منصة راصدة تحليلية لقضايا حقوق الإنسان

أساور مراقبة.. مهاجرو هايتي يواجهون تشديداً جديداً لإجراءات الهجرة الأمريكية

04 أغسطس 2026
مهاجرو هايتي يواجهون أزمة جديدة في الولايات المتحدة
مهاجرو هايتي يواجهون أزمة جديدة في الولايات المتحدة

كشف تشديد إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب إجراءات الهجرة بحق المهاجرين الهايتيين عن تداعيات تتجاوز ملف الإقامة والترحيل إلى المساس بحقوق المهاجرين، بعدما بدأت السلطات الأمريكية تقييد حركة حاملي وضع الحماية المؤقتة عبر إجراءات رقابية جديدة.

ووفق ما أوردته صحيفة “واشنطن بوست”، بدأت وزارة الأمن الداخلي الأمريكية استدعاء مهاجرين هايتيين في ولاية أوهايو إلى مكاتب هيئة إنفاذ قوانين الهجرة والجمارك الأمريكية (ICE)، حيث جرى تزويد بعضهم بأساور مراقبة إلكترونية في الكاحل، عقب قرار المحكمة العليا الأمريكية الذي سمح للإدارة بإنهاء الحماية المؤقتة لنحو 350 ألف مهاجر هايتي، رغم استمرار الاضطرابات السياسية وعنف العصابات في بلادهم.

أكدت المديرة التنفيذية لتحالف الجسر الهايتي غيرلين جوزيف أن نحو 50 مهاجرًا هايتيًا في مدينة سبرينغفيلد استدعوا إلى مكاتب الهيئة، بينما أوضح محامون أن السلطات احتجزتهم لفترة وجيزة قبل الإفراج عنهم بشروط، شملت ارتداء أجهزة المراقبة الإلكترونية وعدم مغادرة نطاق 75 ميلًا من أماكن إقامتهم.

وأوضح مسؤول في إدارة ترامب، طلب عدم الكشف عن هويته، أن عمليات الاستدعاء ستنفذ على دفعات، فيما كانت وزارة الأمن الداخلي الأمريكية قد أبلغت أصحاب العمل رسميًا بإنهاء وضع الحماية المؤقتة، وهو ما تسبب في موجة من تسريح العاملين وحالة من الارتباك القانوني، في ظل استمرار نزاع قضائي بشأن موعد دخول القرار حيز التنفيذ.

برنامج الحماية المؤقتة

أنشأ الكونغرس الأمريكي برنامج الحماية المؤقتة عام 1990 لحماية المهاجرين من الترحيل إلى دول تشهد نزاعات أو كوارث أو أزمات استثنائية، مع منحهم حق العمل لمدة تصل إلى 18 شهرًا قابلة للتجديد، شريطة خلو سجلاتهم من الجرائم الخطيرة واجتياز الفحوص الأمنية.

اعتبر مدافعون عن حقوق المهاجرين أن الإجراءات الجديدة تعكس تحولًا في أسلوب تنفيذ حملة الترحيل، عبر استدعاء الأشخاص إلى مكاتب الهيئة بدلًا من تنفيذ حملات واسعة في الأحياء السكنية، وقال المحامي البارز في تحالف الجسر الهايتي إريك كرو إن هذه الآلية قد تنتهي بنقل أشخاص إلى مراكز احتجاز بعيدة ثم ترحيلهم، دون أن يتمكن المجتمع من التدخل كما يحدث خلال المداهمات التقليدية.

أعلنت وزارة الأمن الداخلي الأمريكية أنها لا تعلق على العمليات الجارية، مؤكدة أن وضع الحماية المؤقتة “مؤقت بطبيعته”، بينما قال محامون إن كثيرًا من الهايتيين الذين فُرضت عليهم أجهزة المراقبة لا تزال طلبات لجوئهم قيد النظر ولم تصدر بحقهم أوامر ترحيل نهائية.

أوضحت محامية الهجرة كارولين ماركس أن أجهزة المراقبة كانت تُستخدم سابقًا مع أشخاص لديهم سوابق جنائية أو أوامر ترحيل أو تخلفوا عن جلسات المحكمة، لكنها أصبحت تُفرض على مهاجرين ملتزمين بالإجراءات القانونية.

تداعيات إنسانية

من جانبها، كشفت وكالة “أسوشيتد برس” أن آثار هذه الإجراءات لم تقتصر على المهاجرين أنفسهم، بل امتدت إلى قطاع الرعاية الصحية، حيث تواجه دور رعاية المسنين ووكالات الرعاية المنزلية خطر فقدان أعداد من العاملين الهايتيين الذين يعتمد عليهم كبار السن وذوو الإعاقة في حياتهم اليومية.

انتقد عضو مجلس الشيوخ الأمريكي، كريس مورفي جهود إنهاء برنامج الحماية المؤقتة، معتبرًا أنها تعرض الأسر للخطر وتحرم سوق العمل من آلاف العاملين، مؤكدًا أن دولًا مثل هايتي واليمن وفنزويلا وسوريا لا تزال تفتقر إلى ظروف آمنة لعودة حاملي البرنامج.

أوضحت المحامية المشرفة في منظمة “مناصرو المساواة القانونية الأساسية”، كاتي كيرش أن ضباط هيئة الهجرة جمعوا البيانات الشخصية وبصمات المهاجرين، وشجعوهم على المغادرة الطوعية مع تذكيرهم بالحافز المالي البالغ 2600 دولار الذي تعرضه الوزارة لمن يختار “الترحيل الذاتي”.

وأضافت أن إحدى موكلاتها، وهي سيدة في الستينيات تعاني السكري، قد تحرم من حضور ولادة حفيدها بسبب قيود السفر، ولم تحصل على بديل لجهاز المراقبة رغم طلبها ذلك.

وأكد مدير مركز الدعم الهايتي في سبرينغفيلد، فيليس دورسانفيل أن ضباط الهيئة أبلغوه بأن قرار تركيب أجهزة المراقبة “جاء من أعلى المستويات”، بينما شددت المحامية المختصة بالتقاضي بشأن برنامج الحماية المؤقتة في الشبكة الوطنية لتنظيم العمال المياومين، جيسيكا بانسال على أن الحماية لم تعد قائمة عمليًا، ورأت محامية الهجرة، روبي باورز أن تكثيف المراجعات وأجهزة المراقبة يمثل وسيلة للضغط على المهاجرين لمغادرة البلاد.

مهاجرو هايتي خُمس القوة العاملة

تشير بيانات مكتب إحصاءات العمل الأمريكي إلى أن المهاجرين يمثلون نحو خُمس القوة العاملة في الولايات المتحدة، فيما يشكلون ثلث العاملين في الرعاية الصحية المنزلية، بحسب منظمة  PHI الأمريكية المعنية بالقوى العاملة في قطاع الرعاية.

وأوضحت نائبة رئيس الموارد البشرية في دار “كابريني أوف ويستشستر”، سيمون سميث أن المهاجرين يشكلون نحو 75% من العاملين بالمؤسسة، وأن ثمانية موظفين هايتيين ينتظرون تحديد مصيرهم، مضيفة أن الدار تستعد للاستعانة بوكالات تمريض وإقناع العاملين الحاليين بساعات عمل إضافية لتعويض النقص المحتمل.

وصف أحد العاملين الهايتيين في دار لرعاية المسنين في بروكلين، طالبًا عدم الكشف عن هويته، الخيارات المتاحة أمامه بأنها قاسية، بين البقاء داخل الولايات المتحدة في خوف دائم أو العودة إلى هايتي التي تعاني العنف والفقر، قائلاً إنه يدفع الضرائب وكل ما يريده هو مواصلة العمل.

جسّدت قصة سولانج فرينش، البالغة من العمر 91 عامًا، ومساعدة الرعاية المنزلية الهايتية مارثا نيلسون أثر الأزمة على كبار السن، فقد أصبحت نيلسون، التي وصلت إلى الولايات المتحدة بعد زلزال هايتي عام 2010، ترافق فرينش في تفاصيل حياتها اليومية منذ إصابتها بكسر في الورك قبل نحو ثلاثة أعوام، وتتولى إعداد الطعام، ومساعدتها في الاستحمام، واصطحابها إلى المواعيد الطبية، والعناية بشؤون المنزل.

أكدت فرينش أن فقدان نيلسون سيجعل حياتها “مستحيلة”، بينما قالت نيلسون إنها تفكر فيها حتى في أيام إجازتها، وتحمل معها نسخة من تصريح العمل أينما ذهبت خشية توقيفها، وتقضي كل يوم أحد في الصلاة طلبًا لمخرج من الأزمة، معربة عن خشيتها من أن تصبح حياة فرينش أكثر صعوبة إذا اضطرت إلى المغادرة.