منصة راصدة تحليلية لقضايا حقوق الإنسان

لماذا يواصل قادة نيويورك التستر على الاحتيال في برنامج «ميديكيد»؟

05 أغسطس 2026
كشف صحفي: مركز أمريكي خالٍ يطالب بملايين الدولارات من برنامج "ميديكيد"
كشف صحفي: مركز أمريكي خالٍ يطالب بملايين الدولارات من برنامج "ميديكيد"

مهما تعرضوا للانتقادات أو الإحراج أمام الرأي العام، يبدو أن ساسة ولاية نيويورك لا يكتفون بعدم التصدي لعمليات الاحتيال الضخمة في برنامج ميديكيد، بل يتصرفون وكأنهم حريصون على استمرارها والتستر عليها.

وليس هناك مثال أوضح من مراكز الرعاية النهارية لكبار السن في منطقة فلاشينغ التي تحولت في السنوات الأخيرة إلى نموذج صارخ لاستنزاف أموال دافعي الضرائب.

ففي يناير الماضي، كشف تحقيق أجرته نيويورك بوست عن وجود عشرات المراكز التي تحصل على ملايين الدولارات من برنامج “ميديكيد”، رغم أنها لا تقدم، في كثير من الحالات، سوى قدر ضئيل من الخدمات التي خُصصت هذه الأموال لتمويلها.

ولم يتوقف الأمر عند التحقيقات الصحفية.

فقد زار الدكتور محمد أوز، المسؤول عن برنامج “ميديكيد” في إدارة الرئيس دونالد ترامب، المنطقة بنفسه، ونشر مقاطع مصورة أظهرت العدد الهائل من هذه المراكز المتجاورة داخل مساحة صغيرة للغاية.

وأشار إلى أنه في شارع واحد فقط تُحقق مراكز الرعاية الاجتماعية للبالغين أرباحاً غير مشروعة تُقدر بمئات الملايين من الدولارات، محذراً من أن الحكومة الفيدرالية قد توقف جزءاً من تمويلها لولاية نيويورك إذا ثبت وجود عمليات احتيال واسعة.

ومع ذلك، لم يتغير شيء تقريباً.

فعندما عاد مراسل الصحيفة تشادويك مور إلى المنطقة الأسبوع الماضي، وجد المشهد كما هو قبل ستة أشهر.

فالعديد من المراكز البالغ عددها 77 مركزاً داخل دائرة لا تتجاوز ميلاً واحداً كانت مغلقة أو شبه خالية من المرضى، رغم علم القائمين عليها بأن السلطات الفيدرالية تتابع نشاطها عن كثب.

وتثير الأرقام مزيداً من علامات الاستفهام.

فقد حصلت مراكز الرعاية في فلاشينغ وحدها على 733 مليون دولار من برنامج “ميديكيد” خلال الفترة بين عامي 2018 و2024.

فعلى سبيل المثال، حصل مركز Livingwell Day Care على نحو 27 مليون دولار مقابل تقديم خدمات لـ26 ألفاً و500 مستفيد، بحسب البيانات الفيدرالية.

لكن مراسل الصحيفة لم يجد داخله سوى قاعة طعام خالية، وطاولات فارغة، وإضاءة خافتة، دون أي وجود يُذكر لكبار السن.

أما مركز Bao Kang Adult Day Care فقد حصل على 32 مليون دولار مقابل أكثر من 43 ألف مستفيد خلال الفترة نفسها، في حين بدت قاعاته المشتركة خالية تماماً، رغم تأكيد إحدى العاملات أنه يستقبل نحو 200 شخص يومياً.

ورغم هذه المؤشرات، لم تُوجَّه حتى الآن أي اتهامات رسمية بالاحتيال إلى أي من المركزين.

والمفارقة أن هذه المراكز يُفترض قانوناً أن تخدم فقط المرضى الذين يعانون أمراضاً مزمنة أو إعاقات، في حين يبدو كثير منها، في الواقع، أقرب إلى نوادٍ عادية لكبار السن، من دون الخدمات الطبية أو التأهيلية التي يقتضيها القانون.

ويرى الدكتور محمد أوز أن غياب الرقابة الفعالة من جانب سلطات الولاية سمح بتحول هذه المراكز إلى “بقرة حلوب” تستفيد منها شبكات إجرامية منظمة.

لكن بدلاً من فتح تحقيقات واسعة، يتهم المقال مسؤولين بارزين في الولاية، بينهم الحاكمة كاثي هوكول والمدعية العامة ليتيشا جيمس وعدد من المشرعين المحليين، بمحاولة التقليل من حجم المشكلة أو تجاهلها.

والسؤال الذي يفرض نفسه: من الذي يسعون إلى حمايته؟ ولماذا لا يحظى دافعو الضرائب بالقدر نفسه من الاهتمام؟

يرى المقال أن السبب يكمن في طبيعة تمويل برنامج “ميديكيد”، إذ تتحمل الحكومة الفيدرالية أكثر من نصف تكلفته، وهو ما يدفع بعض مسؤولي الولاية إلى التعامل معه وكأنه مصدر أموال مجاني؛ فكلما ارتفعت قيمة الفواتير المقدمة، تدفقت أموال أكثر إلى نيويورك، حتى لو كان جزء منها ناتجاً عن عمليات احتيال.

لكن الحقيقة أن هذه الأموال لا تذهب إلى المحتاجين، بل إلى المحتالين، في حين يتحمل دافعو الضرائب، على المستويين الفيدرالي والولائي، تكلفة هذا النزيف المستمر.

وفي نظرنا، فإن استمرار هذا الوضع لا يعكس مجرد فشل إداري، بل يكشف عن غياب الإرادة السياسية لمواجهة واحدة من كبريات قضايا الهدر والاحتيال في منظومة الرعاية الصحية الأمريكية.

*نقلاً عن نيويورك بوست