الإرهاب بمنطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا مقارنة بذروة العقد الماضي؛ إذ انخفضت الهجمات في المنطقة بنحو 82% منذ عام 2015، في حين تراجعت الوفيات بنحو 96%.
وسجل العراق أكبر تحسن إقليمي، حيث انخفضت الوفيات المرتبطة بالإرهاب بنسبة 99% خلال العقدين الماضيين، في حين تراجعت الوفيات في سوريا من ذروة بلغت 1015 وفاة عام 2012 إلى 156 وفاة عام 2025.
وكشف المؤشر أن سوريا شهدت 243 حادثة إرهابية خلال 2025، أسفرت عن 156 قتيلاً و220 مصاباً، مقابل 430 حادثة و744 قتيلاً في 2024، في حين تراجع عدد الهجمات بنسبة 44% والوفيات بنسبة 79%.
ورغم هذا الانخفاض، حذر المؤشر من أن عدم الاستقرار السياسي والأمني يمكن أن يمنح تنظيم داعش فرصاً لإعادة بناء قدراته، وهو ما يؤكد أن تراجع الإرهاب لا يعني انتهاء جذوره.
وأضافت لجنة مكافحة الإرهاب التابعة لمجلس الأمن أن أحدث تقييم أممي لخطر داعش ما زال يرصد نشاطاً للتنظيم في العراق وسوريا، مع استمرار المخاوف من قدرته على استغلال البيئات الهشة وإعادة بناء قدراته التشغيلية، منوهة أن الظروف الإنسانية الصعبة في شمال شرق سوريا، حيث يوجد عشرات الآلاف في مخيمات ومراكز احتجاز، تمثل تحدياً أمنياً وإنسانياً طويل الأمد.
مصر.. تراجع الإرهاب مع استمرار الوقاية
أظهر مؤشر الإرهاب العالمي 2026 أن مصر انتقلت إلى فئة الدول ذات التأثير المنخفض بالإرهاب، واحتلت المرتبة 32 عالمياً في المؤشر، مقارنة بالمرتبة 29 في 2025.
وأوضح المؤشر أن هذا التحسن جاء بعد سنوات من تراجع النشاط الإرهابي، مع انحصار معظم الحوادث المتبقية في شمال سيناء، في حين سجلت مناطق واسعة من البلاد مستويات شبه معدومة من العنف.
كما انخفضت درجة مصر في المؤشر إلى 3.47 نقطة في 2025 مقابل 4.42 نقطة في 2024، بعدما بلغت ذروتها 8.18 نقطة عام 2017، ويعكس المسار المصري أهمية الجمع بين الإجراءات الأمنية والوقاية من إعادة إنتاج التطرف، خصوصاً في ظل انتقال الجماعات المتطرفة بصورة متزايدة إلى التجنيد الرقمي والفضاء الإلكتروني.
ليبيا.. تراجع الإرهاب وسط هشاشة أمنية
أظهر مؤشر الإرهاب العالمي 2026 أن ليبيا سجلت 1.01 نقطة في مؤشر الإرهاب لعام 2025، مقارنة بـ1.61 نقطة في 2024، لتحتل المرتبة 59 عالمياً وفق نتائج المؤشر، ويشير هذا التراجع إلى انخفاض التأثير المباشر للإرهاب، لكنه لا يعني اختفاء المخاطر المرتبطة بالبيئة الأمنية الهشة وانتشار السلاح والانقسامات السياسية والجغرافية.
وتكتسب ليبيا أهمية خاصة في خريطة التطرف الإقليمي بسبب موقعها بين شمال إفريقيا ومنطقة الساحل، حيث أصبحت الأخيرة مركز الثقل العالمي للنشاط الإرهابي.
ويشير أحدث مؤشر عالمي إلى أن الإرهاب يتجه بصورة متزايدة إلى المناطق الحدودية؛ إذ وقعت أكثر من 76% من الهجمات الإرهابية في العالم خلال 2025 على مسافة لا تتجاوز 100 كيلومتر من حدود دولية، ما يبرز أهمية التعاون الإقليمي في منع انتقال التنظيمات والشبكات عبر الحدود.
المغرب.. الوقاية الاستباقية في مواجهة خطر متغير
سجل المغرب درجة صفر في مؤشر الإرهاب العالمي 2026، ووضعه المؤشر ضمن الدول التي لم تتأثر بالإرهاب خلال الفترة التي يقيسها التقرير، واحتل المرتبة 100 من أصل 163 دولة وفق النتائج المنشورة، لكن هذا التصنيف لا يعني انعدام التهديد؛ إذ تواصل السلطات المغربية تفكيك خلايا مرتبطة بتنظيم داعش قبل تحولها إلى عمليات عنيفة.
وفي يوليو 2025 أعلن المكتب المركزي للأبحاث القضائية تفكيك خلية موالية لداعش تضم أربعة عناصر تتراوح أعمارهم بين 20 و27 عاماً، في حين كشفت عمليات أخرى عن استمرار محاولات التجنيد والتخطيط داخل البلاد.
ويقدم المغرب بذلك نموذجاً مختلفاً في التقرير يتمثل في أن انخفاض الهجمات لا يلغي الحاجة إلى العمل الاستباقي، خصوصاً مع تمدد الجماعات المتطرفة في منطقة الساحل القريبة جغرافياً من شمال إفريقيا.
تداعيات التطرف العنيف
أوضح برنامج الأمم المتحدة الإنمائي أن التطرف العنيف لا يقاس فقط بأعداد القتلى والجرحى، وإنما يمتد تأثيره إلى التعليم والعمل والتنمية والثقة بالمؤسسات والنسيج الاجتماعي، مؤكداً أن استمرار النزاعات والتهميش وانعدام الفرص وانتهاكات حقوق الإنسان يمكن أن يخلق بيئة يستغلها المتطرفون لتقديم أنفسهم باعتبارهم ممثلين لمظالم حقيقية، حتى عندما تكون الوسائل التي يستخدمونها قائمة على العنف والإقصاء.
ونبهت الأمم المتحدة إلى أن النساء والأطفال والأقليات الدينية يتحملون جانباً كبيراً من الآثار غير المرئية للتطرف؛ لأن العنف لا يتوقف عند حدود الهجمات المسلحة، بل يمكن أن يؤدي إلى النزوح وفقدان التعليم وتفكك الأسر والخوف من ممارسة الشعائر أو التعبير عن الهوية.
وشددت المفوضية السامية لحقوق الإنسان على ضرورة حماية الأقليات الدينية ومواجهة التمييز والعنف والإكراه، مع تعزيز التعليم الذي يدعم التفاهم والتسامح وعدم التمييز.
القانون قبل السلاح
أكدت الأمم المتحدة أن مواجهة التطرف لا تعني إلغاء حرية الدين أو التعبير، وإنما تطبيق الحدود التي وضعها القانون الدولي عندما يتحول الخطاب إلى تحريض على التمييز أو العداء أو العنف. وتكفل المادة 18 من العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية حرية الفكر والوجدان والدين، في حين تحمي المادة 19 حرية التعبير، وتلزم المادة 20 الدول بحظر الدعوة إلى الكراهية القومية أو العنصرية أو الدينية عندما تشكل تحريضاً على التمييز أو العداء أو العنف.
وشددت الأمم المتحدة على أن الإجراءات الأمنية يجب أن تترافق مع الوقاية والتنمية وحماية الحقوق؛ لأن القمع وحده لا يعالج بالضرورة الظروف التي يستغلها التطرف.
الوقاية تبدأ قبل العنف
أظهرت أحدث البيانات الدولية أن العالم العربي شهد تحسناً كبيراً في مستوى الإرهاب مقارنة بسنوات الذروة، لكن التراجع الأمني لا يلغي الحاجة إلى الوقاية من مصادر التطرف.
وأظهر مؤشر الإرهاب العالمي 2026 أن الوفيات العالمية بسبب الإرهاب تراجعت 28% خلال 2025 إلى 5582 وفاة، وانخفض عدد الهجمات 22% إلى 2944 هجوماً، في حين ظل تنظيم داعش والجماعات المرتبطة به أخطر التنظيمات الإرهابية من حيث عدد الضحايا.
وقالت الأمم المتحدة إن الوقاية الفعالة تبدأ قبل ظهور التنظيم والسلاح، عبر بناء مجتمعات قادرة على استيعاب الاختلاف، وتعزيز التعليم النقدي، وتوسيع فرص العمل والمشاركة، وحماية الأقليات، ومواجهة التحريض، وإرساء سيادة القانون، وإتاحة مسارات لإعادة التأهيل والإدماج لمن يتركون التنظيمات المتطرفة.

