بينما تتسع رقعة العنف المسلح في الصومال ومنطقة الساحل، وتتزايد أعداد المدنيين المهددين بالجوع والنزوح والمرض، تتحرك المساعدات الغربية في الاتجاه المعاكس وتتصاعد الاحتياجات الإنسانية ويتراجع التمويل الخارجي.
وفي الصومال تزامن خفض المساعدات مع عودة الجفاف وتفاقم انعدام الأمن الغذائي واستمرار هجمات حركة الشباب، في حين تواجه بعثة الاتحاد الإفريقي الداعمة للحكومة الصومالية خطر أزمة تمويل جديدة بعد قرار الولايات المتحدة وقف دعمها اللوجستي عبر الأمم المتحدة اعتباراً من العام المقبل.
وفي الساحل الإفريقي، حيث أصبحت بوركينا فاسو ومالي والنيجر مركزاً رئيساً لنشاط الجماعات المتطرفة، وصلت الاستجابة الإنسانية في 2025 إلى أدنى مستويات تمويلها خلال عقد؛ إذ لم تحصل خطط الاستجابة في المنطقة إلا على نحو 29.5% من التمويل المطلوب.
وفي الوقت نفسه يعيش ملايين الأشخاص تحت تهديد النزوح والجوع والعنف، في حين تتراجع مساحة العمل أمام المنظمات الإنسانية.
ويقدم الصومال النموذج الأكثر وضوحاً للمفارقة بين حجم الاحتياج الإنساني وحجم التمويل المتاح، ففي فبراير ومارس 2026 كان نحو 6.5 مليون صومالي يواجهون مستويات مرتفعة من انعدام الأمن الغذائي الحاد، بينهم أكثر من مليوني شخص في مرحلة الطوارئ، في حين يُتوقع أن يعاني نحو 1.84 مليون طفل بين 6 و59 شهراً من سوء التغذية الحاد، بينهم 483 ألف طفل معرضون لسوء التغذية الحاد الشديد.
ويواجه الصومال في الوقت نفسه جفافاً ممتداً ونزوحاً واسعاً وصراعات عشائرية ومخاطر صحية، إلى جانب الصراع المستمر بين الحكومة وحركة “الشباب” المرتبطة بتنظيم القاعدة، إلا أن التخفيضات الكبيرة في التمويل خلال 2025 أجبرت الشركاء الإنسانيين على خفض أهداف الاستجابة من 4.6 مليون شخص إلى 1.3 مليون فقط، ما يعني أن ملايين الأشخاص الذين كانوا يحتاجون إلى المساعدة أصبحوا خارج نطاق الاستجابة الفعلية.
وتكشف الأرقام أثر ذلك في الأرض بصورة أكثر قسوة، فقد أدى نقص التمويل إلى فقدان أكثر من 1.7 مليون شخص إمكانية الوصول إلى خدمات الحماية، في حين انخفضت تغطية المساعدات الغذائية من 1.1 مليون مستفيد إلى 350 ألفاً فقط في نوفمبر 2025، وأُجبر أكثر من 200 منشأة صحية وتغذوية على الإغلاق.
ولا تزال حركة الشباب تمثل أحد أخطر التهديدات للأمن والسلام في الصومال، وتمكنت خلال السنوات الأخيرة من الحفاظ على قدرتها على شن هجمات معقدة واستعادة مناطق سبق أن خسرتها أمام القوات الحكومية وحلفائها، وتقول تقارير دولية إن الحركة واصلت خلال 2025 ارتكاب هجمات عشوائية وموجهة وانتهاكات خطرة بحق المدنيين، في حين ظلت حياة السكان محاصرة بين العنف السياسي والنزاع المسلح والصدمات المناخية.
تراجع الاهتمام العالمي
وفي يوليو 2026 أفادت تقارير بأن الولايات المتحدة قررت وقف دعمها اعتباراً من العام المقبل للمساعدة التي تقدمها الأمم المتحدة إلى بعثة الاتحاد الإفريقي لدعم واستقرار الصومال “AUSSOM”، وهي بعثة تضم نحو 12 ألف جندي وتؤدي دوراً أساسياً في مساعدة الحكومة الصومالية على مواجهة حركة الشباب.
وتعتمد البعثة بصورة كبيرة على الدعم اللوجستي الأممي في مجالات مثل الغذاء والوقود والنقل والخدمات الطبية، ويهدد وقف التمويل الأمريكي بنسف جزء أساسي من قدرة البعثة على العمل ما لم يتم العثور على مصادر بديلة للتمويل.
وبذلك لا يبدو التراجع مجرد خفض في بند المساعدات، وإنما إعادة تعريف للدور الغربي في إدارة الأزمة الصومالية من التدخل المباشر والمساندة طويلة الأمد، إلى مطالبة الدولة الصومالية بتحمل مسؤولية كبرى عن أمنها وتمويل مؤسساتها.
وتواجه دول الساحل (مالي، والنيجر، وبوركينا فاسو، وموريتانيا، وتشاد) منظومة أكثر تعقيداً من الجماعات المسلحة والحدود الهشة والفقر والتغير المناخي والانقلابات السياسية، ففي بوركينا فاسو ومالي والنيجر تنشط جماعات مرتبطة بتنظيمي القاعدة وتنظيم الدولة، في حين امتد العنف بصورة متزايدة نحو دول غرب إفريقيا الساحلية.
وتقول المفوضية الأوروبية إن منطقة الساحل تضم نحو 2.6 مليون لاجئ و3.2 مليون نازح داخلياً، في حين يواجه نحو 17% من سكان المنطقة احتياجات إنسانية، ويظل العنف والصراع المحركين الأساسيين للاحتياجات، كما أدى انعدام الأمن إلى تعطيل الخدمات الأساسية؛ إذ لا تزال آلاف المدارس مغلقة، في حين أصبح ملايين الأطفال خارج التعليم.
وتشير الأمم المتحدة إلى أن 15.4 مليون شخص في الساحل كان متوقعاً أن يواجهوا انعداماً حاداً في الأمن الغذائي بين يونيو وأغسطس 2026، بينهم أكثر من 1.5 مليون في مستويات الطوارئ، في حين يعاني نحو 2.6 مليون طفل سوء التغذية الحاد، ففي 2025 لم تحصل الاستجابة الإنسانية في الساحل إلا على 29.5% من الاحتياجات التمويلية المطلوبة، وهو أدنى مستوى خلال عقد.
وشهد الساحل خلال السنوات الأخيرة سلسلة انقلابات عسكرية، خصوصاً في مالي وبوركينا فاسو والنيجر، وأدت هذه التحولات إلى توتر شديد مع فرنسا والاتحاد الأوروبي، وإلى إعادة صياغة العلاقات الأمنية والسياسية، ولا سيما أن الدول الغربية تواجه ضغوطاً مالية وسياسية متزايدة، من ارتفاع الإنفاق الدفاعي إلى أزمات الطاقة والهجرة والحروب في أوروبا والشرق الأوسط.
توزيع النفوذ الدولي
بدوره قال المتخصص في الشؤون الأوروبية والدولية، ديمتري بريجع لـ”صفر”، إن التراجع الغربي في الصومال ودول الساحل لا يعني تراجع أهمية إفريقيا، بل تغير أدوات الصراع عليها، وأضاف: “الغرب أصبح أكثر حذراً تجاه التدخل العسكري المباشر، خصوصاً بعد تجارب طويلة ومكلفة لم تنتج استقراراً مستداماً، في حين دخلت قوى أخرى مثل روسيا وتركيا والصين إلى مساحات كانت تقليدياً ضمن النفوذ الغربي”.
وأوضح بريجع أن الوجود الروسي ليس مجرد مسألة عسكرية، بل جزء من إعادة توزيع النفوذ الدولي، مشيراً إلى أن بعض الحكومات الإفريقية ترى أن الشراكة مع موسكو تمنحها هامشاً أكبر للمناورة بعيداً عن الشروط السياسية الغربية، في المقابل تنظر دول غربية إلى تمدد روسيا باعتباره تحدياً استراتيجياً، ما يجعل ملفات مكافحة الإرهاب والتنمية والسيادة مرتبطة أكثر فأكثر بالتنافس الدولي.
وأضاف الخبير الدولي أن هذا الاستقطاب قد يدفع إفريقيا إلى منطق خطِر، إما أن تكون معنا أو مع خصومنا، إلا أنه من الصعب استمرار هذه المعادلة على المدى الطويل، موضحاً أن الدول الإفريقية أصبحت أكثر رغبة في تنويع شراكاتها، وبالتالي على المجتمع الدولي أن ينتقل من سياسة الاصطفافات إلى الاعتراف بحق الدول الإفريقية في بناء علاقات متعددة وفق مصالحها الوطنية.
أما الصومال، فتقاربها العسكري مع تركيا وباكستان يعكس أيضاً سياسة تنويع الشركاء وعدم الاعتماد الكامل على المعسكر الغربي، وفق تقدير بريجع، مؤكداً أنه إذا تراجع التمويل الدولي لبعثات حفظ ودعم السلام، فمن الطبيعي أن تبحث مقديشو عن شركاء قادرين على توفير التدريب والتسليح وبناء القدرات.
وحذر بريجع من أن الخطر الحقيقي هو أن تتحول مكافحة الإرهاب إلى ورقة داخل صراع النفوذ الدولي، مؤكداً أن الإرهاب في الصومال والساحل لا ينتظر نتيجة المنافسة بين روسيا والغرب أو تركيا والقوى الأخرى، داعياً إلى فصل حق الأفارقة في الأمن والحياة عن الحسابات الجيوسياسية؛ لأن الفراغ الأمني الذي تتركه القوى الدولية لا يبقى فارغاً، بل تملؤه الجماعات المسلحة والإرهابية.
مواجهة تحديات منفردة
من جانبه، يرى المحلل الإثيوبي قي الشؤون الإفريقية أنور إبراهيم، في حديث لـ”صفر”، أن قضايا الإرهاب في القارة الإفريقية بدأت تواجه تحديات جسيمة، حيث تجد دول القارة وحكوماتها نفسها اليوم في مواجهة هذه التحديات بمفردها.
وعزا إبراهيم ذلك إلى جملة من التطورات العالمية المتسارعة، وفي مقدمتها الصراعات في منطقة الشرق الأوسط، والانخراط الأمريكي في عدد من الملفات الساخنة في تلك المنطقة والصراع مع إيران، بالإضافة إلى التداعيات الناجمة عن الحرب الروسية الأوكرانية.
وأشار إلى أن المنطقة الإفريقية بدأت تشهد نوعاً من التقدم الملحوظ للمجموعات الإرهابية وبصورة كبيرة جداً، وذلك في ظل تراجع التزام الدول الغربية والولايات المتحدة بشراكاتها مع دول القارة في محاربة التحركات الإرهابية.
واعتبر أن هذا التراجع يعد من الأمور التي قد تترتب عليها تطورات أخرى، خصوصاً مع ظهور روسيا إلى جانب دول أخرى بدأت تشكل حلفاً أو جبهة مضادة للغرب والولايات المتحدة، وهو ما من شأنه أن يضعف الدور الغربي في هذه المنطقة.
وحذر من أن الجانب الإفريقي سيواجه هذه التحديات منفرداً، وهو ما قد يؤدي إلى استفراد أو سيطرة بعض الجماعات الإرهابية على عدد من المناطق والحكومات والمنافسين، موضحاً أن خطر هذه الجماعات يكمن في كون انتشارها لم يعد محصوراً في دول محددة، بل أصبح انتشاراً مناطقياً واسعاً يمتد في وسط القارة وشرقها ومناطق من جنوب شرق القارة الإفريقية.
وتوقع إبراهيم أن تشهد الفترة المقبلة تحركات كثيفة للجماعات الإرهابية، في ظل ضعف الجهود الغربية ووقف مشاركتها الفاعلة مع الدول والحكومات الإفريقية لمحاربة هذه التحركات.
وأوضح أن الصومال واجهت بالفعل تحديات عدة، كان من أبرزها رفع الدعم عن قوات حفظ السلام الإفريقية، إضافة إلى عدد من البعثات الإفريقية التي كانت تتلقى دعماً من الغرب، وتحديداً من الولايات المتحدة.
ورجح إبراهيم أن تشهد منطقة مداخل البحر الأحمر وخليج عدن والمحيط الهندي ولادة تحالف جديد، الأمر الذي قد يضعف الدور الغربي في المنطقة، خاصة في ظل انشغال القوى الغربية بقضايا دولية أخرى، مثل الحرب الروسية الأوكرانية، والتوترات الإيرانية الأمريكية.
واعتبر أن هذه التحولات قد تؤدي في نهاية المطاف إلى السيطرة على مداخل البحر الأحمر وخليج عدن، وهيمنة مجموعات كانت في حالة صراع ومحاربة للغرب في هذه المنطقة لفترة طويلة.

