منصة راصدة تحليلية لقضايا حقوق الإنسان

في سبتة.. مهاجرون عالقون يواجهون الجوع والبرد وغياب الحماية

08 أغسطس 2026
مهاجرون ينتظرون وينامون في العراء في سبتة
مهاجرون ينتظرون وينامون في العراء في سبتة

لم تنتهِ معاناة آلاف المهاجرين ببلوغهم سبتة الإسبانية، بعدما وجد كثيرون أنفسهم عالقين في العراء، بلا مأوى أو مرافق صحية أو غذاء كافٍ، في حين يواجه الأطفال غير المصحوبين بذويهم ظروفاً أشد هشاشة، في أعقاب موجة عبور جماعي أوقعت عشرات القتلى والمفقودين.

وكشفت صحيفة “الغارديان” أن شاطئ الترامبولين القريب من مركز سبتة أصبح مأوى لعدد من المهاجرين الذين ما زالوا في المدينة، إذ قال عماد، وهو يمني الجنسية يبلغ 26 عاماً، إنه ينام على الشاطئ “بلا خيام ولا بطانيات”، مشيراً إلى عدم وجود دورات مياه، وإلى أنه بالكاد ينام ساعتين بسبب برودة البحر ليلاً والحرارة التي لا تُطاق نهاراً.

وأوضح عماد أن المهاجرين واجهوا ظروفاً قاسية فور وصولهم؛ إذ كانت المحلات مغلقة، وكانوا على وشك الموت جوعاً وعطشاً، مضيفاً أنهم أكلوا أوراق الأشجار وشربوا مياه ملوثة، وتحسنت الأوضاع قليلاً بعد بدء منظمات غير حكومية، بينها الصليب الأحمر، في توفير الغذاء، في حين أعلنت الحكومة الإسبانية تركيب مرافق صحية ودُشّات إضافية على الشاطئ.

وصل عماد إلى إسبانيا بعد رحلة سباحة استغرقت ثماني ساعات، معتقدًا أن قدومه من بلد يعيش حالة حرب سيجعل تقديم طلب اللجوء أسهل، لكنه وجد مركز استقبال المهاجرين مغلقاً، وقال إنه لم يكن هناك استثناء لأحد.

وحمل وصوله نهاية مؤقتة لرحلة بدأت عام 2019، حين فر من محاولات الحوثيين لتجنيده بوصفه مقاتلاً، لكنه وجد نفسه يكافح يومياً للحصول على الطعام والمأوى، وقال إنه يعاني من كوابيس تتعلق بقصف عائلته أو مقتلهم أو ترحيله إلى المغرب، واصفاً نفسه بأنه “مُحطّم نفسياً”.

وقدرت الحكومة الإسبانية أن نحو 72 ألف مهاجر عبروا إلى سبتة، وأن نحو 2500 ما زالوا فيها، في حين قدر رئيس حكومة سبتة المحلية، خوان خيسوس فيفاس، عدد الداخلين بنحو 80 ألفاً، وقال إن ما بين 3000 و5000 ما زالوا في المدينة، وظلت حصيلة القتلى غير محسومة، مع تقديرات وصلت إلى 141 قتيلاً وعشرات المفقودين.

حماية الأطفال

فاقمت أوضاع الأطفال غير المصحوبين بذويهم المخاوف بشأن الحماية، إذ يقدر عددهم في سبتة بنحو 1300 طفل، في حين تخشى منظمات غير حكومية وجود مئات آخرين، بينهم أطفال لا تتجاوز أعمارهم 10 سنوات، دون حماية.

وروت فتاة تبلغ 16 عاماً لـ”الغارديان” أنها توجهت فور وصولها إلى مركز استقبال القاصرين، لكنها وجدته ممتلئاً، فاضطرت إلى النوم في شوارع سبتة، وقالت إنها بقيت أياماً بلا طعام، وإن النساء كنّ يصلن أحياناً إلى أماكن توزيع الغذاء والملابس بعد نفاد ما يُقدم.

وكشفت وكالة “أسوشيتد برس” أن نحو 1000 قاصر ما زالوا في سبتة دون عائلاتهم، ونقلت عن فتاة تبلغ 17 عاماً أنها شاهدت شقيقها البالغ 8 سنوات يغرق أثناء العبور، ثم انفصلت عن والدتها وأصبحت تتسول في شوارع المدينة، وقالت إنها رأت أشخاصاً يدوسون على الموتى، وإن الأطفال أصبحوا يتسولون في الشارع.

وأكدت الوكالة أن القانون الإسباني يفترض توفير الحماية والرعاية للقاصرين المهاجرين غير المصحوبين، مشيرة إلى أن صحفييها شاهدوا قوات إسبانية توجه مهاجرين شباباً نحو الحدود، في حين أوقفت عملية إعادة صبي مغربي غير مصحوب بذويه بعدما أصر سكان محليون ووسائل إعلام على أنه قاصر.

وأعلنت الحكومة الإسبانية تخصيص 25 مليون يورو لمساعدة القاصرين، في حين أعلن الحرس المدني فتح مكتب للأشخاص المفقودين على الحدود لاستقبال البلاغات عن المفقودين.

أزمة استقبال

قالت وزيرة الشباب الإسبانية، سيرا ريغو، وفق “رويترز” أمس الجمعة، إن الحكومة تتوقع نقل بعض القاصرين من مراكز الاستقبال المكتظة إلى البر الرئيسي خلال أسابيع، بعدما وصفت صور الأطفال الذين ينامون في شوارع سبتة بأنها “مؤلمة”.

وسجلت السلطات، بحسب ريغو، 1342 قاصراً حتى الآن، في حين ستستقدم الحكومة موظفين إضافيين، وافتتحت مدرستين، وتبحث عن أماكن أخرى يمكن استخدامها لتكون مراكز استقبال، وأكدت أن الأولوية ستكون للفتيات وللفتيان والفتيات الذين تقل أعمارهم عن 13 عاماً، وأن فرقاً متخصصة ستقيّم كل طفل لتحديد ما يصب في مصلحته الفضلى، مع تسهيل لمّ شمل الأسر متى أمكن.

وأفادت “رويترز” قبل ذلك أن مرافق الاستقبال التي تتسع لنحو 90 طفلاً أصبحت مكتظة، ما دفع بعضهم إلى الإقامة في مستودعات مؤقتة أو النوم في الشوارع.

وقال أحد سكان المنطقة، حمزة سيتوني مورينو، إنه اضطر إلى إبقاء فتاة صغيرة في سيارته حفاظاً على سلامتها، بعدما رفضت السلطات طلبه باستقبال أطفال اصطحبهم إليها، كما بنى ملاجئ مؤقتة لأطفال آخرين وقدم لهم الطعام والبطانيات.

وأوضحت “رويترز” أن إصلاح قانون الهجرة الإسباني الذي نُفذ عام 2025 يلزم بإعادة توزيع القاصرين غير المصحوبين من المناطق المكتظة خلال 15 يوماً من اكتمال ملفاتهم.

ونقلت أن 719 قاصراً نُقلوا من جزر الكناري إلى البر الرئيسي حتى أبريل 2026، إضافة إلى أكثر من 400 قاصر وصلوا إلى سبتة.

141 قتيلاً من المهاجرين

رفعت منظمات غير حكومية مغربية حصيلة قتلى العبور الجماعي إلى 141 شخصاً على جانبي حدود سبتة، بحسب صحيفة “إل باييس” الإسبانية التي نقلت عن الجمعية المغربية لحقوق الإنسان أنها جمعت بيانات من مصادر رسمية ومشارح ومستشفيات ومنظمات إنسانية ووسائل إعلام ومراقبين.

وسجلت، وفق التقرير، 31 جثة في مشرحة تطوان، بينها 10 لأجانب، و17 أخرى في طنجة، في حين لم تعترف حكومة الرباط رسمياً سوى بـ11 وفاة في الأراضي المغربية، بينها 10 حالات غرق وحالة وفاة بعد سقوط شخص من منطقة صخرية متاخمة لسبتة.

وقالت الرئيسة الوطنية للجمعية المغربية لحقوق الإنسان، المحامية والناشطة سعاد برهامة، إن مأساة سبتة تعكس أزمة اجتماعية وسياسية عميقة وفشلاً في إدارة الهجرة من جانب المغرب وإسبانيا والاتحاد الأوروبي، وحملت الجمعية الحكومة مسؤولية عدم ضمان سلامة الأشخاص الذين عبروا الحدود.

وحذرت الجمعية من استمرار عائلات في انتظار أخبار عن ذويها، وانتقدت غياب المعلومات الرسمية التفصيلية عن القتلى والمفقودين، مطالبة بتحقيق مستقل وكامل وشفاف، كما انتقدت المقاربة القضائية والأمنية للمغرب، معتبرة أن تجريم تحركات المهاجرين، ومنهم القاصرون، جعل المغرب بمنزلة “دركي للاتحاد الأوروبي”.

وبدأت السلطات المغربية، بحسب “إل باييس”، إجراءات لمحاكمة عشرات الأشخاص وإبقاء 111 رهن الحبس الاحتياطي على خلفية موجة العبور، بينهم قاصرون، إذ لاحقت النيابة العامة في تطوان 51 شخصاً، بينهم خمسة قاصرين، في حين حاكمت محاكم الناظور 52 آخرين، بينهم 18 قاصراً.

وبقي المهاجرون في سبتة أمام احتياجات أساسية تتعلق بالمأوى والغذاء والأمان، في حين تحرك السكان المحليون لسد جزء من الفجوة.

وقال رئيس جمعية حي سيدي مبارك، عبد الله عبد الله مصطفى، إن كثيراً من النساء والقاصرين ينامون مختبئين في التلال خوفاً من العثور عليهم وإعادتهم إلى المغرب، ما يضع قاصرين بين مئات الرجال في ظروف شديدة الهشاشة.

ونصب السكان خياماً في فناء يحرسونه ليلاً، رغم عدم امتلاكهم حمامات أو أسرّة أو موارد أخرى، في حين طبخ عشرات المتطوعين لإطعام ما يصل إلى 400 شخص يومياً، وأطلقت منظمة “لونا بلانكا” المحلية حملة لتوزيع نحو 5000 وجبة يومياً.

وواصلت المقيمة عائشة أحمد عمار التوجه إلى شاطئ الترامبولين برفقة طفليها، حاملة الطعام والملابس، ومستخدمة هاتفها لتوفير خدمة الواي فاي للمهاجرين كي يتواصلوا مع عائلاتهم.

وقالت إن ما تراه من معاناة يتركها أمام حزن وعجز عميقين؛ لأن الرغبة في تقديم المزيد تصطدم بحدود القدرة، مؤكدة: “لا يكفي أبداً”.