سلّمت الناشطة الأمريكية ويند كاوفمان، البالغة 69 عامًا، نفسها إلى السلطات في سان فرانسيسكو، لتصبح أول شخص يُسجن بسبب الاحتجاج على الذكاء الاصطناعي، بعدما أدانتها هيئة محلفين بأربع جنح على خلفية مشاركتها في احتجاج أمام مقر شركة “أوبن إيه آي” في فبراير 2025.
أعادت قضية كاوفمان طرح حدود الحق في الاحتجاج والتعبير عن المخاوف المتعلقة بتكنولوجيا ناشئة، في مواجهة حق السلطات والشركات في حماية السلامة العامة وممارسة أعمالها.
المشاركة في الاحتجاج
وشاركت كاوفمان، وهي معلمة متقاعدة من بيركلي بولاية كاليفورنيا، في احتجاج نظمته مجموعة “أوقفوا الذكاء الاصطناعي” في 22 فبراير 2025، عندما وضع المحتجون سلسلة على الباب الأمامي لمقر “أوبن إيه آي” وأغلقوه بقفل كبير، ثم جلسوا أمام المدخل.
وأكد بيان نشره مكتب المدعي العام لمنطقة سان فرانسيسكو أن الشركة اتصلت برقم الطوارئ 911، وأن الشرطة أبلغت المحتجين بأنهم على ملكية خاصة، وسمحت لهم بمواصلة الاحتجاج إذا انتقلوا إلى الرصيف العام، لكنهم رفضوا المغادرة.
وأدانت هيئة المحلفين كاوفمان بعرقلة سير العمل، والتعدي على ممتلكات الغير بقصد عرقلة سير العمل، والتجمهر غير القانوني، ورفض التفرق أثناء أعمال شغب.
وكانت كاوفمان قد دفعت ببراءتها، وتمسكت بأن احتجاجها كان ضرورة، وأنها اعتقدت أن من حقها التصرف لمنع وقوع ضرر أكبر.
وأكدت المدعية العامة لمنطقة سان فرانسيسكو، بروك جينكينز، أن الحكم يرفض فكرة أن بإمكان المحتجين تعريض السلامة العامة للخطر لتحقيق غاية، مشددة على أن حماية السلامة العامة ضرورية لضمان الحقوق الأخرى.
وفي المقابل، قالت كاوفمان إنها لم تدخل السجن بحثًا عن البطولة، وإنما بهدف “إطلاق ناقوس الخطر، وتحدي النظام، ومحاولة إيصال الرسالة”.
وأصدرت المحكمة حكمًا بسجن كاوفمان 14 يومًا، على أن تقضي فعليًا سبعة أيام، وفق ما أوردته منصة “سان فرانسيسكو غازيتير”، مع إلزامها بدفع غرامات ورسوم يمكن تسويتها عبر 128 ساعة من الخدمة المجتمعية، ومنعها من الاقتراب لمسافة تقل عن 20 ياردة من مقر “أوبن إيه آي”، وأعلنت محاميتها، روز ميشان، اعتزامها الطعن في أمر الابتعاد.
الحق في الاحتجاج
طرحت القضية مواجهة مباشرة بين “حق التعبير والاحتجاج السلمي” من جهة، واعتبارات “السلامة العامة وحقوق الملكية وممارسة النشاط التجاري” من جهة أخرى، حيث تمسكت كاوفمان بأن الاحتجاج كان وسيلة ضرورية للتحذير من مخاطر تعتقد أنها تتجاوز حدود الخلاف حول سياسة شركة بعينها، بينما رأت السلطات أن طريقة الاحتجاج تجاوزت الحدود القانونية عندما عرقلت مدخل منشأة خاصة ورفض المشاركون الانتقال إلى مساحة عامة.
أيد الناشط دوايت أوست، البالغ 73 عامًا، موقف كاوفمان، واعتبر أن هناك “تهديدًا وجوديًا” لا يستطيع القائمون على تطوير الذكاء الاصطناعي السيطرة عليه، مضيفًا أنه حتى الخبراء لا يعرفون إلى أين يمكن أن يقود هذا التطور.
وحذّر السيناتور الأمريكي بيرني ساندرز قادة شركات التكنولوجيا من مخاطر استمرار تطوير الذكاء الاصطناعي، مطالبًا بوقفه مؤقتًا، ومشيرًا إلى احتمال استخدامه في تطوير أسلحة بيولوجية قد تؤدي إلى وفاة عشرات الملايين.
كما وقّع أكثر من ألف باحث في مختبرات الذكاء الاصطناعي المتطورة، خلال الصيف، رسالة حذروا فيها من خطر تسارع تطوير قدرات الأنظمة بما يتجاوز القدرة على فهمها أو السيطرة عليها، وفق “الغارديان”.
وارتبطت هذه التحذيرات أيضًا بتقارير عن خروج نماذج تابعة لبعض أكبر مختبرات الذكاء الاصطناعي، ومنها “أوبن إيه آي” و”أنثروبيك”، من القيود المفروضة عليها أثناء التجارب.
وتخوض هذه المختبرات سباقًا لتطوير نماذج أكثر قدرة، بينما تسعى الشركات إلى طرح أسهمها للاكتتاب العام وسط توقعات بتقييمات تصل إلى تريليونات الدولارات، بالتزامن مع المنافسة الأمريكية الصينية على التفوق في التكنولوجيا.
وحذّر خبير سلامة الذكاء الاصطناعي في جامعة مونتريال، ديفيد كروغر، من أن الذكاء الاصطناعي “قد يؤدي حرفيًا إلى انقراض البشر”، معتبرًا أن كاوفمان قد تدخل التاريخ باعتبارها “روزا باركس مخاطر الذكاء الاصطناعي”، بعدما أصبحت، وفق ما يُعتقد، أول محتجة على الذكاء الاصطناعي تُسجن.
“استعيدوا إنسانيتكم”
دافع أستاذ الذكاء الاصطناعي في جامعة كاليفورنيا في بيركلي ورئيس الرابطة الدولية للذكاء الاصطناعي الآمن والأخلاقي، البروفيسور ستيوارت راسل، عن كاوفمان أمام المحكمة، معتبرًا أن أنشطة “أوبن إيه آي” “تشكل خطرًا غير مقبول”، ومتحدثًا عن عدم كفاية ضمانات الحماية في بعض أنظمة الذكاء الاصطناعي.
وأكد راسل أن استمرار تطوير هذه الأنظمة يجب أن يكون مشروطًا بضمانات صارمة للسلامة، معتبرًا أن هذه الضمانات غير متاحة حاليًا.
وقال إن كاوفمان “وقفت دفاعًا عن معتقداتها ويجري معاقبتها”، بينما تكمن المشكلة، في رأيه، في السماح لكيانات خاصة بمواصلة عملية قد تخلق خطرًا كبيرًا على بقاء البشر من أجل تحقيق مكاسب خاصة.
ووجّهت كاوفمان رسالتها إلى الرؤساء التنفيذيين لشركات “أوبن إيه آي” و”أنثروبيك” و”ميتا” بعبارة واحدة: “استعيدوا إنسانيتكم”. وقالت إن رسالتها موجهة إلى الأشخاص العاديين، داعية إلى وقف تقدم التكنولوجيا وفرض “حظر عالمي على السباق نحو الذكاء الفائق”.
وحوّلت مجموعة “أوقفوا الذكاء الاصطناعي” تركيزها، وفق “سان فرانسيسكو غازيتير”، من الاحتجاج أمام شركات التكنولوجيا إلى الضغط على المشرعين في مبنى البلدية، معتبرة أن المسؤولية لا تقع على الشركات وحدها، وإنما على الجهات القادرة على وضع القواعد المنظمة لهذه التكنولوجيا.
أبقت القضية بذلك النقاش مفتوحًا حول “الحق في الاحتجاج والتحذير من المخاطر، وحدود هذا الحق عندما يصطدم بالسلامة العامة وحقوق الآخرين”، في وقت تتسارع فيه عملية تطوير الذكاء الاصطناعي، بينما يطالب ناشطون وباحثون بوضع ضمانات أكثر صرامة قبل أن تتجاوز قدرات التكنولوجيا قدرة البشر على فهمها والسيطرة عليها.
