منصة راصدة تحليلية لقضايا حقوق الإنسان

هذا القانون يقتل الوظائف الأمريكية ويُضعف الأمن القومي

04 أغسطس 2026
رسَت سفينة شحن في ميناء لوس أنجلوس في سان بيدرو بولاية كاليفورنيا في 24 يوليو 2026.
رسَت سفينة شحن في ميناء لوس أنجلوس في سان بيدرو بولاية كاليفورنيا في 24 يوليو 2026.

يصعب العثور على مثال أوضح على فشل السياسات التجارية الأمريكية من قانون جونز الذي أدى بعد قرن كامل من تطبيقه إلى تقليص إنتاج سفن الشحن في الولايات المتحدة إلى عدد محدود لا يتجاوز بضع سفن سنوياً، في وقت تبني فيه الصين أكثر من أربعة آلاف سفينة.

لقد حان الوقت لأن يمنح الرئيس دونالد ترامب والكونغرس أولوية لإلغاء هذا التشريع الحمائي الذي مضى على إقراره أكثر من مئة عام.

كان الهدف من القانون عند صدوره دعم صناعة النقل البحري الأمريكية، من خلال اشتراط أن تتم جميع عمليات الشحن بين الموانئ الأمريكية باستخدام سفن تُصنع وتُملك وتُدار وتُرفع عليها الراية الأمريكية.

لكن الواقع سار في الاتجاه المعاكس تماماً.

فارتفاع تكاليف بناء السفن داخل الولايات المتحدة انعكس على شركات الشحن، ثم انتقل في النهاية إلى المستهلكين، ما جعل البدائل الأخرى، سواء عبر الواردات أو النقل البري، أكثر جدوى من الناحية الاقتصادية.

والنتيجة كانت كارثية؛ فقد تراجع الطلب على السفن الأمريكية بشكل حاد، في الوقت الذي واصلت فيه تكاليف تصنيعها الارتفاع.

ومع مرور الوقت، أغلقت أحواض بناء السفن أبوابها أو أصبحت متقادمة، كما باتت الولايات المتحدة تعاني نقصاً واضحاً في البحارة المؤهلين.

واليوم لا يتجاوز حجم الأسطول الخاضع لقانون جونز 92 سفينة فقط.

وهذا يفسر لماذا لا يُنقل بحراً سوى 3.9% من إجمالي الشحن الداخلي في الولايات المتحدة، مقارنة بنحو 28% داخل الاتحاد الأوروبي.

ولم يتوقف الضرر عند هذا الحد؛ إذ أدى القانون أيضاً إلى رفع تكلفة السلع التي تُنقل بحراً، وهو ما تتحمله بشكل خاص ولايات وأقاليم مثل بورتوريكو وهاواي وألاسكا.

بل إن المفارقة الكبرى تتمثل في أن النقص الحاد في ناقلات الغاز الطبيعي المسال المطابقة لشروط قانون جونز جعل استيراد الغاز من الخارج إلى ولايات مثل نيو إنغلاند أقل تكلفة من شراء الغاز الأمريكي نفسه، وهو ما يناقض تماماً الهدف الذي وُضع القانون من أجله.

الحقيقة أن صناعة السفن التجارية في الولايات المتحدة أصبحت شبه ميتة.

فعلى الرغم من أن الاقتصاد الأمريكي يمثل نحو ربع الناتج الاقتصادي العالمي، فإن الولايات المتحدة تنتج أقل من 1% فقط من السفن التجارية في العالم.

وطالما اعتبر خبراء الاقتصاد هذا القانون نموذجاً للفشل التجاري.

وتشير الباحثة جينيفر تشين، من مؤسسة Balsa Research، إلى أن الولايات المتحدة تطبق قانون جونز منذ مئة عام، ومع ذلك استمر معدل بناء السفن المحلية في التراجع عقداً بعد آخر، بدلاً من أن ينمو، لكن الضرر لم يعد اقتصادياً فقط، بل امتد إلى الأمن القومي.

فالقانون أخفق أيضاً في الحفاظ على قاعدة صناعية بحرية قوية يمكن الاعتماد عليها وقت الأزمات.

وقد اضطرت القوات المسلحة الأمريكية في أكثر من مناسبة إلى استئجار سفن أجنبية لنقل الجنود والمعدات والإمدادات خلال العمليات العسكرية.

وتخيلوا لو اضطرت الولايات المتحدة إلى خوض حرب طويلة تتطلب أعداداً كبيرة من سفن النقل والقتال، في حين تمنع ظروف الحرب أو الحصار وصول السفن الأجنبية من الحلفاء.

إن قانون جونز ألحق ضرراً بالمستهلك الأمريكي، وأفقد الاقتصاد وظائف، وأضعف في الوقت نفسه مقومات الأمن القومي.

وإذا كانت المحيطات تغطي نحو 70% من سطح الأرض، فمن غير المنطقي أن تستمر الولايات المتحدة في تقييد قدرتها على بناء السفن.

لقد آن الأوان للتخلص من هذا القانون العتيق، وإعادة بناء صناعة بحرية أمريكية قادرة على المنافسة وخدمة الاقتصاد والأمن القومي معاً.

نقلاً عن نيويورك بوست