منصة راصدة تحليلية لقضايا حقوق الإنسان

إعداد فريق الدراسات والأبحاث في منصة صفر

231 امرأة قُتلن في 10 ولايات.. تفكك منظومة الحماية يضع نساء أفغانستان في دائرة العنف

09 أغسطس 2026
أفغانستان.. مخاوف حقوقية من تنامي العنف ضد المرأة
أفغانستان.. مخاوف حقوقية من تنامي العنف ضد المرأة

تكشف بيانات صحفية وحقوقية جديدة من أفغانستان أن الأزمة التي تواجه النساء بعد نحو خمس سنوات من عودة طالبان إلى السلطة لم تعد مرتبطة فقط بسلسلة القيود المفروضة على التعليم والعمل والحركة والمشاركة في الحياة العامة، بل تمتد بصورة أكثر خطورة إلى قدرة النساء على حماية حياتهن والوصول إلى العدالة عندما يتعرضن للعنف.

ووثق صحفيون في «Zan Times»، وفق تحقيق نشرته صحيفة الغارديان في 7 أغسطس 2026، مقتل 231 امرأة في عشر ولايات أفغانية، وسط مؤشرات على أن عدداً كبيراً من القضايا لم ينتهِ إلى مساءلة فعلية، وأن بعض الأسر التي حاولت المطالبة بالتحقيق واجهت ضغوطاً وتهديدات بدلاً من الحصول على حماية قانونية.

ولا تسمح الأرقام المنشورة وحدها باعتبار جميع الحالات جرائم قتل قائمة على النوع الاجتماعي أو بإسناد المسؤولية عنها إلى جهة واحدة، خصوصاً في ظل صعوبة التحقق المستقل من الوقائع داخل البلاد، لكنها تكشف اتجاهاً أكثر عمقاً يتعلق بالبيئة التي تقع فيها هذه الانتهاكات، فالتحقيق الذي جمع الحالات على مدى سنوات حكم طالبان يشير إلى محدودية الاعتقالات والتحقيقات في عدد كبير منها، في حين أفرج في بعض القضايا عن مشتبه بهم خلال فترات قصيرة.

وتصبح أهمية هذه المعطيات أكبر عند وضعها إلى جانب ما وثقته الأمم المتحدة بشأن تقلص قدرة النساء على استخدام المؤسسات الرسمية لطلب الحماية أو مقاضاة المعتدين، وهو ما يحول قضية العنف من أفعال فردية إلى اختبار لمدى وجود منظومة قادرة أصلاً على منع الانتهاك والتحقيق فيه عندما يقع.

الوصول للعدالة في أفغانستان

تؤكد أحدث البيانات الأممية حجم هذه الفجوة، ففي نتائج نشرتها بعثة الأمم المتحدة للمساعدة في أفغانستان «يوناما» وهيئة الأمم المتحدة للمرأة في مارس 2026، تبين أن النساء في أفغانستان أقل احتمالاً بنحو أربع مرات من الرجال للوصول إلى آليات العدالة الرسمية.

واعتبرت الأمم المتحدة أن هذا التفاوت يترك أعداداً كبيرة من النساء من دون قنوات آمنة وفعالة لحل النزاعات أو طلب الحماية أو محاسبة من يعتدي عليهن، وهو ما يكتسب خطورة خاصة في مجتمع تشهد فيه النساء أصلاً مجموعة واسعة من القيود على حركتهن وعملهن واستقلاليتهن.

وهنا تظهر العلاقة المباشرة بين تفكيك المؤسسات التي كانت تعمل في مجال حماية النساء وبين خطر العنف نفسه، فمنذ عودة طالبان إلى السلطة في أغسطس 2021، ألغيت وزارة شؤون المرأة، وأغلقت أو تغيرت طبيعة عدد من المؤسسات والآليات التي كانت توفر خدمات الحماية والمساعدة القانونية والمأوى للنساء المعرضات للعنف.

وفي الوقت نفسه، تراجعت قدرة النساء على العمل في الجهاز القضائي والمحاماة ومؤسسات المجتمع المدني، في حين فُرضت قيود واسعة على وجودهن في المجال العام، والنتيجة أن المرأة التي تواجه العنف لا تتعامل فقط مع المعتدي، وإنما مع بيئة تقل فيها المؤسسات التي يمكن أن تلجأ إليها للحصول على الحماية أو التمثيل القانوني أو المساعدة المستقلة.

التحقيق وملاحقة المتهمين

لذلك فإن قراءة حالات القتل بمعزل عن الوصول إلى العدالة تقدم صورة ناقصة للمشكلة، فوجود نظام قادر على التحقيق بسرعة في أعمال العنف وملاحقة المسؤولين عنها يمكن أن يشكل بحد ذاته وسيلة للردع، في حين يؤدي غياب المساءلة أو ضعفها إلى نتيجة معاكسة، إذ تصبح احتمالات العقاب أقل ويزداد شعور الضحايا بأن طلب المساعدة قد لا يوفر لهن الحماية، وهذا ما يجعل الرقم الذي توصل إليه التحقيق الصحفي، رغم أهميته، مدخلاً إلى سؤال أكبر: كم حالة عنف لم تصل أصلاً إلى وسائل الإعلام أو المؤسسات الحقوقية لأن الأسرة لم تستطع الإبلاغ عنها أو خشيت تبعات القيام بذلك؟

ويزداد هذا السؤال إلحاحاً في ظل التغييرات التي طرأت على الإطار القانوني نفسه، ففي فبراير الماضي حذر مفوض الأمم المتحدة السامي لحقوق الإنسان فولكر تورك مجلس حقوق الإنسان من أن القرارات والمراسيم التي أصدرتها سلطات الأمر الواقع منذ 2021 أصبحت تتراكم داخل إطار قانوني أوسع يقيد الحقوق الأساسية.

وقال تورك إن مرسوماً جديداً وقع عليه زعيم طالبان يتضمن عقوبات تتعارض، بحسب تقييم الأمم المتحدة، مع التزامات أفغانستان الدولية، كما يسمح باستخدام أشكال من العقاب داخل المنزل ترى الأمم المتحدة أنها قد تمنح غطاءً قانونياً للعنف ضد النساء والأطفال، ووصف تورك الوضع الحقوقي في البلاد بأنه بالغ الخطورة، معتبراً أن النساء والفتيات يتحملن الجزء الأكبر من آثار هذه المنظومة.

ولا تبقى القيود في نطاق التشريع أو السياسات العامة، ففي يونيو/حزيران أعربت يوناما عن قلقها بعد اعتقال ما لا يقل عن ثلاثين امرأة في هرات على خلفية ما قالت سلطات الأمر بالمعروف إنه مخالفات تتعلق باللباس، في حين تلقت عشرات أخريات تحذيرات.

ورغم إطلاق سراح المعتقلات لاحقاً، اعتبرت البعثة أن مثل هذه الاعتقالات تترك آثاراً عميقة في النساء وأسرهن، وتوضح هذه الوقائع كيف يمكن أن تصبح الجهة التي يفترض أن تلجأ إليها المرأة طلباً للحماية جزءاً من منظومة الرقابة على سلوكها، وهو ما يزيد التردد في التعامل مع المؤسسات الرسمية عندما تتعرض المرأة نفسها لعنف داخل الأسرة أو المجتمع.

مسؤولية الدولة أو السلطة

من منظور حقوق الإنسان، لا تقف مسؤولية الدولة أو السلطة التي تمارس وظائف الدولة عند الامتناع عن قتل النساء أو الاعتداء عليهن بصورة مباشرة، فالحق في الحياة والحماية من العنف يفرضان كذلك اتخاذ إجراءات معقولة لمنع الانتهاكات التي يمكن توقعها، والاستجابة للشكاوى، والتحقيق بصورة جدية في حالات القتل والعنف، وملاحقة المسؤولين عنها، ولهذا فإن الإفلات من العقاب عن العنف الذي يمارسه أفراد لا يصبح شأناً خاصاً عندما تعلم السلطات بوجود الخطر ثم تعجز عن توفير وسيلة حقيقية للحماية أو التحقيق.

وتكتسب هذه المسألة أهمية إضافية لأن أفغانستان ما تزال ملتزمة بعدد من المعاهدات الدولية لحقوق الإنسان، ومنها اتفاقية القضاء على جميع أشكال التمييز ضد المرأة والعهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية، ولا يؤدي تغير السلطة الحاكمة إلى إنهاء الالتزامات الدولية للدولة، وهو ما يعني أن القيود والمراسيم المحلية لا تلغي واجبات أفغانستان في حماية الحق في الحياة والمساواة أمام القانون والوصول إلى العدالة والحماية من التمييز والعنف.

غير أن الأزمة الحالية تكشف فجوة متنامية بين هذه الالتزامات وبين قدرة النساء على استخدامها عملياً، فالمرأة قد تمتلك نظرياً حقوقاً يكفلها القانون الدولي، لكن قيمة هذه الحقوق تتضاءل عندما لا تستطيع الوصول إلى محامٍ أو مؤسسة قضائية مستقلة أو مأوى آمن، أو عندما تخشى أن يؤدي الإبلاغ عن العنف إلى ضغوط إضافية عليها أو على أسرتها، ومن هنا فإن القضية لا يمكن اختزالها في السؤال عما إذا كانت هناك قوانين تمنع القتل أو الاعتداء، بل في وجود المؤسسات التي تجعل هذه القوانين قابلة للتطبيق.

وهو ما يجعل البيانات المتعلقة بمقتل 231 امرأة ذات دلالة تتجاوز الرقم نفسه، فهي تكشف ما يمكن أن يحدث عندما يتزامن العنف مع تراجع آليات الحماية وتقييد استقلال النساء وإضعاف وصولهن إلى القضاء، كما تجعل تحديد العدد الحقيقي للضحايا أكثر صعوبة؛ لأن التوثيق يجري في بيئة شديدة التقييد على الصحافة والمجتمع المدني، في حين لا تتوفر قاعدة بيانات رسمية شفافة تسمح بمعرفة عدد النساء اللواتي قتلن، وظروف وفاتهن، وعدد القضايا التي جرى التحقيق فيها، والأحكام التي صدرت بحق المسؤولين.

واقع النساء الأفغانيات

بعد خمس سنوات تقريباً من عودة طالبان إلى السلطة، يبدو أن أحد أخطر التحولات في واقع النساء الأفغانيات لا يتمثل فقط في الحقوق التي سُلبت منهن في التعليم والعمل والمجال العام، وإنما في تقلص المساحة التي يمكن أن يلجأن إليها عندما تصبح حياتهن نفسها معرضة للخطر.

ولا تتحقق الحماية من العنف بوجود حظر قانوني نظري، وإنما بمنظومة تبدأ بإمكانية طلب المساعدة، وتمر بتحقيق مستقل وتمثيل قانوني فعال، وتنتهي بمحاسبة من تثبت مسؤوليته.

ومن هنا فإن السؤال الذي تطرحه الحالات الموثقة اليوم ليس فقط “من قتل هؤلاء النساء؟” وإنما أيضاً “ما الذي تبقى من منظومة قادرة على حمايتهن ومحاسبة المسؤولين عن العنف ضدهن؟”

وبين ارتفاع أعداد الحالات الموثقة واتساع فجوة الوصول إلى القضاء، تتحول قضية النساء في أفغانستان من ملف يتعلق بالقيود الاجتماعية وحدها إلى أزمة أعمق تمس الحق في الحياة وسيادة القانون والقدرة على الوصول إلى العدالة، وهي الحقوق التي يفترض أن تبدأ عندها أي عملية حقيقية لحماية النساء.